حبه لمصر
لقد كان شوقى شاعراً عالميا في نزعته ، وسع قلبه الإنسانية جمعاء . ولقد رأيتم كيف كان قلبه الشاعر ووجدانه الرقيق يهتز لما يصيب أى صقع من أصقاع الأرض في أية ناحية من هذا الكوكب الذي نعيش فيه . من فاجعة أو مصيبة ، وتستم حدبه البالغ على الشرق العربي جميعه ومشاركته لهذا الشرقي في أفراحه ومآسيه .
لكن كل هذا لم يؤثر في كون شوقى مصريا آثر مصر بالحظ الاكبر من حبه ووقف عليها النصيب الأوفي من شعره ، حتى ليخيل إلى عندما أطالع ديوان شوقي أنه أسرف في هذا الحب إسرافاً افسد عليه حياته ، فتراه في نشوة الطرب وفرحة العيد ومجلس الخمر يذكر هذا الوطن فيتجهم ويرئي له ويذكر داءه فيعتب علي قادته اختلافهم وتخاذلهم . . كل هذا تجده في حمريته المشهورة :
رمضان ولي هاتها ياساقي مشتاقة تسعي إلى مشتاق
فهو يقول :
وطني أسفت عليك في عيد الملا
وبكيت من وجد ومن إشفاق
لا عيد لي حتى أراك بأمة
شماء راوية من الأخلاق
ذهب الكرام الجامعون لأمرهم
وبقيت في خلف بغير خلاقى
أيظل بعضهم لبعض خاذلا
ويقال شعب في الحضارة راق ؟
وإذا أراد الله إشفاء القري
جعل الهداة بها دعاة شقاق
ولعل شوقي كان أبلغ في تعبيره عن حبه لمصر وأعمق اثرا وأفعل في النفس تأثيراً في أشعاره التي قالها في منفاه . فقد كان الحنين إلى الوطن يعاوده حينئذ في سورة عنيفة ثورته آلاما ممضة وحسرة لاذعة لا يجد لها متنفساً في غير شعره ، يرسله آيات من الحب والجمال والزفرات ، ولقد أبدع أيما إبداع في التعبير عن هذا الأسى الذي لاقاه بفراق وطنه وحبه له الذي بلغ حد العبادة في قصيدته التي قالها عقب عودته من المنفي حيث يقول :
أيا وطني لقيتك بعد يأس كأني قد لقيت بك الشبابا
ولو أني دعيت لكنت ديني عليه أقابل الحتم المجابا
أدير إليك قبل البيت وجهي إذا فهت الشهادة والمتابا
وتأمل عذوبة هذه الأبيات التي ينتهي فيها الشاعر إلى التفضيل بين وطنه والخلد ، فهل تري أبلغ منها تعبيراً عن صدق حبه لهذا الوطن :
وسلا مصر هل سلا القلب عنها
أو أسي جرحه الزمان المؤسي
كلما مرت الليالي عليه
رق والعهد في الليالي تقسى
وطني أو شغلت بالخلد عنه
نازعتي إليه في الخلد نفسى
بل إنه ليبعد في القول حتى يزعم أن مصر كعبة أشعاره وهو غريدها :
وإني لغريد هذي البطاح تغذي جناها وسلسالها
تري مصر كعبة أشعاره وكل معلقه قالها
ويقول لنا إن حب الوطن شيمة الحر ودين عليه واجب الوفاء :
وللأوطان في دم كل حر يد سلفت ودين مستحق
ويعيد هذا المعنى في قوله :
ولقد صدقتم هذه الأرض الهوي
والحر يصدق في هوي أوطانه
وهو لا يكتفي بأن يعبر عن حب لوطنه ، بل هو يتعدى ذلك إلى العمل على استنهاض عزيمة مواطنية بتذ كيرهم بعظمة هذا الوطن ومجده الخالد مشيداً بعظمة آثاره وما فيها من دلائل الرقي والمدنية ومدهشات الفن الخالد . فتأمله يقول في وصف قصر أنس الوجود :
شاب من حولها الزمان وشابت
وشباب الفنون مازال غضا
ومحاريب كالبروج بنتها
عزمات من عزمة الجن أمضى
وهو ينتهي من هذا كله إلى أن يقول للمصريين بأن كل ما قام في مصر عظيم بخلوده فهي :
امه للخلد ما تبني إذا ما بني الناس جميعا للعفاء
تعصم الأجسام من عادي البلا وتقي الآثار من عادي الفناء
وهو لا يكف عن الفخر بتاريخ مصر مستنهضا بذلك عزائم مواطنيه ومجدداً للروح الوطنية فيهم وباعثاً للروح المعنويه بينهم ورافعها :
واخفض جناحك في الأرض التي حملت
موسى رضيعا وعيسى الطهر منفطما
أخرجت حكمة الأجيال خالدة
وبينت للعباد السيف والقلما
هذا فضاء تلم الريح خاشعة به ويمشي عليه الدهر محتشما
ولا يقف به حبه عند حد استعادة تاريخها والإشادة به " وصف آثارها وتمجيدها ، بل يدفعه هذا الحب دائما إلى أن يصور علل هذا الوطن والعوامل التي تؤخره وتعوقه عن التقدم ، فهو يقول :
أرى وطنًا تحيَّر ناشئوهُ فما يَجِدون من عملٍ قِواما
فلا أُسُسُ التجارةِ فيه قرَّتْ ولا رُكنُ الصناعةِ فيه قاما
مدارسُ لم تُهيِّئْهم لكسبٍ ولم تبنِ الحياةَ ولا النظاما
وينكر من قومه الحلف والتشاجر بينما حالهم تستدعي الائتلاف والاتحاد :
إِلامَ الخُلفُ بَينَكُمُ إِلاما
وَهَذي الضَجَّةُ الكُبرى عَلاما
وَفيمَ يَكيدُ بَعضُكُمُ لِبَعضٍ
وَتُبدونَ العَداوَةَ وَالخِصاما
وَأَينَ الفَوزُ لا مِصرُ اِستَقَرَّت
عَلى حالٍ وَلا السودانُ داما
إذ لا قوة إلا بالاتحاد ولا نجاح إلا بعمل إجماعي :
صوت الشعوب من الزئير مجمعا
فإذا تفرق كان بعض نباح
ثم هو بعد توضيح السبيل لمواطنيه يدعوهم إلى العمل الإيجابي فيقوم بالدعوة إلى تحطيم القيود والأغلال في مثل قوله :
يا قوم هذا زمن قد رمي بالقيد واستكبر عن سحبه
لو أن قيدا جاءه من عسل خشيت أن يأبي علي ربه
فالقيود بقبضة يجب رفضها وتحطيمها ، ولو كانت من الجمان :
شهد الحياة مشوبة بالرق مثل الحنظل
والقيد لو كان الجمان منظما لم يحمل
وهو إذ يهنئ المعتقلين السياسيين بفك اعتقالهم يذكرهم بحرية الوطن ويدعوهم إلى فك قيوده :
وجد السجين بدا تحطم قيده
من ذا يحطم للبلاد قيوداً
وبعد ذلك يبين لمواطنيه سبل النهضة بالوطن التي تنحصر كما يري في العلم والقوة والدستور والشوري :
إن سرك الملك تبنيه على أسس
فاستنهض البانيين العلم والأدبا
وارفع له من حبال الحق قاعدة
ومد من سبب الشوري له طنبا
ثم إن هذه النهضة لا تتم بغير أسس من الاقتصاد متين ، وهو ما يذكر به في قصيدته التي ألقيت في الاحتفال بإنشاء بنك مصر :
والمال مذ كان تمثال يطاف به
والناس مذ خلقوا عباد تمثال
إذا جفا الدور فانع النازلين بها
أو الممالك فانديها كأطلال
يا طالبا لمعالي الملك مجتهداً
خذها من العلم أو خذها من المال
بالعلم والمال يبني الناس ملكهم
لم يبن ملك على جهل وإقلال
هاتوا الرجال وهاتوا المال واحتشدوا
رأيا لرأي ومثقالا لمثقال
هذا هو الحجر الدري بينكمو
فابنوا بناء قريش بيتها العالي
دار إذا نزلت فيها ودائعكم
أودعتم الحب أرضا ذات أغلال
أمال مصر إليها طالما طمحت
هل تبخلون على مصر بآمال
مسرحياته
لم يكن في مصر مسرح حتى عهد إسماعيل الذي بني دار الأوبرا الملكية كي يشاهد فيها ملوك أوربا ( أوبرا عايدة ) الموسيقار العالمي فردي في حفل افتتاح قناة السويس ، فالمسرح الصري إذا جديد على حياتنا لم يمض على ميلاده بعد سوى بضعة وثمانين عاماَ ، خطا خلالها خطوات موقفة نحو الرقي والنهوض ساهم فيها شوقي بحظ كبير .
ولما كان المعروف أنه لاقيام لمسرح في أمة ما بغير مؤلفين يغذونه بمؤلفاتهم التي يقبل عليها جمهور هذه الأمة ويتذوقها ، كما أنه لن يعيش مسرح جل اعتماده على الترجمة والنقل ، لأن مثل هذا المسرح لن يقبل عليه الشعب ولن يهضم ما يعرض عليه فيه ، فإن شوقي سيقرن اسمه دائما باسم المسرح المصرى إذا ما ذكر هذا لأنه من الرجال الذين دعموا هذا المسرح وبنوا أسمه بما قدم له من مسرحيات خالدة تعتبر بحق أول مسرحيات مصرية ناجحة .
ولا يقتصر الأمر بشوقي عند حد أنه قدم للمسرح المصري مسرحيات خالدة ، بل إن هذه المسرحيات قد أحدث بها بدعا في العربية وأدخل على لغة الغناء فناً جديداً لم يكن لها به عهد من قبل ؛ ذلك الفن هو المسرحية الشعرية الكاملة التى كان أول من ألف في العربية منها ، لأن ما عرف قبل شوق كانت مسرحيات زجلية تلقي غناء ويتخللها تمثيل بالإلقاء العادي لحوار نثري . وإني ليأخذني العجب
كلما قرأت مسرحيته ( مصرع كليوباتره ) فأسائل نفس أكان شوقي يصف مصر في عهد كليوباتره ، أم هو يصف الشعب فيما حوله - استمع إلى قول حابى لديون :
اسمع الشعب ديون كيف يوحون إليه
ملأ الجو هتافا يحياتي قاتلية
أثر البهتان فيه وانطلى الزور عليه
ياله من ببغاء عقله في أذنيه
فيجيبه الأخير :
حابى سمعت كما سمعت وراعني
أن الرعية تحتفي بالراعي
هتفوا بمن شرب الطلا في تاجهم
وأصار عرشهم فراش غرام
ومشي على تاريخهم مستهزئا
ولو استطاع مشي على الأهرام
لكن هذه هي سمة الخلود التي تطبع أعمال العباقرة لأنهم حين يصورون ، فإنهم يصورون تلك الخصائص العامة الباقية التي لا تختلف باختلاف الزمان أو المكان .
والحب تلك العاطفة الأبدية التي تشترك فيها الإنسانية جمعاء شرقها وغربها حقيرها وأميرها ، ولم تخل منه قصة ، بل كثيرا ما يقحم علي القصة إقحاما إرضاء للجماهير ، تجد أن شوقي قد أفرد له مسرحية كاملة لا شئ فيها سواه.
ذهب شوقي في مسرحيته الخالدة (مجنون ليلي ) يصور لنا الحب في أسمى مراتبه وأسمى معانيه حتى بلغ في ذلك ما لم يبلغه شاعر من قبله .
تأمل معي هذه الأبيات يجريها على لسان قيس وهو يسري وحده في الفلاة في هدوء الليل وسكونه :
سجا الليل حتى هاج لي الشعر والهوى
وما البيد إلا الليل والشعر والحب
ملأت سماء البيد عشقـــــــــا وأرضها
وحملت وحدي ذلك العشق يا رب
ألم على أبيـــــــــات ليلى بي الهـــوى
وما غير أشـــواقي دليل ولا ركب
وباتت خيامي خطوة من خيامهــــــــا
فلم يشفني منها جـــوار ولا قرب
إذا طاف قلبي حولهـــــــــا جن شوقه
كذلك يطفي الغلة المنهــل العذب
يحن إذا شطت، ويــصبوا إذا دنت
فياويح قلبي كم يحن وكم يصبوا
لقد جعل دليل قيس إلى أبيات ليلى ذلك الشوق المتقد في صدره وجعل قربه منها يزيد في وجده ويطفئ من شوقه ، وهل هناك أصدق من هذا تعبيراً عن الحب ويأتي أقوام بعد ذلك يزعمون أن شوقى رجل أجاد صنعة الشعر فهو لا ينطق عن عاطفة صادقة بل هو يخرج للناس صنعة متقنة . ولست أدري كيف يستطيع من يتكلف الحب في شعره أن يأتي بمثل هذه الآبيات التي تفيض أسي ولوعة من تباريح الهوي :
بالروح ليلى قضت لي حاجة عرضت
ما ضرها أو فضت للقلب حاجات
مضت لأبياتها ترتاد لي قيسا
والنار ياروح قيس ملء أبياتي
كم جئت ليلي بأسباب ملفقة
ما كان أكثر أسبابي وعلاتي
بل تأمل معي قيسا في مناجاته لليلي بعد أن فاز باللقاء الذي اختلق أسبابه : -
لست ليلاي داريا كيف أشكو وانفجر
أشرحُ الشوق كلّه أم من الشوق أحتضر؟
حبّب البيد أنها بكِ مصبوغة الصور
لستِ كالغيد لا ولا قمر البيد كالقمر
رب فجر سألتُه هل تنفس السحر
ورياح حسبتُها حررت ذيلك العطر
وغزال جفونُه سرقت عينك الحور
أنت اجحت في الحشا لا عج الشوق فأستعر
ثم تخشين جمرة تأكل الجاد والشعر
وفي الأبيات التالية نري الحب في أشد سوراته التي تبلغ الجنون والهوس : -
ليلى ؛ مناد دعا ليلى فخف له
نشوان في جنبات الصدر عربيد
ليلي انظروا البيد هل مادت بقاطنها
وهل ترنم في المزمار داود
ليلى ؛ نداء بليلي رب في أذني
سحر لعمري له في السمع ترديد
ليلي تردد في سمعي وفي خلدي
كما تردد في الأبك الأغاريد
هل النادون أهلوها وإخوتها
أم النادون عشاق معاميد ؟
إن يشركوني في ليلي فلا رجعت
جبال تجسد لهم صوتا ولا البيد
أغير ليلاي نادوا أم بها هتفوا
فداء ليلي الليالي الحرد القيد
إذا سمعت اسم ليلي ثبت من خبلي
وثاب ما صرعت مني العناقيد
ليلى . لعلي مجنون يخيل لى ؟
لا الحي نادوا على ليلي ولا نودوا
وفي موضع آخر نستمع إلي ليلي تقول لقيس وقد التقيا في غربة : -
أحق حبيب القلب أنت بجانبي
أحلم سري أم نحن منشبهان ؟
أبعد تراب المهد من أرض عامر
بأرض ثقيف محن مقتربان ؟
فينبها قيس في رفق إلي أن وطن المحبين هو حيث يجتمعان : -
حنانيك ليلي ما لخل وخله
من الأرض إلا حيث يجتمعان
فكل بلاد قربت منك منزلي
وكل مكان أنت فيه مكاني
ويعالج شوقي في هذه المسرحية حب الأقارب وحب الآباء . ولعل من أروع ما قرأت في التعبير عن عاطفة الأبوة الخالدة هذا البيت من الشعر يجريه شوقي على لسان المهدى أبي ليلى :
أأظلم ليلى ؟ معاذ الحنان
متى جار شيخ على طفله ؟
وهكذا نري أن شوقي لم يكتب مسرحيات فحسب ، بل كتب فأجاد فترك آثارا خالدة في الأدب العربي ، بل في الأدب العالمي .
( للبحث بقية )

