الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 691الرجوع إلى "الثقافة"

الحب والخير والجمال في فلسفة ابن سينا

Share

١- ليس شئ أبعد عن الصواب وأكثر مجافاة للحق من أن يدعي مدع أن الشيخ أبا علي بن سينا كان مجرد مقلد لأرسطو أو غيره من فلاسفة اليونان، أو مجرد شارح للفارابي الذي يقال إنه هو الآخر ربيب الفلسفة اليونانية؛ فإن ابن سينا ينفرد من بين مفكري الإسلام بأنه أول من جرؤ على نقد مذاهب المشائين أتباع أرسطو وحاول أن يضع في الفلسفة مذهباً مستقلاً لم يراع فيه  على حد قوله جانب الشركاء في الصناعة، ولم يخش فيه من شق العصا على أرسطو أو المشائين

إننا نلمس في فلسفة ابن سينا تيارين مختلفين يسير كل منهما في اتجاه خاص، وإن كانا يلتقيان أحياناً، يظهر أحدهما في صورة الفلسفة الأرسطية الممتزجة بالأفلاطونية الحديثة، وهذه الصورة هي التي راعى فيها الفيلسوف  جانب الشركاء في الصناعة  فعرض فيها آراء فلاسفة اليونان عرضاً لم يتوخ فيه تجريحاً ولا رفضاً، ويظهر التيار الآخر في صورة الفلسفة المشرقية التي تتجلى فيها روحانيته وعاطفته، كما تتجلى فيها نزعته القوية نحو التوفيق بين التعاليم الفلسفية اليونانية التي يؤمن بها في جملتها وبين المبادئ الدينية الرئيسية التي هي مقومات الإسلام. ولم يلتزم ابن سينا الأخذ بمذهب فلسفي معين سبقه إليه غيره بل أخذ من الفلسفات القديمة كل ما لاءم غرضه وأفكاره ما دام في ذلك تحقيق للغاية التي كان ينشدها، وهي أن يفلسف العقائد الإسلامية، أما أنه نجح في التوفيق بين الدين والفلسفة، بين ما يقول به العقل وما ينطق به الوحي فهذه مسألة أخرى

في هذه الصورة الثانية لفلسفة ابن سينا نجد اتجاهاته الخاصة في بعض مسائل الفلسفة ونلمس عبقريته وإصالته وعلى الرغم من أنها لا تمثل مذهباً فلسفياً كاملا، تكفي في إبراز شخصية الفيلسوف واستقلاله. وتمييزه عن غيره من فلاسفة اليونان والإسلام على السواء. ومن أروع هذه الاتجاهات

ما كتبه في مسائل الحب والخير والجمال التى اتخذتها موضوعا لهذا المقال

٢ - على هذه التصورات الثلاثة يبني ابن سينا فلسفة في نشأة العالم وتطوره، وبواسطتها يفسر مسألة العناية الإلهية، ثم يخلص في النهاية إلى رأي صريح في طبيعة الوجود ومصيره: أهو في طبيعته خير يسير نحو الوئام والانسجام، أم شر تضرب في جوانبه الفوضى

عنى ابن سينا كما عنى غيره من الفلاسفة في كل العصور بمشكلة الوجود: كيف نشأ، ولماذا يتغير، وإلى أين يسير فهداه نظره في الموجودات إلى أن كل كائن مهما كان حظه من التطور ينزع بفطرته إلى الوجود وينفر بطبعه من العدم، لا فرق في ذلك بين حي وغير حي، عاقل وغير عاقل، أرضي أو سماوي. ثم لاحظ كذلك أن الكائنات لا تتزع بفطرتها إلى الوجود أيا كان نوعه، وتنفر من العدم أيا كان نوعه، وإنما ينزع كل منها إلى وجود خاص به تتحقق به ماهيته أو كماله؛ وينفر كل منها من عدم خاص يحرمه صفة من صفات كماله الوجودي فكل معدن، وكل نبات وحيوان ناطق وغير ناطق، وكل ملك له كماله الوجودي الذي يتجه بفطرته إلى تحقيقه، والذي يحققه بالفعل عن طريق مجموعة من القوى مغروزة في جبلته تدفع به دفعا إلى الظهور على مسرح الوجود العام ولا يقفها عن هذا الدفع إلا قاسر خارجي لا طاقة لها بمقاومته. ففي الكائنات جميعها لا في الكائنات الحية وحدها كما ذهب إليه برغسون قوى كامنة تتعشق الوجود والظهور، وتنكشف شيئا فشيئا حسبما تقتضيه طبائعها؛ وفي كل مرحلة من مراحل تطورها تحصل لنفسها صفة من الصفات الوجودية وتتحقق لها درجة من درجات الوحدة والانسجام، فتقترب بذلك خطوة من كمالها هذه هي نقطة البدء في هذا الجزء من فلسفة ابن سينا وهو يسمى ذلك الدافع الذي يدفع بالكائنات نحو الظهور ويحقق لها كمالها الوجودي الخاص باسم "العشق": تلك

القوة الخفية التي يفسر بها كل حركة وسكنة في السكون سواء في تلك التفاعلات الكيميائية البسيطة وتجارب النفوس البشرية في العشق الإنساني، بل هيام النفس الإنسانية بالله

٣ - أما أن الكائنات على اختلاف أنواعها وطبائعها تعشق الوجود وتنفر من العدم، فذلك لأن الوجود هو الخير، ولأن العدم هو الشر، وهذا مطرد في الأشياء إطراده في الأفعال الإنسانية، فكل شئ تنقصه صفة من الصفات الوجودية التي هي كمال له شر، وكل فعل إنساني فيه معنى سلب الوجود شر أيضا. ولذا لا يدخل الشر في أفعال الله لأنه لا يصدر عنه إلا وجود ولأنه لا دخل للامكانيات في أفعاله. فالألم بجميع أنواعه شر، والمرض شر والفقر شر، والعمى والصمم وكل ضعف أو نقص في الحواس شرور؛ والقتل والسرقة والزنا والكذب وخلف الوعد وغير ذلك من الرذائل شرور لاحتوائها جميعا على ناحية العدم أو سلب الوجود

بهذا استطاع ابن سينا أن يوحد بين القول بأن "كل كائن يعشق وجوده الخاص الذي به يتحقق كماله" والقول بأن "كل كائن يعشق خيره الخاص" كما استطاع أن يستنبط مبادئ علم الأخلاق من مبادئ مذهبه الميتافيزيقي وليس الخير معشوق كل موجود فحسب، بل هو الشئ الوحيد المعشوق لذاته وكل ما عداه يعشق من أجله ولو أتيح لكل موجود أن يحقق وجوده كاملا؛ ولو لم تقف العوائق حائلا دون الوصول إلى ذلك الكمال لعم الخير أرجاء الكون، ولكن العوائق قائمة، فعنصر الشر قائم لا محالة في هذه النظرية أثر لميتافيزيقا أفلاطون ممتزجة بطبيعيات أرسطو، وفيها فوق هذا أثر قوي للمذهب الثنوي الفارسي القديم، ولكن ابن سينا يتجاوز هذه العناصر كلها إلى وحدة فكرية متسعة هو صاحبها ومبتكرها

4- وظاهر مما تقدم أن نظرية ابن سينا في الوجود نظرية جبرية؛ فقد رسم لكل كائن الطريق الخاص الذي لا مناص له من السير فيه، وغرزت في جبلته قوى لا مناص لها من الظهور، بل غرز فيه عشق لإظهار هذه القوى على مسرح الوجود. كل كائن في عالم ابن سينا مقيد مجبر جبرا أزليا، ولا يستطيع بحال التخلص من طبيعته، ولكن جبرية فيلسوفنا ليست جبرية آلية مادية، لأنه يفسح المجال

في مذهبه لفكرة العناية الإلهية التي تحفظ على الكائنات وجودها وتمدها بالصور التى تحقق لها كمالها: إذ الموجودات  من حيث هي قاصرة عن أن تحقق ذلك الكمال بنفسها، ومفتقرة إلى من يحققه لها، وذلك هو الموجود الكامل بالذات  (الله) الذي يفيض الوجود عليها

الله إذا في نظر ابن سينا هو المبدأ المفيض للوجود هو الكامل بالذات وهو الخير بالذات، وإذا قلنا إنه الخير بالذات فقد قلنا إنه المعشوق بالذات، لأن "الخير" - كما أسلفنا - هو الذي يعشق لذاته. فكل الموجودات تتجه نحو منبع الخير الذي هو علة فاعلة من حيث إفاضة الوجود عليها، وعلة غائبة من حيث إنه معشوق لها

ولكن ابن سينا لا يقف عند هذا الحد، بل يعمم فكرة الجبرية والضرورة بحيث تشمل الله ذاته. فإن الله الذي حصل الكمال الوجودي في ذاته لا يملك أن يبقى منطويا على نفسه، مانعا خيره من أن يظهر خارجا عنه ويفيض على غيره، حابسا لصفات جماله وجلاله: إذ الجواد لا يملك إلا أن يجود ويأبى إلا أن ينال منه، والخير لا يملك إلا أن يفيض عنه الخير إلى غيره، ولذلك كان فيضان الخير من الله على الموجودات فيضانا ضروريا قضت به طبيعته، ولا دخل للإرادة فيه، لأن الإرادة اختيار بين أمرين وليس أمام مبدأ الخير سوى أمر واحد هو التجلي بما عنده على عشاقه

٥- هكذا يفسر ابن سينا سر الوجود بل سر  الخلق - إذا قصدنا بالخلق معنى الظهور في الصور، لا معنى  الوجود من العدم. وهذا السر هو العشق من جانبين: من جانب مبدأ الخير لأن طبيعته تنزع إلى إظهار ما فيها من جمال وكمال فتفيضهما على الموجودات كل بحسب طاقته واستعداده؛ ومن جانب الموجودات نفسها لأن طبيعتها تنزع إلى إظهار ما تنطوي عليه من صفات وجودية يتحقق بها كمالها. وهذا معنى طالما عرج عليه الصوفية في تأويل الحديث القدسي الذي يقول الله فيه: "كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فيه عرفوني". ولكن الصوفية - أو جمهورهم على الأقل - تختلف فكرتهم في الخلق عن فكرة ابن سينا اختلافا جوهريا

٦ - والعشق الذي يتحدث عنه ابن سبنا يختلف في درجاته وأنواعه؛ فهو طبيعي بسيط ساذج في عالم الجماد معقد بعض الشئ في عالم النبات، وهو حسي شهواني وأكثر

تعقيدا في عالم الحيوان، ونطقي اختباري في الإنسان وهذه الأنواع والدرجات موجودة كلها في هذا الأخير من حيث هو جسم حي ونفس ناطقة؛ ولكنه من حيث هو إنسان - أي من حيث هو كان ناطق فقط - يجب ألا يكون عشقه إلا من النوع النطقي، وألا تكون لذته الحاثلة له من هذا العشق إلا لذة عقلية، وإلا هبط بنفسه إلى  مستوى البهائم أو ما هو دونها. فإذا أحب الإنسان شيئا مما من شأنه أن يشبع شهوة طبيعية كالأ كل والشرب والجماع والمحاربة، وجب أن يحبه لا لمجرد اللذة الحسية الحاصلة عنه، بل لمعنى أشرف وألطف هو تحقيق كمال ما للنوع الإنساني. فالزوج مثلا يجب ألا يحب زوجته من أجل المباضعة، بل لأنها شريكته في استبقاء النسل الإنساني والمحارب يجب ألا يحارب من أجل لذة التغلب والظفر بل للذب عن غاية شريفة فيها خير لأمته أو للإنسانية جمعاء وهكذا

وأعلى نموذج للعشق فوق هذه البسيطة هو العشق الإنساني؛ ولكن هذه القوة الخفية تعمل عملها في الكائنات السماوية أيضا: فهي التي تحرك الأفلاك في مساراتها وتمسك عليها وحدتها ونظامها. وبالجملة فكل ما في الوجود يتحرك بحركة العشق نحو كماله ونحو واهب الكمال (الذي هو المعشوق على الإطلاق (الله

٧ - العالم إذا كما يتصوره ابن سينا عالم يفيض بالخير والجمال والكمال، وهذا قول لا يقول به إلا فيلسوف متفائل: بل فيلسوف ديني متفائل، إذ للعناية الإلهية النصيب الأكبر في تدبير الوجود على النحو الذي هو عليه؛ فهي التي غرزت في طبائع الموجودات قواها، وبثت فيها الشوق الغريزي لإخراج هذه القوى إلي حيز الوجود، وهي التي تفيض على الموجودات ما لا يتناهى من الخير الذي هو الكمال الوجودي كما أسلفنا

ولكن كيف يحل ابن سينا مشكلة الشر في العالم مع أنه يقول: إنه ليس في الإمكان أبدع مما كان؟ من أين يأتي الشر والكل يصدر عن الله الذي هو خير محض؟ يحيب الفيلسوف عن هذا بأن الشر ليس ذاتيا في طبيعة الأشياء والأفعال، وأنه لا يدخل فيها إلا دخولا عرضيا، الشر  كما قلنا هو فقد وجود، أو عدم صفة وجودية في شئ من شأنه أن يتصف بها. وهو بهذا المعنى غير ذاتي

وغير صادر عن الله. هو وليد العوائق التي تحول دون بلوغ الكائن كماله الوجودي: كأن يقتل الصقيع النبات الغض، أو يحول دون نضج الثمر في شجر مثمر. هذا شر بالنسبة لصاحب النبات والشجر، ولكنه ليس شيئا يفيض عن الله، ولا شيئا ذاتيا في طبيعة النبات الغض أو الشجر المثمر أو الصقيع ولهذا ليس للشر وجود إلا في حساب الإنسان. أما الكائنات غير العاقلة فلا يدخل الشر في حسابها

هذا هو الشر الذي نراه في الأشياء؛ أما الشر في الأفعال الإنسانية فهو نسبي أو اعتباري: إذ كل فعل من حيث هو فعل، خير بالنسبة إلى صدوره عن علة فاعلة، ولكنه قد يعتبر شرا بالنسبة إلى من يلحقه ضرر أو أذى بسببه مثال ذلك ظلم الإنسان فإنه خير من حيث صدوره عن علة فاعلة، ومن حيث هو مظهر للقدرة والقدرة تطلب التسلط بطبيعتها. ولكنه يعتبر شرا بالنسبة لمن يقع عليه الظلم

وكذلك إحراق النار: فهو بالنسبة إلى النار خير أو كمال تستلزمه طبيعتها، ولكنه يعتبر شرا بالنسبة لمن يلحقه الأذى من الإحراق. ومعنى هذا أن مفيض الوجود يمنح الإنسان القدرة على الفعل ظلما كان أو عدلا، ويمنح النار قوة الإحراق، ولا يخلق ظلم الظالم ولا ضرر النار؛ وليس من الحكمة عنده أن يمنع النار من أن تحرق، أو القدرة من أن تتسلط، أو الطبيعة الغضية من أن تثور

على أننا لو سلمنا بوجود الشر بالمعنى الذي أسلفناه فإننا نجد أنه ليس المبدأ الغالب في الوجود، لأن الاستقراء يدل على أن الأشياء التي هي شر كلها أو معظمها، والتي تتعادل فيها كفتا الخير والشر، لا وجود لها: وكل ما هو موجود يحتوى من الخير أكثر مما يحتوى من الشر. فالمرض موجود ولكنه ليس أكثر انتشارا من الصحة، وقس على ذلك سائر الأشياء والأفعال

٨ - بهذا تجمع لابن سينا عناصر مذهب متسق في طبيعة الوجود والقوى المحركة له. واستطاع أن يربط بين فكرة العشق وفكرتي الخير والجمال في وحدة فلسفية متجانسة، وأن يبرز خلال كل ذلك الدور الذي تقوم به العناية الإلهية في تدبير العالم والسير به في اطراد غير منقطع نحو كماله المنشود

اشترك في نشرتنا البريدية