هذا لون من ألوان الفن اعتاد الناس أن ينظروا إليه في ازدراء ومهانة ، وأن يقدروه مظهر ذلة واستكانة ، على أنه فن أصيل عريق ، اكتسب الأصالة من صدى العاطفة ، واكتسى العراقة من إلهام الفطرة ، وإنما يكون الفن حيث تكون حرارة النفس ، ورهافة الحس ، وانطلاق الروح ، فلحن الراعي في شبابته ، وترنم الشحاذ في صفارته وأهازيج الحادى فى قافلته ، ونداء البائع على سلعته ، وأنين الشاكى فى نشيجه ، كل هذه الترانيم التى تنبعث من الأعماق وهى تحمل هيام الروح وظمأ العاطفة ، ولهفة النفس ، أعرق فى الفن . وأقرب إلى القلب ، وأقدر على اقتحام المشاعر ، من تلك الألحان المصنوعة المرسومة التى يوقعها طلبة المعهد الموسيقى وهم جلوس على وضع خاص ، ومقيدون فى أدائهم بعلامات خاصة ، فغايتهم أن يؤدوا ما يلقن إليهم ، لا أن يعبروا عن أرواحهم ، أو عن شئ مما فى نفوسهم .
و لن يضير الفن أن يكون وسيلة للتسول والاستجداء وأن يترنم به الشحاذون طلبا للفتح والعطاء ، فما الإنسان فى الحقيقة إلا حيوان متسول بطبعه وبغريزته فهو لا ينفك كل يوم عند مطلب من مطالب الحياة يلح في استجدائه . ويتوسل في تحقيقه . فإذا ما أغلقت أمامه أبواب الطلب جلس يتمنى الأمانى ، ويستجدى من أكف الأوهام ما حرمه فى عالم الحقيقة ؛ على أنه من خلل العاطفة ، وخطل العقل أن تنظر إلى الفنان الشحاذ تلك النظرة المهينة وهو يمنحك من فنه ومن ذات نفسه ، ولم يشترط عليك أجرا أو يشق فى طلب ، تاركا ذلك لفضل أريحيتك وكرم عواطفك ، مكتفيا باللقمة يسد بها لهاته أو بالكسرة يدسها فى مخلاته ، أو بالمنحة تجرى بين أصابعه ؛ هذا فى الوقت الذى تكبر فيه صنيع ذلك المغنى المحترف ، وهو الذى يساومك على فنه وطربه ، و يماكسك مماكسة السوقة على غنائه وأدائه ، ولعمرى وهمرك متى كان الفن
الأصيل سلعة تعرض فى معارض البيع والشراء ، وبضاعة تخضع لأسلوب المساومة فى الأخذ والعطاء .
وعجيب كل العجب أن ننظر إلى الشحاذين فى فنهم نظرة المهانة والابتذال ، وهم الذين خلفوا للفن أروع الآيات ، وأسدوا إلى الإنسانية أمتع الترنيم وأعذب الألحان ؛ فهوميروس لحن الشعر الباقى على الزمن ، ورائد الشعر والفن إمام كل شاعر وفنان ، لم يكن إلا شيخا ضريرا رث الهيئة زرى الثياب ، يتكفف الناس بأناشيده ، ويمشى متنقلا بين القرى والمدن اليونانية متغنيا بمقطوعاته وأشعاره ؛ ومن مجموع هذه الأشعار تألفت قصيدتاه " الإلياذة " و " الأوديسة " وإنهما لدلالة المجد ليونان فى القديم وفى الحديث ، وعلى مدى الأيام ، ولقد مضي ما مضى من القرون والأجيال ، وما زال العالم أجمع يتغنى بأمجاد يونان ومفاخرها ، لا كما رواها المؤرخون وتحدث بها الكاتبون ، بل كما ترنم بها ذلك الشاعر الضرير الشحاذ .
وهذه شعوب البلقان ، أتى عليها حين من الدهر وهى هدف الفاتحين والمستعمرين ، حتى تحللت قوميتها وتخاذلت شخصيتها ، وضاعت معالمها العريقة تحت سنابك الخيل المغيرة ، فلم يخفظظ للبلقانيين تاريخهم ولغتهم إلا طائفة من العميان المتسولين كانوا يتوارثون نظم الأغانى والأناشيد ، ويحذقون توقيعها فى الناى والرباب ، ويطوفون بالقري والدساكر ، يحدثون أبناء قومهم حديث الزمن الغابر ، ويروون لهم وقائع بطلهم " ماركو " صاحب الخنجر الذهبى الذي كان يلبس جلد الذئب ، ويركب الجواد " شارانز " فيفرق جيوش الأعداء ، ويخلص الأسرى من العناء ، على نحو ما نعرف من مظاهر البطولة فى قصص عنترة والمهلهل وبنى هلال . ويرى الباحثون أن أغانى أولئك العميان وأناشيدهم هى التى حفظت للبلقانيين تاريخ أسلافهم ، وقصص أبطالهم . وصانت لغاتهم من الضياع والنسيان .
وماذا في الأدب العربى غير شعر ألف برسم أمير ، أو كتاب كتب على شرط وزير ، وإلا روائع الضصيد وآيات الشعر أنشدت طلبا للعطاء في ساحات لللوك وعلى أبواب الخلفاء وهذه مقامات الهمذانى والحريرى وأكثر ما فيها من مادة فنية يقوم على حبل أهل الكدية وبراعة العباقرة في صناعة بني ساسان ( ١ ) . وهل تعلم أن الشاعر الكبير أبا عبادة البحترى كان في مطلع حياته يطوف بالأسواق فى أسمال خلقة بالية وفي يده مخلاة ، فينظم الأشعار لباعة الخضر والبقول والفاكهة ينادون بها على سلعهم فى الناس ويأخذ الأجر على ذلك ما يمنحونه من فضل سلعهم وبضائعهم فلا يعود إلا وقد امتلأت مخلاته بما يشتهى ويريد .
ولعل صنيع الشاعر الأندلسي أبي عامر بن شهيد كان اعجب وأغرب ، إذ كان يجلس في قرطبة - وهو ما هو مجدا وحسبا وعلما - يصنع الأشعار للشحاذين إعانة لهم على نيل ماريهم عند الناس ، واستدرار عطف العامة على حالهم . وفي قصة " النوابع والزوابع " يتحدث ابن شهيد عما كان يقع له مع هؤلاء الشحاذين فيقول : " وربما لاذ بنا المستطعم باسم الشعر ممن يخبط العامة والخاصة بسؤاله ، فيصادف منا حالا لا تتسع له فى كبير ميرة ، فنشاركه ، ونعتذر له ، وربما أفدناه بأبيات يتعمد بها البقالين ومشايخ القصابين ، فإذا قارفت أسماعهم ومازجت أفهامهم ، در حلبهم ، وانحلت عقدهم ، وجل شخص ذلك البائس في عيونهم ، فما شئت إذ ذاك من خبزة وثيرة يحشى بها كمه ، ورقبة سمينة تدس فى مخلاته ، و تينة رطبة يسد بها حلقومه ، فلا يكاد البائس يستتم ذلك حتى يأتينا ، فيكب علي أيدينا يقبلها ، وأطرافنا يمسحها ، راجيا في أن نكشف له السر الذي حرك العامة فبذلت ما عندها له ، وبادرت برفدها إليه ، وتعليمه ذلك النحو من الشحذ لا نستطيعه ، لأن هذا الذي يريد منا هو تعليمه البيان ، وبين فكره وبينه حجاب ، ولكل ضرب من الناس ضرب من الكلام ، ووجه من البيان . . "
وفى كل فن من معارض القول سر من أسرار البيان يصله بالنفوس ، ويستفز الوجدانات بالانفعال ، وليس ذلك
بقاصر على الفصحى وحدها ، وإنما هو كذلك في الكلام الملحون ، وفى طرائق التعبير بالعامية ، وإنك لتجد من هذا فى أغانى الشحاذين اللهجة البارعة تهز عطفك ، والمفارقة الرائعة تستخف طربك ، والقصة المؤثرة بوقائعها و غرائبها يجرى بها الصوت الشجى البحوح فى نغم البيانى هادئا لينا وكأنه بهذا يعرب عن معانى الاستسلام لأحداث الزمان القاسية ، وتقلبات الأيام العاتية ، وصنيع الدهر الذي طالما هدم كل شامخ مكين ؛ وفي أحيان نراه ينطلق عالية تنتفخ به أوداج السائل في حدة وشدة ، وكأنه بهذا يفصح عما فى نفسه من الغيظ والحنق ، إذ ينادى ولا سميع ، ويدعو ولا مجيب ، وإنه لتعبير عن واقع الحال ، وليست البلاغة كما قالوا إلا التعبير عن مقتضى الحال .
نجد هذا كله في أغانى الشحاذين ، ونجد إلى جانبه صورة للبيئة الشعبية في المجتمع المصرى ، يتجلى فيها كثير من نوازع هذه البيئة واتجاهاتها ، إذ أن هذه الأغانى تدور فى موضوعاتها ومعانيها على تملق العواطف وإثارتها ، سواء بالضرب على وتر الدين ، أو بالوعظ بأحداث الزمان وحوادث الأولين ، أو بتلقف النوادر وفكاهات المضحكين ، أو بترديد أدوار العشق والغرام وقصص المحبين ، إلى آخر تلك المعاني التى تجد الصدى والتجاوب فى نفوس السامعين ؛ وفى كل هذا تجد الباحث ألوانا من الأسى والحزن ، وألوانا أخري من فن الطرب والضحك ؛ ومن ثم كانت أغانى الشحاذين من أهم فنون " الفولكور " الشعبي الذي يعنى الباحثون بدراسته ، وتقصى مراميه ودلائله .
على أن فى أغانى الشحاذين ناحية جديرة بالتقصى والدرس والنظر والتحليل ، وأعنى بها ذلك القصص يرددونه بألحانهم وتوقيعهم ، وكله يدور حول المجزات الدينية ، وخوارق الأولياء وكراماتهم ؛ فمن أين انتهى إليهم هذا القصص بوقائعة وغرائبه ؟ وماذا له من المصادر الأصيلة والرواية الصحيحة ؟ وإلى من يرجع صنعه وحكايته ؟ وما مدى صلته بالبيئة الاسلامية وأثره فى نفسيتها ؟ فى كل هذا يجد الباحث أمامه مجالا فسيحا للدرس الطريف ، والتحقيق الممتع ! ولأجل أن نفصل الكلام فى كل ماقدمنا ، رأينا أن نقسم الشحاذين إلى طوائف ، ونخص أغانى كل طائفة منهم بالكلام على حدة ، وإلى المقال التالي حيث نسير في موكب المداحين .

