أنشئ الأزهر منذ نيف وألف عام ليكون مقر الدعاوة للدولة الفاطمية ومذهبها، ولكنه لعوامل معروفة تطور وتمرد على ما أريد له وبه فصار منارة علم ومعرفة، والمركز الأول لنشر الدين وعلومه على أصول مذهب أهل السنة. ثم لعوامل أخرى، كان يتقدم نحو غايته أو يتأخر، إلا أنه لا يزال معقل علوم الدين واللغة في مصر والعالم الإسلامي والعربي كله
وكان من الحتم أن يعرف الأزهر، في أثناء ما مضى من عمره الطويل، الفلسفة وطرقها وغاياتها. إلا أنه قدر عليه، بحكم طبيعته وما ورث من أفكار وتقاليد عن العلماء المسلمين السابقين، أن يكون ضد الفلسفة والفلاسفة، وذلك لما رآه من الفارق الكبير بل التعارض الواضح أحيانا بين الدين ومقرراته وبين الفلسفة وآرائها ومنهجها في التفكير وابن سينا لم يضع قدمه في الأزهر. ولكن التفكير الفلسفي الإسلامي الذي تمثله فلسفة الشيخ الرئيس قد عرف الأزهر، وكان له فيه خصوم وأنصار، ولذلك استحق صاحب الشفاء أن يقرن بالأزهر في حديث نسهم به في مهرجانه الألفي على أننا لن نتعرض، في هذا البحث، إلا للأزهر الذي عرفته تلميذا وأستاذا، وذلك قرابة نصف قرن من الزمان، مع ما يتطلب هذا من الرجوع للماضي الذي لم نشهده وإن كنا نعرفه أيضا
ولعل من الحق أن نقول بأن هذا البحث له جوانبه العسيرة الشائكة، بالنسبة للأزهري، بخاصة متى صدر عن عصبيته للحق وحده دون ما درج عليه من تربية وألف من تقاليد، إذ كان لهذه التربية والتقاليد حكمها وتأثيرها القوي حتى ليعتبر الخروج عنها عقوقا وانحرافا عن سواء السبيل
١ - الأزهر قبل عهدي به
كان لثورة الغزالي على الفلسفة والفلاسفة، وبخاصة ابن سينا، أن نفر المسلمون من الفلسفة واعتبروها معارضة للدين عدوة له. كما كان من آثار هذه الثورة القوية العاتية أن ندب
فيلسوف الأندلس الأشهر أبو الوليد بن رشد المتوفي عام ٥٩٥ هـ نفسه للدفاع عن الفلسفة والانتصار لها ورد اعتبارها إليها
إلا أن دفاع ابن رشد مع قوته، لم يستطع الوقوف دون حملة الغزالي العارمة، هذه الحملة التى لا يزال بعض أثرها ملموسا حتى هذه الأيام. وكل ذلك قد تأثر به الأزهر بطبيعة الحال في ماضيه، كما لا يزال يتأثر به إلى حدثنا في حاضره. وعلى الأقل بالنسبة لبعض الشيوخ ومن الناحية الرسمية بصفة خاصة
لقد سئل الإمام المحدث الفقيه أبو عمر تقى الدين الشهرزورى المعروف بابن الصلاح، المتوفى عام ٦٤٣ - ١٣٤٥ م عن حكم الله فيمن يشتغل بمؤلفات ابن سينا تعليما وتعلما فأجاب غفر الله له: من فعل ذلك فقد غدر بدينه وتعرض للفتنة العظمى، لأن ابن سينا لم يكن من العلماء، بل كان شيطانا من شياطين الإنس (١)
وسئل عن الحكم فيمن يشتغل بالمنطق والفلسفة بصفة عامة تعليما وتعلما، وهل يجوز استعمال المنطق في إثبات الأحكام الشرعية، فكان من إجابته: إن الفلسفة أس السفه والانحلال. ومادة الحيرة والضلال. ومثار الزيغ والزندقة. ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة ومن تلبس بها تعليما وتعلما حالفه الخذلان واستحوذ عليه الشيطان. وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة ومدخل الشر شر وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع، ثم انتهى أخيرا بأن رأى أن الواجب على السلطان عرض من ظهر منه اعتقاد الفلاسفة على السيف أو الاسلام، وعزل من يقوم بتدريس شئ من الفلسفة أو التصنيف فيها؛ فإن الطريق في استئصال الشر قلع أصوله (3) وفي أوائل القرن التاسع الهجري نجد ابن خلدون
المتوفى عام ٨٠٨ هـ = 1405 م، يذكر في مقدمته أن الفلسفة مخالفة للشريعة، فليكن الناظر فيها متحرزا من معاطبها (1) كما نجد تقى الدين المقريزي، المتوفى عام ٨٤٥ هـ = 1441 م، يؤكد أنه قد انجر على الإسلام وأهله من علوم الفلاسفة ما لا يوصف من البلاء والمحنة في الدين، وعظم بالفلسفة ضلال أهل البدع وزادتهم كفرا إلى كفرهم (2)
وفي القرن العاشر الهجري نجد طاش كبرى زاده المتوفى عام 963 هـ = 1554م، يذكر فلاسفة الإسلام وبخاصة الفارابي وابن سينا، بأنهم أعداء الله ورسله، وأنهم أضر على عوام المسلمين من اليهود والنصارى لأنهم يتستسرون بزي أهل الإسلام (3)
على أن من الحق أن الإسلام ليس بدعا في هذه الخصومة التي قد تقتضيها طبيعة الدين وطبيعة الفلسفة، فإن تاريخ العلم والتفكير الفلسفي في العصور الوسطى المسيحية حافل بأعنف ألوان الصراع بين العلم ورجاله والكنيسة وحماتها إنه لا فرق في هذا بين المسيحية والإسلام، إلا أن يكون عنف الخصومة وتفاهة أسبابها أظهر في الأولى
ومهما يكن. فهذه الأحكام والفتاوى كان لها أثرها القوي فيما جاء بعدها من أيام وعصور، ولا يزال لها بعض الأثر حتى هذه الأيام، فلا يجب أن يتأثر الأزهر والأزهريون بها أثرا غير قليل
هاهو ذا جلال الدين السيوطي، العالم الأزهري الكبير والمتوفى عام 911 هـ = 1505م، يذكر في مقدمة كتابه طبقات المفسرين بأنه كان مال في دراسته إلى المنطق، ثم كرهه وتركه حين سمع بأن ابن الصلاح أفتى بتحريمه، وبلغ من كراهته له أن ألف في التنفير منه كتابا سماه: "صون المنطق والكلام عن علم المنطق والكلام" وقد نشر هذا الكتاب لأول مرة بمصر سنة ١٩٤٦
على أن الأمر لم يقف في ذلك العهد على تحريم دراسة الفلسفة والمنطق، بل كانت هناك علوم أخرى (4) تحط دراستها من قدر العالم الأزهري وتثير إخوانه عليه. كما كان
هناك من الأزهريين المشاهير، برغم هذا وذاك، من أدرك وبال تلك التقاليد على الأزهر نفسه، فخرجوا عما ألفوا من أفكار وتقاليد، وتعرضوا بذلك لسخط الرأي العام في الأزهر
ونذكر من هؤلاء الشيخ حسن العطار، وهو أحد الشيوخ الأعلام وممن ولوا مشيخة الأزهر، وقد توفى عام ١٢٥٠ هـ لقد اتصل الشيخ العطار بغير مصر من بلاد الإسلام كما اتصل بالعلماء الفرنسيين حين دخل الفرنسيون مصر وحاول أن يعرف سر نهضة فرنسا وتقدمها، فكان له من ذلك نزعة للتجديد ظهرت من خلال كتاباته العلمية الأزهرية لكن معاصريه رأوا ذلك بدعا واتهموه بالميل والانحراف إنه يذكر في بعض كتاباته ما كان من علماء الاسلام السابقين من الاطلاع على كل ما ألف من العلوم؛ حتى كتب المخالفين في العقائد وكتب اليهود والنصارى. وأما نحن في الأزهر فقد اقتصرنا على ما ألفه المتأخرون فلا تطمح نفوسنا إلى غيرها فإذا ورد علينا ما ليس فيها، قلنا هذا من كلام الفلاسفة أو من علوم أهل البطالة. وينتهي بقوله: وهذه نفثة مصدور، فنسأل الله السلامة واللطف (١)
وفي موضع آخر يذكر فائدة الاشتغال بالعلوم الطبيعية وما تؤدي إليه من اختراع الآلات العجيبة والصناعات الحربية ونحوها، كما عرفه مما عرب في زمنه من كتب الفرنجة. وينتهى بوصاية قارئه بألا يجعل سعيه مصروفا لغير الكمالات العرفانية ويختم بقوله: وهذه نفثة مصدور، ولله عاقبة الأمور (2) ولكن كان لصاحب هذه "النفثات" من النفوذ والأثر، بحمد الله، ما دفع أولى الأمر للاستجابة فما بعد لنزعته في التجديد في الأزهر، فبفضله وفضل من أخذ إخذه صدر أمر الخديوي عباس الثاني سنة ١٣١٤ هـ. ١٨٩٦ م بتدريس الإنشاء وعلوم اللغة وآدابها، والهندسة والجغرافية ونحو هذه العلوم، رسميا بالأزهر
ومما يؤكد أن هذا هو الحال الذي كان أيام الشيخ العطار ما يؤكده علي مبارك المتوفى عام ١٨٩٣ م، إذ يقول وليس لهم - أي للأزهريين - التفات لنحو التاريخ والجغرافية والفلسفة، بل يرون ذلك بطالة وتضييعا للزمن بلا فائدة. ويتهمون من يقرأ كتب الفلسفة، ويشنون
عليه الغارة، وربما ينسبونه للكفر (١) ومن أنصار الفلسفة والدراسات الحديثة في ذلك الوقت الإمام الشيخ محمد عبده، وقد لقى في ذلك ما هو معروف من تعصب الأزهريين عليه ورميه بالزيغ والإلحاد
إذ كانوا يزعمون أن تلقي تلك العلوم قد يفضى إلى زعزعة العقائد الصحيحة، وقد يهوى بالنفس في ضلالات تحرمها خيري الدنيا والآخرة (٢)
إذا لا جرم أن تقرر بأن الأزهر، وبخاصة في تلك الفترة التي نتحدث عنها، ما كان يطبق الفلسفة، لا فرق بين فلسفة ابن سينا أو غيره من فلاسفة المسلمين، بل غير المسلمين ولا جرم كذلك أن نرى الدراسات الفلسفية بما تتطلب من نشر التراث القيم الذي تركه لنا أسلافنا الأعلام تتأخر في الأزهر إلى حد كبير، حتى أصبحنا نجأ إلى كتابات الأوربيين لنتعرف فلاسفة العرب والإسلام
يحدث هذا، مع أن العداوة بين الدين والفكر لا تقوم إلا على الجهل الذي يرين على العقل فيحول بينه وبين التفكير، كما يجثم على القلب فيضيق بالنظر والفكر يحدث هذا والقرآن نفسه قد جعل للعقل مكانا عليا. كما ناط به النظر في كل ما خلق الله وكشف أسرار الكون، وذلك هو الوسيلة الأكيدة للإيمان بالخالق جل وعلا
٢ - الأزهر الذي عرفته بنفسي حتى الآن
إذا كانت فتوى ابن الصلاح ضد الفلسفة بصفة عامة وفلسفة ابن سينا بخاصة، كان لها من الأثر القوى أن يعرض الجلال السيوطي عن النطق بعد إقباله على دراسته ويؤلف كتابا في ذمه، فإن هذا الأثر ظل قويا حتى بداية هذا القرن العشرين الذي نعيش فيه
حقا، لقد كان مما حفظناه في بداية طلبي للعلم بالأزهر أي منذ قرابة أربعين عاما، حول المنطق وتحريم تعلمه أو جوازه، هذان البيتان:
فابن الصلاح والنواوي حرما وقال قوم ينبغي أن يعلما
والقولة المقبولة الصحيحة جوازه لكامل القريحة ومع هذا، يجب أن نقول بأنه كان في هذا العصر الحديث، غير الشيخ الإمام محمد عبده، من كان من كبار شيوخنا يدرس الفلسفة مع من يثق به من إخوانه وبخاصة فلسفة ابن سينا. ولعل منهم العلامة الشيخ محمد بخيت مفتي مصر في زمنه ونحن الآن نستعين في نشر كتاب الشفاء لابن سينا بنسخته الخاصة. ومنهم أيضا الشيخ حسين والي، وهو من أعيان علماء الأزهر ومصر، بدليل ما نراه عن ذلك فيما كتبه في علم الكلام. ومنهم الأستاذ الأكبر الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الأزهر الحالي، أمد الله في أيامه، إذ كان يلقب وهو طالب بابن سينا وقد سمعت هذا منه بنفسي بمنزله عام ١٩٤٥
لكن الأزهر الرسمي ظل مجافيا للفلسفة، حتى نعلم الأخلاق منها، إلى عهد غير بعيد، ولنترك الكلمة في هذا للمغفور له الأستاذ الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرازق، إذ يقول في تقدمة كتاب لي تاريخ الأخلاق عام ١٩٤٠ فيما يقول: منذ أكثر من عشرين عاما كنت سكرتير مجلس الأزهر الأعلى والسكرتير العام للمعاهد الدينية، وكنت بحكم منصبي متصلا بمناهج التعليم بالأزهر وما يقرر تدريسه من الكتب، وأذكر انه في ذلك العهد كان قرر تدريس كتاب تهذيب الأخلاق لابن مسكويه في بعض السنين الدراسية، وسرني ذلك لأنني كنت أحب أن نجد كتب الفلاسفة الإسلاميين منفذا إلى المعهد الإسلامي الأكبر
ولم يمض زمن طويل حتى علمت أن المدرسين والطلاب شكوا من تدريس رسالة ابن مسكويه، بحجة أنها تتضمن من الآراء والمذاهب ما يعتبر فلسفة ينبغي أن ينزه عنها الأزهر الشريف، وحل محل "كتاب تهذيب الأخلاق" رسالة صنفها بعض مدرسي الأزهر تتضمن آثارا وحكما ومواعظ تحث على مكارم الأخلاق وتنهى عن مساويها (1) ثم ضعف اتصالي بمناهج التعليم في الأزهر، ولم أعد أساير ما يجد من التغيير في شئون التعليم بالأزهر إلا لماما
وقد اطلعت أخيرا على كتاب للأستاذ. اسمه تاريخ الأخلاق يطبع للمرة الثانية في عامين. والكتاب عرض طيب لتاريخ الأخلاق في الشرق القديم، وعند الإغريق في
العصور المختلفة، وفي القرون الوسطى، وفي الفلسفة الحديثة، وفي الإسلام عند الفلاسفة وغير الفلاسفة
عادت بي الذاكرة حين راجعت فصول هذا الكتاب إلى ما كان من حديث ابن مسكويه منذ بضعة وعشرين عاما، فأدركت مبلغ ما حدث من التغيير في الجو العلمي الأزهري في أقل من ربع قرن من الزمان، ورجوت أن يكون ذلك آية من آيات الحرية الفكرية في البحث العلمي التي التمس المصلحون شيئا منها للأزهر الشريف منذ زمان ووجدوا في سبيل مسعاهم أذى كثيرا
هذا، ونقول إن هذا التطور الرسمي العلمي في الأزهر التطور الذي أثلج منا القلوب، كان بفضل سعة تفكير الشيخ الأكبر المراغي وعمق إدراكه للأمور، وعمله على وجوب تطور الأزهر إلى درجة أن ينتفع بالتراث الفلسفي الإسلامي في سبيل الدين وعقائده الصحيحة
إنه، بفضل إصلاح الشيخ المراغي، اتخذت الفلسفة حتى الإغريقية منها، مكانها الرسمي بين المواد الدراسية بالأزهر، وإن كانت لم تأخذ حتى الآن مكانها الحري بها مادامت لا تدرس لذاتها، وإن كانت أعانت إلى حد ملحوظ على تطور عقلية أبناء الأزهر
بفضل هذا الإصلاح، الذي طالما تشوق إليه محبو الأزهر، سارت الأخلاق تدرس باعتبارها فرعا من فروع الفلسفة لدى الإغريق وغير الإغريق، لا على أنها مواعظ وحكم مأثورة كما كان الأمر في أيامنا ونحن طلاب. وصار طلاب كلية أصول الدين بخاصة يدرسون دراسة جادة فلسفة أرسطو وأفلاطون والفارابي وابن سينا وابن رشد ومن إليهم، دون تكفير أو نكير، فسرت من ذلك روح جديدة طيبة في الأزهر لدى الطلاب وطوائف من المسلمين، وأخذ فريق من هؤلاء يسهمون في نشر تراث فلاسفتنا الأعلام وبفضل هذا الإصلاح أيضا، صار للأزهر نفر تخصصوا في الفلسفة بجامعات أوربا، كما صار له طبقة أخرى تخصصوا فيها هنا في مصر في الأزهر نفسه، ومنهم من كانت رسالته التي نال بها العالمية من درجة أستاذ في التوحيد والفلسفة في ابن سينا وموقفه من الدين والفلسفة
ومع هذا كله. تعنى مع الحظ الملحوظ الذي نالته الفلسفة - وبخاصة الإسلامية - في الأزهر بفضل ذلك
الإصلاح، وبفضل الاتصال الواقع بين الأزهر والجامعة وبفضل عامل الزمن بصفة عامة - نقول مع هذا كله هل لنا أن نقرر بأن من الأزهريين من يشارك ابن سينا فيما وصل إليه من نتائج تتعلق بالله وصلته بالعالم، كما تتعلق بالبعث والحياة الأخرى، ويرضى ذلك عقيدة له؟ لا أظن أن مثل هذا الأزهري موجود بيننا، مادام يعتقد صحة القرآن وماجاء به من مقررات تتصل بالله وعلاقته بالعالم وبالدار الأخرى
ومن أجل ذلك، نرى أن ابن سينا والفلاسفة أمثاله قد اكتسبوا فعلا حق أن يدرسوا بالأزهر، ولكن ذلك شئ واعتناق فلسفاتهم الإلهية والطبيعية شئ آخر، ما دمنا بحمد الله نعتقد اعتقادا لاريب فيه بصحة ما جاء به القرآن من عقائد خاصة بالله والعالم، وسواء في هذا من لم يتخصصوا في الفلسفة ومن تخصصوا فيها
خاتمة
١ - رأينا كيف ساير الأزهر التطور العلمي والفكري وإن كان في بطء قد يكون شديدا، ويرجع هذا البطء إلى وراثته التفكير الإسلامي بما له من مزايا وعيوب في القرون الوسطى. بعكس الجامعة التي تساير التطور الفكري العالمي في سرعة قد لا تكون محمودة العواقب دائما، ومرجع هذا فيما نعتقد أنها قامت من أول أمرها على التقاليد الفكرية الغربية
٢ - وكان من أثر هذا التطور في الأزهر أن اتسع صدره حتى للدراسات الفلسفية، سواء لدى المسلمين أو غيرهم من الإغريق والمسيحيين. فصار للفلاسفة العالميين الخالدين مكانهم في الأزهر، بلا نكير من أحد
٣ - وأنه، مع هذا التطور وسعة الصدر، ومع تخصص البعض منا في الفلسفة بأوربا، لم يتجاوز الأمر دراسة هؤلاء الفلاسفة دراسة نقد ومقارنة، إلى قبول ما كان من آرائهم لا يتفق وأصول الإسلام
٤ - ثم قد أصبحنا، بفضل الله، على ثقة بأن زمن العداء الشديد والخصومة العنيفة بين رجال الدين ورجال الفلسفة قد انتهى إلى غير رجعة. وأصبحنا الآن أقدر على الحكم الصائب على ما وصل إليه ابن سينا وغيره من فلاسفة الإسلام من حق، وأقدر على تقدير جهودهم المضنية التي بذلوها في سبيل التوفيق بين الفلسفة والدين

