أثار موضوع اللذة - ولا يزال - مشاكل شتى فتساءل الناس عن حقيقتها، وأنواعها، وتفاوت اللذات فيما بينها؛ وبحثوها في اختصار بحثاً سيكلوجياً. وحاولوا من ناحية أخرى أن يبينوا إلى أي مدى تصح أن تكون غاية للحياة ومقياساً للسلوك. فلها جانبان: أحدهما سيكلوجي والآخر أخلاقي
وإذا كان المحدثون قد فصلوا بين هذين الجانبين وعرضوا لكل واحد منهما في استقلال، فإن القدامى خلطوا بينهما وشغلوا خاصة باللذة في مظهرها السلوكي
ولم يخرج ابن سينا على هذه السنة، اللهم إلا أنه ربط كعادته السلوك بالتصوف، فجاء بحث اللذة جزءاً من دراساته التصوفية
وقد وقف عليه في "كتاب الإشارات" صفحات ممتعة يمكن أن تعد من أحسن ما وصلنا من مفكري الإسلام في هذا الباب. وأبى إلا أن يجعل منه مقدمة للنمط الثامن: في البهجة والسعادة فمهدت فكرة اللذة عنده للسعادة الحقة وارتبطت بها كل الارتباط. وفي بحثه هذا عمق ودقة يؤذنان بضرب من الابتكار والشخصية، وحوار
ومناقشة يدلان على أن موضوع اللذة لعهده كان مثار أخذ ورد واختلاف وتباين
واللذة في رأيه حال إيجابية كالألم، وتقوم أصلاً على أساس ذهني فكري. ذلك لأنها "إدراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك كمال وخير"، في حين أن "الألم إدراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك آفة وشر". والخير والشر هنا اعتباريان يرجعان إلى تقدير الملتذ أو المتألم وتتفاوت درجة كل منهما بحسب الظروف والأحوال فالطعام للجائع، والغلبة للغضبان، ونيل الشكر للمحسن خيرات في نظر هؤلاء، سواء أكانت خيراً في ذاتها أم لا وهي بهذا تحقق لذائذ لا شك فيها
وعلى هذا تعتمد اللذة على أمرين جوهريين: تحقيق غاية معينة، وتصور أن هذه الغاية خير. وليس بلازم أن يستمر هذا التصور إلى النهاية، فقد أتصور غاية خيراً فألتذ بها، ثم أمل ذلك أو أعدل عنه، فينقلب الخير إلى شر واللذة إلى ألم. والمريض قد يكره الدواء - لأنه دواء - وإن يكن حلو المذاق
على أن ابن سينا لم يغفل ما للإحساس والوجدان من شأن في اللذة والألم، فيلاحظ أن تصور الغاية وحصولها لا يكفيان، بل لا بد معهما من شعور بذلك. وإن انتفى هذا الشعور انتفت اللذة والألم، فالصحة والسلامة قد لا يلتذ بهما الالتذاذ بمطعوم أو مشروب، لأن الإحساسات إن تكررت واستقرت تصبح عادية مألوفة لا يشعر بها الإنسان شعوراً واضحاً
وما دامت اللذة تتوقف على الشعور فلا بد من استكمال وسائله، وإلا لم تستبن لذة ولا ألم. فالمريض يعاف الطعام اللذيذ، ويوم أن يبرأ يطلبه. والعضو المتخدر لا يحس بألم، فإن انتعش أحس به إحساساً قد يصل إلى الضجر والشكوى
هذه هي حقيقة اللذة وتلك هي مقدماتها. وإنا لنلمس في هذا الشرح ابن سينا الفيلسوف والطبيب في آن واحد يحلل ويعلل في ضوء فلسفته، ويستمد من طبه ليوضح ويمثل، وبقدر ما يقربه شرحه هذا من المحدثين يبعده عن القدامى، فقد لحظ في تعريف اللذة أمرين لم يتنبه لهما رجال التاريخ القديم والمتوسط في وضوح. وهما: أولاً أنها حال إيجابية لا سلبية، فهي أمر قائم بذاته وليست مجرد انتفاء الألم أو امتناعه. وثانياً: أنها تعتمد كالألم أيضاً على قسط من الشعور والإحساس، فنحن نحس باللذة احساساً متميزاً عن إحساسنا بالألم، وكثيراً ما صاحب هذا الإحساس نشاط جسمي وذهني عند اللذة، أو خمول وتوقف عند الألم
وإذا ما صعدنا إلى الفلسفة اليونانية وجدنا أن فكرة اللذة استوقفت بوجه خاص أبيقور ومدرسته، فبدأ يقرر مع أرستيوس أن اللذة حسية، لأنه لا وجود إلا لعادة وإذا استبعدنا الحس من الإنسان لم يبقى منه شئ. إلا أنه لم يلبث أن نوع اللذات تنويعاً باعد بينه وبين أستاذه مباعدة كبيرة، فهناك لذات صادرة عن نزعات طبيعية وضرورية كالاأكل والشرب، وأخرى عن نزعات طبيعية وغير ضرورية كأغذية المترفين، وثالثة عن نزعات غير طبيعية وغير ضرورية كجمع المال ورفعة الشأن. والحكيم يقتصد في الأولى، ويقهر الثالثة، ويوازن في الثانية
وهذه النزعات منشأ اختلاف الجسم والحياة، فإن توازنت اطمأن الإنسان وسار في طريقه سعيداً موفقاً وهذه الطمأنينة هي اللذة التى ليست وراءها لذة
ولم يقف أبيقور عند هذا، بل ذهب أيضاً إلى أن اللذة سلبية والألم إيجابي، فهي فقدان الألم أو انتفاؤه بدليل أن اللذة لا تجئ على أثر لذة أبداً، وإنما تعقب الألم عادة
ولم تكن آراء أصحاب مذهب اللذة هؤلاء بخافية على مفكري الإسلام، فقد نقلت فيما نقل من تراث اليونان
حقاً أن فكرة اللذة والألم أثيرت في العالم الإسلامي منذ عهد مبكر، فقد وجه القرآن والحديث النظر إليهما، وخاصة فيما يتعلق بنعيم الآخرة المقيم وعذابها الأليم، وحاول المعتزلة
أن يوفقوا بينها وبين مشكلة الصلاح والأصلح، فرأى فريق منهم أن الله لا يؤلم أحداً بألم يمكن أن تقوم اللذة في الصلاح مقامه. ودعا المتصوفة إلى التقشف ومحاربة اللذائذ، لأن الألم يصهر النفوس ويهذبها
إلا أن هذا كله على هامش موضوع اللذة، أما صحيحه فقد عالجه من جاءوا بعد عصر الترجمة. وإذا كان لم يصلنا من الفارابي شئ يعتد به عن اللذة، فإن إخوان الصفاء وقفوا عليها رسالة مستقلة من رسائلهم، هي الرسالة السادسة عشرة وعنوانها: "في خاصية اللذة". ويذهبون فيها إلى أن اللذة جسمانية وروحانية، وهي على كل حال تلك الراحة التى يشعر بها الإنسان عند زوال الألم. أما الآلام فهي خروج المزاج عن الاعتدال والأمر الطبيعي إلى أحد الطرفين من الزيادة أو النقصان لسبب من الأسباب، وما أكثرها وإذاً فالآلام لا تحصى. وهنا نلحظ أثر أبيقور، فإن اللذة عند إخوان الصفاء وعنده حال سلبية، والألم مجافاة للأمزجة والنزعات الطبيعية
على أن إخوان الصفاء لم يتعمقوا في هذا الموضوع ويعنوا به عناية الرازي الطبيب الذي يمكن أن يعد فيلسوف اللذة في الإسلام، دون أن يكون لهذه التسمية أي معنى تهكمي. وقف عليها كتاباً خاصاً سماه"مائية اللذة"، وعنى بها عناية ملحوظة في كتاب "الطب الروحاني" المشهور وعرض لها في "رسالة السيرة الفلسفية" التى نشرت منذ خمس عشرة سنة. وإذا كنا لم نقف بعد على الكتابين الأولين، فقد وصلتنا منهما شذرات تكفي، إذا ما ضمت لما ورد في "السيرة الفلسفية" لتصوير رأيه في اللذة والألم، لا سيما وقد أثار هذا الرأي نقاشاً في النصف الأخير من القرن الرابع الهجري، وكان له صداه فيما انتهى إليه ابن سينا من تعريف اللذة وبيان أنواعها
ويرى الرازي أن الألم خروج عن الطبيعة، في حين أن اللذة عودة إليها، وليست هذه العودة شيئا آخر سوى زوال الألم. فاللذة إذاً أمر عدمي والألم أمر وجودي ومن أمثلة ذلك لذة الأكل عند زوال ألم الجوع، ولذة الشرب عند زوال ألم العطش، وإذا كانت الآلام متفاوتة فاللذات متفاوتة أيضاً، لأن اللذة تعظم تبعاً للألم الذي تحل
محله. وإذا استمرت اللذة وطالت تحولت إلى ألم وما لا يدرك بالحس لا يمكن التلذذ به بحال؛ فاللذة والألم مرتبطان بالإحساس ولا ينفصلان عنه
وقد صادف هذا الرأي مؤيدين ومعارضين في أخريات القرن الرابع الهجري وأوائل القرن الخامس. ومن مؤيديه ابن مسكويه الأخلاقي المشهور، الذي لم يكتف بأن يعرض لموضوع اللذة في كتاب "تهذيب الأخلاق" بل وقف عليه بحثاًخاصاً عنوانه "في اللذات والآلام". وهو يزعم كالرازي تماماً أن اللذة راحة من ألم ومسبوقة به دائماً
أما المعارضون فكثيرون، وفي مقدمتهم دعاة الإسماعيلية بوجه عام، كحميد الدين الكرماني وناصري خسرو صاحب زاد المسافرين، وهما يأخذان على الرازي أن مذهبه لا يعترف إلا باللذات الحسية، مع أن هناك لذات أخرى لها وزنها وقيمتها، وهي سرمدية دائمة كلذات الآخرة
وإذا صح أن العودة إلى الحال الطبيعية تسبب ضرباً من اللذة، فإن هناك أسباباً أخرى غير هذا، كالخبر السار أو رؤية شخص لم يكن ينتظر لقاؤه
هذه وغيرها من آراء متقابلة رددت في بيئة ابن سينا وشغلت أذهان معاصريه، وفيها ما يبين مدى اهتمامهم بموضوع اللذة ودرسه. ولا غرابة في أن ينضم الأستاذ الرئيس إلى جماعة الإسماعيلية، ويعارض الرازي معارضة واضحة، ونحن نعلم أنه نشأ في وسط إسماعيلي. فهو ينكر أن تكون اللذة مجرد حال سلبية تترتب على زوال الألم، ويلاحظ أن الإحساس وحده لا يكفي في تفسير الملذات على اختلافها ذلك لأن هناك لذات أخرى أكمل وأبقى من اللذات الحسية، ويعنى بها اللذات العقلية
ولإثبات هذه يسلك ابن سينا سبيلاً من الاستدلال كله قوة وإقناع. فيشير إلى أنه كثيراً ما ضحى باللذائذ الحسية في سبيل معان واعتبارات ذهنية، ويكفي أن تذكر الشجاعة التي قد تنتهي بصاحبها إلى الهلاك دفاعاً عن الدين
أو الوطن، والكرامة التي قد يفضل معها المرء الجوع على ذل السؤال. وليست اللذة الباطنية مستعلية على اللذة الحسية لدى الإنسان فحسب، بل من الحيوانات العجم ما يستمسك بأهدابها، فمن كلاب الصيد ما يقتنص على الجوع ثم يمسكه على صاحبه وربما حمله إليه
وكيف تنكر اللذة العقلية وهي سبيل السعادة والاتصال بالعالم العلوي، وأية لذة أسمى من أن يتأمل المرء عالم العقول والأفلاك، فتصبح حياته تأملاً دائماً ونظراً مستمراً، هذه هي البهجة الحقة وتلك هي السعادة الكاملة

