الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 690الرجوع إلى "الثقافة"

حزم خليفة ونبل قائد

Share

وليس ثمة فرق جوهرى اليوم بين المدارس المصرية وبين الجامعات سوى بحوث أعضاء هيئة التدريس . إذ لا يوجد مقابل لها فى المدارس ، ولكننا لو أمعنا النظر

أما الآخر فهو البطل الذي هز الدنيا بفتوحاته وانتصاراته وقوة بأسه . . وبراعته الحربية الفائقة .

وكلاهما عرف بالشخصية الاستقلالية التي تأبى أن تخضع أو تذل أو تستكين .

ولدا في مكة ، وشبا فيها ، وعرفا بالبطش والصرامة . أما أحدهما فأسرع إلى الإسلام بعد لأى ، وأما ثانيهما فقد كان حربا على المسلمين ، إذ هزمهم في موقعة أحد . . ولم يسلم إلا بعد الفتح

فلما مات النبى استبقى أبو بكر أولهما إلى جواره يستشيره وأرسل ثانيهما يدفع عن الإسلام الردة .. ، فجاهد المرتدين والمتنبئين ومانعى الزكاة جهادا قويا ، ردهم به إلى الجادة ورد به إلى الإسلام الوليد هيبته في شبه الجزيرة .

لعلك قد عرفت بعد من أعنى : هما " عمر " و " خالد " عمر الخليفة الحازم الذى كان يضاعف العقوبة لأهله إذا أحدثوا امرا . . وينقصهم فى العطاء . . ويردهم إلى الصفوف الأخيرة . . هو عمر الذي لم يقبل من سيف الله " خالد " ، أن يجيز لنفسه حرية التصرف فى العطاء أو يسرف في إنفاق ماله من فىء .

وكأنما كانت جائزة الأشعث بن قيس هي عقدة هذا الصراع بين القائد المظفر والخليفة الحازم .

غير أن الصراع كان من جانب واحد ، من جانب الخليفة الذي يرى أنه يجب أن يرجع إليه في كل شئ . . والذي يأبى أن تفتن خالدا انتصاراته الضخمة في قليقلة وأرمنية ، وفي الشام والعراق . . فيبيح لنفسه أن يعطى الشعراء و أن ينفق عن سعة حتى تذكر أريحيته إلى جوار أريحية ملوك بنى غسان وملوك الحيرة .

ولكن عمر ، كان قد بدأ صراعه مع خالد من قبل ، بدأه عندما طلب الخليفة الأول ، سيف الله ، ليسأله عن قتله ابن نويره وزواجه بأمرأته .

فلما أن ولى الخلافة بعد أن قضى أبو بكر . . كان أول أعماله خطابه بعزل خالد وتأمير أبي عبيدة .

ولم يقل خالد شيئا ، بل عمل جنديا تحت قيادة أبي عبيدة ، وسجل له التاريخ أروع قصص البطولة والفتح . . إلى أن بلغ عمر أن خالدا أجاز الأشعث بن قيس بعشرة آلاف ، هنا أحس عمر أن الأمر قد بلغ أقصى ما يمكن أن يكون من الخطر ؛ وأن خالدا قد أراد أن يتشبه بالملوك والأمراء دون أن يقيم للخليفة وزنا .

فكتب إلى أبى عبيدة يطلب إليه أن يستقدم خالدا إليه وأن يسأله : أأجاز الأشعث من ماله أم من إصابة أصابها ، " فإن زعم أنه قد أصابها فقد أقر بجنايته ، وإن زعم أنها من ماله فقد أسرف " وأمره أن يعزله على كل حال . . وأن يضم إليه عمله .

غير أن أبا عبيدة على ما به من حياء وما يكنه لخالد من تقدير...أخذته الحيرة . . ثم ترك الأمر لرسل الخليفة ، واكتفى بأن كتب إلى خالد يستدعيه ، وجمع الناس فى المسجد ، وجلس على المنبر صامتا ، ياله من منظر خالد في تاريخ الإسلام . . وفي تاريخ الإنسانية .

قام بلال يسأل خالدا . . أمن مالك أجزت بعشرة آلاف أم من إصابة أصبتها .

وأخذت خالدا الدهشة . . فى أشد صورها وأقساها ؛ هذا الجمع الحاشد الذي حضره كبار المسلمين فى المسجد الجامع ، وهؤلاء هم بريد عمر ، حضروا من المدينة ليسألوه في أمر من أموره الخاصة .

كان على عمر أن يدعوه إليه كما استدعاء الصديق من قبل ، وعقدت الحيرة لسان خالد . . وصمت ولم يجب ! واتجهت الأنظار كلها نحو سيف الله . . وكرر السؤال ، وأصر خالد على الصمت . .

وهنا قام بلال فعقل خالدا بعمامته بعد أن ضم يديه وراء ظهره ونزع عنه قلنسوته . . وقال : إن هذا أمر الفاروق له . . ، حتى يجيب عما سأل عنه وألح خالد فى الصمت . . ووجم وجوما شديدا .

وبدا الدهش على وجوه الناس ، وتمايلت رءوسهم وتهامست ألسنتهم  بالحديث .

من كان يظن منهم أن خالدا الفاتح المنتصر الذي غزا الشام والعراق ، وكان موضع ثقة رسول الله وثقة الصديق .. ، يوثق بعمامته ليسأل عن أعطية أعطاها .

ومتى يحدث هذا ؟ بعد أن فتح خالد قنسرين . . التي استعصت وطال حصارها . . وضج عمر بالفرحة عندما بلغه الأمر ، وقال . . " أغر خالد نفسه ، يرحم الله أبا بكر ، كان أعلم بالرجال منى " . ولكن عمر ، لم يلبث أن أنكر تصرف خالد فى أمر الهبة ، فأمر بعزله وهو في أوج مجده ، في الوقت الذى كان - فى فم الروم والفرس والعرب - حديث المجد والبطولة والعبقرية .

وبعد أن خضعت الممالك والعروش ، لصولة خالد ، يجئ " بلال " الحبشي فيعقل خالد بن الوليد بن المغيرة ، وقد سوى الإسلام بينهما ، فيعقله ويسأله : أمن مالك أم من إصابة أصبتها ، أجزت الأشعث بعشرة آلاف . . ويبدو أن صمت خالد قد طال ، وأن ترقب الناس للكلمة التى يصدرها قد امتد .

وتواردت على الأذهان - ولا شك - إذ ذاك صورة خالد فى أمجاده الحربية ، صورة الرجل الذي لم يعرف الذلة ، ولم يطأطئ الرأس . . أما خالد فقد كان في غمرة من الكبرياء الجريح ، والغيظ الكبوت ، والألم العبقرى . وقد ألجمه هول الموقف فمضى فى الصمت .

وأخيرا أجاب خالد : بل من مالى . ورد بلال : نسمع ونطيع لولاتنا ونعظم ونخدم موالينا . وعرت الجموع فرحة كبرى حين سمعوا إجابة خالد . ووقف أبو عبيدة من خالد موقف الحيرة من أمر عزله الذى أرسله إليه الخليفة

إن عمر قد أقصاه عن إمارة الجيش يوم استخلف . . ومع ذلك فقد ظل يفتح الممالك ويرد العدو . . وهو جندى . أربع سنوات طوال ، أخضع دمشق ، واستولى على الأردن وحمص وقهر قنسرين وحلب وطرد هرقل من سورية ، وزحف إلى أرمنية . . وهو اليوم يعزله نهائيا .

و انتظر أبو عبيدة ، عل عمر يغير رأيه ، غير أن عمر كان يعرف أن أبا عبيدة سيمنعه إجلاله وخجله وحبه لخالد من أن يبلغه قرار العزل ، فأرسل عمر إلى خالد ينبئه ..

ويستقدمه ، وذهب خالد إلى أبى عبيدة يعاتبه . - رحمك الله ما أردت إلى ما صنعت ، كتمتني أمرا كنت أحب أن أعلمه قبل اليوم . - والله ما كنت لأروعك ما وجدت إلى ذلك بدا ، وقد علمت أن ذلك يروعك .

ماذا كان موقف خالد من تصرفات عمر ! إنه قد عزله بتهمة السرف ، بعد أن دوخ كسرى وقيصر . لقد ذهب إلى قنسرين يودع جندها وأهلها ، فلم يذكر عمر بسوء ، ثم توجه إلى حمص وقصد إلى المدينة . وأخذت المدينة تتحدث عن الصراع بين خالد وعمر . . قالوا : قد كان على عمر أن يرسل إليه فيسأله ، دون أن يحرجه أمام جنده أو يوقفه موقفا مهينا أمام المسلمين . وقال قوم : توزن أخطاؤه وتوزن جلائل أعماله . وقيل : كان على عمر أن يسأل أميره أبا عبيدة . . وقالوا : كان على عمر أن يدع لخالد ما خصه من الفئ يتصرف فيه . . فقد استفاء للمسلمين كثيرا ..

والتقي الرجلان وجها لوجه قال خالد : لقد شكوتك إلى المسلمين ، وبالله إنك فى أمرى غير مجمل يا عمر . - فأين ذلك الثراء ، من أين هذا اليسار ، الذي تجيز فيه بعشرة آلاف . - من الأنفال والسهمان .. ما زاد على الستين ألفا فهو لك .

وكأنما عز على عمر أن يدع لخالد حصته ، فأمر بأن تقوم عروضه فقومت بثمانين ألف درهم ، ترك له منها ستين ألفا وأخذ العشرين الزائدة فأدخلها بيت المال .

وأقام خالد في المدينة ، وسعي إليه بعض أنصاره ، وبعض خصوم عمر . . يحاولون إثارة الفتنة ، غير أن خالدا كان نبيلا . . إنه ردهم في حزم وقال : أما وعمر حى فلا . . وبقي عمر يظهر لخالد إذا خلا إليه الرقة واللطف . . عاتبه خالد مرة وقال له كلمته . . المعروفة : لقد كنت فى أمري غير مجمل ، واعتذر له عمر . . - يا خالد ، والله إنك على لكريم ، وإنك إلى لحبيب ،

ولن تعاتبنى بعد اليوم على شيء أبدا . وبر عمر بيمينه ألا يلى له خالد عملا . . وأذاع عمر في الأمصار يقول : " إنه لم يعزل خالدا عن سخط ولا خيانة ، ولكن الناس فتنوا به فخفت أن يوكلوا إليه ويبتلوا به ، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع وألا يكونوا بعرض فتنة " .

وظل خالد . . يعيش تلك الحياة التي لا يرضاها والتى وصفها مرة عندما أوقفت حركات الفتح في العراق " بأنها سنة نساء " .

ومات بعد أربع سنوات من عزله ، بعد أن أخذته الحسرات ، حسرات الجندى الصوال المغامر الجريء الذي يري نفسه مبعدا عن ميادين الجهاد .

عاش حزينا ، يسمع أنباء الفتح ، في فلسطين ومصر والعراق وفارس . . وهو مغمد السيف ، أسير الخليفة الذى عزله ، عمر الذي كسر سيفه . .

فلما حضرته الوفاة صور آلامه وأحزانه العبقرية في تلك العبارات الخالدة .

" لقد طلبت القتل في مظانه فلم يقدر لى إلا أن أموت على فراشي ، ولقد حضرت مائة زحف أو زهاءها وما فى جسدي موضع إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح . وها أنذا أموت على فراشى حتف أنفى كما يموت العير " .

مات خالد ولم يترك من حطام الدنيا سوى فرسه وغلامه وسلاحه .

وأسف عمر ، وعراه الحزن عندما علم بأنه لم يخلف شيئا ، وقام فى الناس يقول : يرحم الله أبا سليمان . كان على غير ما ظنناه . . إني أعتذر إليكم عن عزل خالد ، فإن أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة للهاجرين ، فأعطى ذا البأس وذا الشرف وذا اللسان ، فأمرت أبا عبيدة ..

ولما رأى النساء يبكينه قال : على مثله تبكي البواكى ، كان والله سدادا لنحور العدو ميمون النقيبة . قال له " على " : فلم عزلته ؟ - ندمت على ما كان منى . . لقد ذهب عمر إلى الحج ، وكان ينوي أن يوليه بعد أن يعود ، غير أن خالدا مات قبل أن يعود عمر .

أى عظمة وأى جلال ، يمكن أن يكنها التاريخ لسيف الله ( خالد ) أي نبل ورجولة ، في مواقفه ، في الحرب وفي غير الحرب .

لقد كان الصراع بينه وبين عمر ، من جانب واحد ، من جانب الخليفة الذى كان يري ألا يتصرف خالد إلا بعد أن يراجعه .

تري اكان يضيق عمر بخالد كنا ارتفع نجمه . وهل كان يحقد عليه . كما يذهب بعض للؤرخين ؟

ذلك ما نستبعده فقد عرف عمر بالخلق الذي يرقى على الحقد .

إذا لماذا أقصاه عن الإمارة ، ثم عزله ، ثم اقتسم معه ما أفاء الله عليه ، وأبعده عن ميدان الغزو ، وهو فى أشد الحاجة إلى أمثاله ، لقد اتهم من قبل " عمرا " وحاسبه واقتسم معه ماله . . ولكنه لم يعزله .

ماذا كان يمكن أن يفعل خالد ، لو امتد به الحهاد ، كان يقينا أن يبلغ عاصمة " قيصر" ، وكان خليقا بأن يقتحم القسطنطينية .

هل صدق عمر حين اعتذر للناس في أمر " خالد " بأنه خشى أن يفتن الناس ، وأن يظن الناس أنه أصبح ضرورة لا غنى عنها لانتصار الجيوش .

وماذا كان يمكن أن يصل إليه الفتح لو اتحد عمر وخالد ، لقد انكمش خالد حين أريد له أن ينكمش ، وآثر ألا يصطدم ، وانصرف عن أنصاره المعجبين به في قنسرين وحممس والشام ، وكان يستطيع أن يقف من عمر موقفا ينتصف لنفسه به . ولكنه آثر ألا يفعل ، فلما وصل المدينة التف حوله أنصاره وحدثه خصوم عمر ، ولكنه كان أكبر من أن يثير فتنة ، وهو الذي قضى على أكبر فتنة في تاريخ الإسلام : تلك هي الردة .

لم ينتصف خالد لنفسه ، واحتمل قضاء عمر فيه . واكتفى بأن صارحه بأنه لم يكن مجملا في أمره ، وقضى أيامه يتسمع الأنباء بقلب حزين ، وعين باكية . . مما اعتصر حياته ، فمات كمدا .

كان عمر يريد أن يحفظ للدولة ميزانها . . فظلم خالد ، وأراد خالد أن يحفظ للدولة كيانها . . فظلم نفسه .

اشترك في نشرتنا البريدية