-٢-
فى مقالنا السابق قصصنا على القارئ قصة الأمريكية التى بنت لنفسها فى الهند بيتا من طين قرت به عينا ، وقصة الشبان الأمريكيين الذين يعدون أنفسهم ليكونوا مهندسين معماريين ، وبينا كيف أن أساتذتهم انتهزوا فرصة شراء أسرة لعزبة جديدة فبادروا يعرضون عليها أن يقوم طلبتهم المتقدمون بعمل تصميم لبيت عصرى يوفرون فيه كل أسباب المتعة والهناء لهذه الأسرة التى سرعان ما رحبت بالعرض ، وكان بين الطرفين تجاوب وتعاون انتهى بأن فازت الأسرة بتصميم جميل لبيت نموذجى بديع اختارته من بين سبعة عشر مشروعاً عرضت عليها .
وقد وعدنا القارئ أن نصور له فى هذا العدد المشروع المختار ونمر عليه شارحين مزاياه . وها نحن نورد مع هذا المقال الصورة المقصودة وفيها رموز يجد القارئ دليلها تحتها فى نفس الرسم وتتبع الصورة بالشرح الموعود لمزايا البيت المنشود . ولعل من الواجب أن نشير هنا إلى أن الأسرة مكونة من زوج وزوجة وثلاثة صبية ذكور وطفلة صغيرة . يقع هذا البيت كله فى طابق واحد ويتكون كما يظهر
فى الصورة من قسم رئيسى إلى الشمال ويشتمل على ثلاث غرف للنوم ، اثنتان كبيرتان إحداهما ( التى إلى الشمال الشرقى ) لرب البيت وزوجته وطفلتهما ، والأخرى (التى فى الشمال الغربى ) لاثنين من أبنائهما والثالثة لابنهما الأكبر . ويتوسط الغرف الثلاث حمام .
كما يشمل هذا القسم الرئيسى من البيت ثلاث حجرات أخرى متصلة إلى حد كبير ومتداخلة على شكل حرف L الأفرنجى : الأولى هى المطبخ والثانية حجرة الطعام ، وهما فى الواقع تكونان غرفة واحدة كبيرة وإن قسمت إلى قسمين شبه مستقلين . والغرفة الثالثة هى غرفة الجلوس والاستقبال معاً ، وتكاد حجرة الطعام (أو القسم الشرقى من المطبخ )تكون جزءا من غرفة الجلوس فهى أشبه ما تكون بملحق لها يضاف إليها عند الضرورة وبين الاثنتين من الناحية الشرقية باب خاص يؤدى إلى فراندة طويلة جميلة مبلطة تطل على المناظر الطبيعة البديعة التى كانت أحد العوامل فى اختيار هذه البقعة لإقامة المنزل عليها . وتلى الفراندة حديقة المنزل الرئيسية تحيط بها حواجزتقيها وتعزلها .
ومما يعين على الاستمتاع بالفراندة والمناظر كثرة الشبابيك بالواجهة الشرقية فى كل من حجرتى الجلوس والأكل .
هذا عن القسم الرئيسى المنزل ، أما القسم الثانوى أو الإضافى (وهو فى الناحية القبلية )فيشتمل على أربع غرف صغيرة اثنتان ملحقتان بالمطبخ ، إحداهما الكرار للخزين ، والثانية للغسيل ، وهما تكونان معا وحدة يطلق عليها وحدة أو حجرة المنافع . والغرفتان الأخريان عند المدخل القبلى للمنزل أولاهما (الشرقية )لخلع النعال والملابس
القذرة وللغسل والتنظيف بوجه عام . والثانية ( الغربية ) هى مكتب رب الدار الذى يحفظ فيه أوراقه ويحاسب فيه عملاءه .
وفى امتداد هذا القسم الإضافى من الناحية الغربية يقع الجراج الذى يتسع لسيارتين ، وفيه مدخلان للبيت أحدهما يوصل إلى القسم الرئيسى منه والثانى إلى القسم الإضافى والآن فلننتقل بالقارئ إلى شرح مزايا هذا البيت :
١ - أول ما يمتاز به كثرة المداخل وتنوعها حسب الظروف وكذلك سهولة المرور ؛ فهناك المدخل الرئيسى فى الناحية الغربية يدخل منه القادم فى سيارة فيسير فى ممر محمى من المطر ببروز سقف البيت فوقه ، ثم يدخل إلى طرقة
موصلة إلى كل من مدخلى المطبخ وغرفة الجلوس ، وإلى الطرقة التى يقع فيها جناح النوم . وهناك مدخل آخر من مأوى السيارات أيضا يؤدى إلى حجرة المنافع الملحقة بالمطبخ ومنها إلى المدخل الثانى له .
وأما المدخل القبلى فمنعزل يدخل منه أصحاب البيت بعد انتهائهم من أعمالهم ومعهم عملاؤهم الفلاحون للتحدث بشأن العمل ولمراجعة الحسابات ، أو التجار الذين يبغون شراء محاصيل أو مواش بعد معاينتها فى الجرن أو الزريبة التى لا مناص للسائرين فيها من أن تتلوث أحذيتهم وملابسهم ،ولذا فإن دخولهم من هذا الباب إلى المكتب يركز فيه احتمال التلوث ويحمى بقية أجزاء المنزل . وإذا أراد أصحاب المنزل
بعد ذلك أن يلجوا بقية أجزائه وجب عليهم أن يدخلوا أولاً إلى الغرفة المقابلة للمكتب حيث يخلعون نعالهم وملابسهم القذرة وينظفون أنفسهم بقدر الإمكان . وعلى هذا المنوال يظل البيت فى جملته نظيفاً كما تمنى أصحابه .
ونظرة واحدة إلى الرسم تدلنا على أن المرور فى جميع أنحاء البيت سهل ، وعلى أن الانتقال من أى جزء منه إلى أى جزء آخر يتم دون أن يضطر الإنسان إلى اختراق اية واحدة من الحجرات الرئيسية فيه وهذه ميزة لها قيمتها .
٢ - وحجرات النوم تمتاز بكثرة ما فيها من دواليب أو أشباهها لحفظ الملابس ، وسرير الطفل فى الحجرة الكبرى منعزل وحوله ستأئر تحميه من الضوء حتى ينام الطفل أثناء النهار بسهولة . وفى حجرتى الأولاد تخت أو مكاتب للمذا كرة . وقد روعى فى تصميم الحجرة الكبرى منهما إمكان وضع سرير ثالث فيها فوق السرير الذى فى الركن ، إذا دعت الحاجة ، لينام الأولاد الثلاثة معا فى حجرة واحدة وتخلو الحجرة الصغرى لزائر مثلا أول للطفلة إذا كبرت واحتاجت لحجرة خاصة أو لأى سبب آخر.
٣ - والحمام تصميمه جميل فقد حجز منه جزء بباب خاص للمرحاض وجعل لمكان البنيو باب خاص لا يدور ، وإنما ينزلق فيدخل فى فجوة خصصت له داخل الحائط الذى يفضل البنيو عن مكان الغسيل الذى وضع فيه حوضان لا حوض واحد كالمعتاد . وبهذا تحققت كل الأغراض التى تمناها أصحاب البيت ، إذ أصبح الحمام يتسع لأربعة منهم فى آن واحد أحدهم فى المرحاض والآخر يستحم فى البنيو والآخران يغتسلان فى الحوضين . وعلى الرغم من ذلك كله فالحمام فى ذاته قليل المساحة بحيث يسهل تنظيفه . وعلاوة على هذا فقد جعل فيه دولاب صغير يتسع للبياضات والفوط وما إليها .
٤ - يمتاز البيت أيضاً بأن المساحة المخصصة للأكل يمكن اعتبارها جزء من المطبخ أو جزءا من حجرة الجلوس ، وبذا اكتسب كل منهما اتساعا وشراحة . وأصبحت ربة الدار لا تحس بالوحدة عندما تضطر العمل فى مطبخها وقتاً طويلا فى الليل ، إذ أن اتصال الحجرات الثلاث يؤنسها
ويشعرها بأنها متصلة ببقية أفراد الأسرة . وكذلك الحال بالنسبة لها أثناء قيامها بواجبها فى حياكة الملابس واستعمالها لماكينة الخياطة . ويلاحظ أن هذه لها مكان تدخل إليه فتختفى فيه بعد الانتهاء من استعمالها فتصير جزءا من الدولاب (أو البوفيه )الموضوع فى شرق الحجرة تحت شباكها الشرقى .
وجهاز التليفزيون وضع على طاولة متحركة بحيث تدور فتأخذ أى اتجاه،وبذلك يواجه الجهاز أفراد الأسرة أينما يكونون وحيثما يجلسون كما يشاءون .
٥ - والمطبخ توافر فيه ابتعاد التلاجة عن المواقد واتساع المكان المخصص لشغل السيدة ربة الدار . وهى تستطيع أن تعمل واقفة أو جالسة حسبما تريد فإذا شاءت الجلوس فما عليها إلا أن تجر إلى الأمام لوحا خشبيا داخلا تحت الرف او البنك الذى تعمل عليه واقفة ، فإذا خرج اللوح كان بمثابة طاولة تستخدمها للعمل وهى جالسة .
ثم إن وفرة الشبابيك الغربية (والشباك القبلى المجاور لها )يمكنها من الإشراف على المشتغلين فى الجرن والجراج والزريبة بسهولة ، وتستأنس برؤيتهم حين تكون فى البيت وحدها أثناء ساعات العمل للرجال والمدرسة للأولاد . وقد سبقت الإشارة إلى بروز السقف فوق ممرالمدخل الرئيسى ، فهو يحمى المطبخ من حدة الشمس الغربية القوية فى الصيف فلا تضايق السيدة .
هذا وقد كانت تخشى من اتصال المطبخ ببقية أجزاء المنزل أن تتسرب روائح الطعام وأبخرته فتفسد جو البيت وتضايق السكان . ولكن المصممين ركبوا لها مروحة فوق المكان الذى فيه مواقد الطبخ تحت غطاء أو مظلة مجوفة أقاموها تحت السقف وفوق هذه المواقد ، وبذلك صارت هذه الأبخرة وتلك الروائح تتسرب إلى الخارج أولاً فأولاً بمجرد ظهورها فلا تضايق أحدا .
٦ - وأخيراً نشير إلى أمرين لوحظا فى التصميم : الأول
(البقية على الصفحة التالية )
أن البيت قد أقيم على أرضية من الخرسانة سمكها نحو ٨ سم وتحتها عازل يمنع دخول الرطوبة إليه أو تسرب الحرارة منه . وفى وسط هذه الخرسانة وضعت الأنابيب التى تحمل البخار الساخن للتدفئة . وأما السخان الذى يمدها بهذا البخار فقد وضع فى مكان متوسط بالمنزل أقرب ما يكون إلى حجر النوم .
والأمر الثانى أنه لوحظ فى تصميم المنزل ووضعه بالنسبة للجهات الأربع الأصلية أن تكون الرياح الغالبة فى المنطقة التى أقيم فيها المنزل بحيث تدفع الروائح المنبعثة من الزرائب (أو حظائر المواشى )أو أمكنة تربية الدواجن أو من
الفتحة التى يخرج منها هواء المروحة المركبة فى المطبخ والمشار إليها فى البند السابق - كل هذه تدفعها الرياح الغالبة بعيداً عن منافذ البيت فلا تنسرب إليه ولا تؤذى ساكنيه .
والآن وقد انتهينا من وصف هذا البيت العصرى ، يخيل إلينا أنه أقرب إلى القلب من البيت المبنى من الطين . وإنى أرجو الله تعالى أن يهبنى بيتاً فى الريف كهذا الذى وصفت ويبارك لى فيه حتى تقر به عينى .

