كان على أن ترك فينا راضيا أو كارها . . إلى بلد آخر يختلف اختلافا تاما عن فينا . كان على أن أترك منبع النغم والوحى . . إلى بلد آخر ليست الليونة من صفاته . كان على أن أترك فينا الحبيبة وأودعها بدمعة . . إلي برلين مركز حضارة النازية سابقا ومشكلة الشرق والغرب الآن .
ولكن كيف الذهاب إلى برلين ؟ إنها يا سيدى ليست كأي بلد في العالم يمكن الوصول إليها بمجرد ركوب القطار . بل إنها بلد دونه صعاب وعقبات . إنها الآن مدينة دولية فيها ما يسمون انفسهم بالحلفاء ، وفيا أيضا الدب المخيف . . روسيا ، وبرلين تقع كلها داخل المنطقة الروسية من ألمانيا ، أى أنها فعلا خلف الستار الحديدى .
قلت لأصدقائي : وداعا . . إني ذاهب لبرلين . . فلمع في عيونهم بريق الخوف . . الخوف على من الدب الأبيض ، ولمحت فيها الدعاء لى . . بالتوفيق .
وذهبت إلى مكتب الحلفاء أطلب " فيزا " لدخول ألمانيا فظنوا أني أطلب الاستقلال لبلادي ، فماطلوا وسوفوا كعادتهم . . ثم بعد خمسة وثلاثين يوما تسلمت الفيزا ، وسافرت فورا بالقطار اثني عشر ساعة قطعت فيها الجزء الجنوبي من ألمانيا وهو الجزء الذي يحتله الحلفاء . وبعد ذلك تبدأ المنطقة الروسية ، ودخول المنطقة الروسية أصعب كثيرا من دخول الجنة ، وليس أمامك إلا طريق واحد هو البعد عن رضوان والاكتفاء بالتحليق فوق جنته بالطائرة حتى تصل برلين .
كنت قد قرأت كثيرا عن مدى ما أصاب برلين من تدمير ، ولكن القراءة شئ والحقيقة شئ اخر . إن برلين تعد اكبر مدينة في أوربا على وجه الاطلاق ، ومساحتها تعادل مساحة القاهرة خمس مرات على الأقل . أما مدى هذا التدمير فهو ما لا يمكن تصوره ، مساحات لا يحدها البصر من المباني ، لا يوجد لها أثر على الطبيعة سوى ما خلفته من طوب وحجارة وحديد ، ولكي أعطيك فكرة واضحة
نوعا تصور أنك تقف عند نفق شبرا وأمكنك أن ترى ميدان الاسماعيلية وأن المساحة المحصورة كلها مدمرة تدميرا تاما ، فإذا علمت أن الشوارع في برلين يتراوح عرضها بين ٦٠ مترا ، ١٥٠ في بعض الأحيان ، وإذا علمت ايضا أن بعض الشوارع يزيد طولها عن ثمانية كيلو مترات ، أمكنك أن تأخذ فكرة واضحة المعالم عن برلين .
والحالة الآن تسير إلى التعبير والإصلاح بقدر الإمكان ، وقد امكن الألمان عمل مشروع " السنوات الخمس " للاصلاح ، وسيبنى في خلال هذا العام حوالي مائة ألف " شقة للسكن ، ومعظم المنازل الآن لا يوجد بها الماء الساخن أو التدفئة المركزية لأن كل هذه الأشياء كانت قد دمرت ، وحتى سنة ١٩٤٨ كان الامان يعيشون فى" قبور مثلجة ، لا تدفئة ولا كهرباء ولا ماء ولا مواصلات ، زد على ذلك اختلال الأمن . كنت مرة في زيارة " مهندسة مباني فوجدتها تعبث في يدها بشيء أشبه بالترنبرك ينتهي بكتلة من الحديد ، فسألتها : ما هذا ؟ فقالت : آلة الموت . فقلت لها : إني أعرف أن الألمانات قاسيات ، ولكنى لم أتصور أبدا أنه عند ذهابي لزيارة سيدة ألمانية أن أعتبر نفسى ذاهبا لزيارة عزرائيل . قالت : لا تخلف إنما أردت فقط أن أطلعك على حياتنا بعد الحرب .
تصور بلدا ليس به طعام ولا شراب ولا كساء ، وتصور كذلك أن هذا البلد لا يوجد به مواصلات ولا إضاءة ولا أى شئ من سبل المدنية ، فكان يتحتم على المرء في هذه الحالة أن يخرج في الظلام باحثا عن صيد سمين ؛ وما هذا الصيد إلا إنسان مثله يعتدى عليه لياخذ منه ملابسه أو نقوده أو طعامه . فكان المرء منا رجلا كان أو سيدة إذا ما اضطرته ظروف عمله إلى العودة إلى منزله بعد غروب الشمس يجد نفسه مضطرا لأن يحمل في يده ما يدافع به عن نفسه ضد أي اعتداء ، وكنا دائما نسير في وسط الشارع تماما وبخطى خفيفة غير مسموعة حتى لا نعطى فرصة لمن يريد الفتك بنا
أن يسمع خطانا ، وهكذا عاش الألمان فترة ما بعد الحرب ، هذا الشعب الذي لم يعرف الخوف إلى قلبه سبيلا أصبح يخاف على نفسه من نفسه .
ثم تعال بنا في جولة سريعة في برلين . إن أهم شارع تجاري فيا هو شارع Kurfürstendamm وهو أصبح عامرا بالحياة تماما . وفي نهاية هذا الشارع نقف تحفة العمارة في القرن التاسع عشر ، وهي كنيسة القيصر " فيلهلم وأصبحت الآن أكثر أهمية من الناحية التاريخية عن ذي قبل بعد أن شطرتها القنابل وأصبحت بحق ارثا خالدا من آثار التاريخ انظر الصورة .
الجيش الألماني في نفس هذا الشارع . . أبوا إلا أن يسير دليلا . بدون سلاح وفي عكس الاتجاه الذي كان يسير فيه وإلى اين ؟ . لا إلى الثكنات. . بل إلي معسكرات الأسر .
وذاق هذا الجيش مرارة الأسر من أعداء لا تعرف العزة والكرامة إلى نفوسهم طريقا ، وظنوا أنه من الشجاعة ان يذيقوا شعبا خسر الحرب مرارة الذل ، وفي نفس الوقت كانوا يشيدون بعظمة هذا الشعب ورقيه . ولكنها يا سيدى هي الأيام تدور فترفع أحيانا . . وتذل حينا آخر ، وأصبحت نظرية البقاء للأصلح غير ذات موضوع ، .
ويمتد هذا الشارع نحو الشرق حتى تجد على يسارك نصبا
والشارع الذي يليه في الأهمية هو Heerstrasse أي شارع الجيش ، وهو الشارع ذو الماضي المجيد الذي عاصر عهد النازى ومجد هتلر ، وكان العرض العسكري للجيش الألماني دائما في هذا الشارع ، وكان هتلر يقف على منصته في أحد الجوانب ليحى جيشه الظافر ، ولكن الأيام دارت في عكس اتجاهها الأساسى ، وانكسر الجيش الألماني العريق أمام كثرة الجيوش المعادية ، وأبي المنتصرون إلا أن يسير
تذكاريا لجندى بمعدات الحرب . . ثم يدفعك الفضول فترتقى السلالم الرخامية لتقرأ اللوحة المكتوبة ؛ فإذا بهذا النصب للجندى الروسي . . هكذا . . وفي برلين . ثم مر علينا ونحن وقوف أمام هذا النصب رجل ألماني ونظر إلينا وعرف أننا أجانب ، فقال لنا في سخرية : إننا سنترك الجندي الروسي واقفا مكانه حتى يتجمد من البرد .
ثم يمتد بك الشارع مرة أخرى إلى الشرق حتى تصل
إلى البوابة الضخمة Bran din burger tor وهو الحد الفاصل بين الغرب والشرق . أو إن شئت فقل هو الحد الفاصل بين الحرية التي تنعم بها . . وبين المجهول الذي لا أدريه .
وبعبورك هذه البوابة تدخل في شارع unleer den. Linden أو تحت ظلال الزيزفون ، وأول ما يقابلك على يمينك السفارة الروسية بمبناها الجميل الحديث ، وكل ما حولها خراب يلعن من كان سببا في تدميره . وينتهي بك هذا الشارع حيث تجد جامعة برلين العريقة تقف على يسارك ، وترفع بصرك الى أعلى لتقرأ ما كتب عليها فتطالعك صورة ستالين بحجم كبير جدا ، وكتب تحتها : " إننا نطالب بحرية الشعب الألمانى ووحدته ، وهذه هي العبارة التي تقع عليها عيناك عندما تتلفت يمينا أويسارا . . بل عندما تجلس على المائدة لتأكل أو تشتري علبة ثقاب. إنهم يطعمونك الحرية أينما سرت ؛ فإذا كانت أعصابك مرهنة فإنك ستصرع حيا وتخرج فورا من الشرق لتتجه إلى الغرب الهادي الجميل .
هل تعبت من التجوال ؟ أم هل تعبت أعصابك من هذا الموج المتدفق من الإعلانات والأعلام وصور ستالين ؟ إذا فتعال بنا إلى محل نأكل فيه أو نشرب . . ولكن ما نوع النقود التي معك ؟ إن كانت غريبة فأرسلها في خطاب الى " مارشال " أو إيزنهاور فإنها يا سيدي لا تعتبر عملة هنا ولا يمكن تبديلها . ولكن لا تقلق إنني قد أبدلها في الغرب قبل أن أحضر إلى هنا ، ففي استطاعتك أن تستبدل المارك الغربي بأربعة ماركات شرقية ، والمارك الغربي حوالى عشرة قروش ، وعلى ذلك يكون المارك الشرقي حوالي ٢/٥ قرش . ماذا تريد أن تأكل ؟ يمكنك أن تطلب قطعة من الكستلينه مثلا وكأسا من البيرة ثم تدفع ثمنا لهذا ماركين اثنين فقط أي أربعة قروش . هذه الأكلة لو اكلتها في الغرب لكلفتك عشرين قرشا على الأقل . نعم إن الحياة في الشرق رخيصة ، بل رخيصة جدا . لا تكن متفائلا إلى هذا الحد ، فإنها رخيصة فقط علينا أهل الغرب لأنه في استطاعتنا أن نستبدل نقودنا ، أما أهل الشرق فيعيشون كما يعيش بقية الناس في غلاء كالجحيم .
ثم ماذا تريد بعد ذلك ؟ تريد أن تشتري شيئا تعود به
إلى الغرب . . حذار يا سيدي ، فإنك عرضة للتفتيش وأنت وحظك ؛ فربما صادروا البضاعة فقط . . وربما صادروك أنت ثم صدروك إلى . . سيربا حيث تنعم بالجو البارد في هذا الصيف الغالظ.
ولكن مع هذا يمكننا أن نري الأشياء بأعيننا . إن الروس قد " أمموا جميع الصناعات والمتاجر ، فتجد الأمة هي التي تملك المتجر أو المصنع ، أما أن تملك أنت شيئا فهذا محال . إنهم تركوا بعض أصحاب المحلات الصغيرة جدا ، تركوهم يبيعون للشعب ما يريدون ، ولكن الأسعار دائما في محلات الأمة منخفضة عن الأسعار في هذه المحلات ، لذلك تجد التجارة الفردية تموت ببطء
ثم مالك تنظر إلي الناس بشراهة وخوف ؟ إنهم يا سيدي ألمان تماما كألمان الغرب ، يتكلمون ويضحكون ، ولكن حذار أن تتكلم في السياسة ، وإلا فسيحجزون لك مكانا في قطار سيريا السريع . إنهم ليسوا شيوعيين ، ولكنهم اضطروا للبقاء في القسم الروسى حيث مبانيهم أو مصانعهم أو متاجرهم أو مزارعهم . فمن كانت له عائلة في الغرب فإنه هاجر إلى الغرب ومن كان وحيدا فقد بقى مكانه ليلقى نصيبه من الحياة
هذه يا سيدي جولة سريعة في برلين ولمحة خاطفة عن الشعب الألماني . إن هذا الشعب كما تعلم شعب نظامي ، لذلك تجده الان صابرا حتى يرسل الله له قائدا ليخرجه من محنته . إنهم ليسوا شيوعيين وكذلك ليسوا ديموقراطيين لذلك فهم ينتظرون اليوم الذي يقذفون فيه الروس والأمريكان والفرنسين والإنجليز إلى الجحيم ، ويستردون حريتهم من جديد ليسيروا بخطى ثابتة مرة أخرى إلى مكانهم العالي بعضهم وخلقهم ، وليسبقوا جميع الشعوب بنبوغهم وعبقريتهم .
وسنلتقى هنا مرة أخرى عند ما يحين الوقت للكتابة عن الشرق وغموضه وعن برلين المشكلة الحائرة بين الشرق والغرب .
) برلين (

