إن ذلك المنديل الفاخر الناصع البياض الذي تزهو به وتضعه في جيبك ويكون له أ كبر النفع في قضاء بعض شئونك ، وذلك الفرش النظيف الذي تفخر به ربة البيت وتغطى به مائدة الطعام بالمنزل . وذلك الخيط المتين الذي يستعمله الناس في شئون الخياطة ولا يستطيعون مسايرة الحياة والعيش السعيد بدونه ، كل أولئك من الأشياء النظيفة الناعمة الملمس وما إليها قد بدأت حياتها كأوبار قصيرة هشة تلتصق ببذور تخلفت عن زهور صفراء أخرجتها نباتات مباركة تنمو بالهند وأمريكا ومصر .
وجميع القطن الذي يستعمله العالم تنتجه زهور ضعيفة هشة ، ولا شك أن ذلك يوحى بفكرة تثير بالغ الدهشة ؛ إذ يبلغ من سرعة عطب هذه الزهور أن الطر الخفيف خلق بأن يلقي بأجزائها التى تنتج مادة النسيج إلى الأرض . والعالم أحوج ما يكون إلى ملايين لا حصر لها منها لإعداد ثياب الملايين العديدة من سكانه وصناعة ما يحتاجون إليه إلى جانب ذلك من ورق وزيت وعلف وسماد وما إلى ذلك مما ينفع الناس .
ومن ذا يعلم كم مضي من القرون منذ وفق أول إنسان إلى معرفة أن قتل قليل من وبر القطن أي أليافه يوصل إلى الحصول على خيط متين بالغ النفع ، والاعتقاد السائد عند معظم الخبراء أن القطن أول ما وجد كان بالهند . وقد ازدهرت بها صناعتا غزله ونسجه . وأصبحتا من أهم صناعات هذه البلاد العريقة في الدنيا ؛ وذلك منذ أجيال تتعمق في القدم قبل أن تعرفه أوربا وتخضعه لسلطان علمها . إن القماش القطني الذي نبتاعه اليوم ويعرف باسم " البفتة " صنع أول ما صنع بمدينة من أعمال الهند تدعي "Callcut "ولم تطأ أقدام الأوربين أرض هذه المدينة إلا في سنة ١٤٩٦ حينما بعثوا بعض هذا النسيج إلي أوربا
وأطلقوا عليه اسم المدينه التى صنعته ، وما لبث أن عرف بأوربا باسم " Callco " وهو اسمه الأصلي بعد أن اعتراء تحريف طفيف بعامل مرور الزمن ، وكذلك الموصلين "Mulin" وهو القماش القطني الرقيق الذي تصنع منه الستائر ، صنع في باديء الأمر بإقلم الوصل من أعمال العراق ، وتصنع إنجلترا اليوم كميات وفيرة من كلا النسيجين .
ويختلف طول ليفة القطن . أى صوفته وهي المعبر عنها عادة بالتيلة تبعا لأنواع نباتاته ؛ فلبعضها تيلة يقل طولها عن البوصة ، في حين يصل طول بعض الأتيال إلى بوصتين كاملتين ، ولما كانت هذه الألياف قابلة للبرم ولها خاصة طبيعية للتماسك مع غيرها من الألياف ، فيمكن أن يتجمع عدد كبير منها ويتماسك في خيط واحد عن طريق البرم ، أي اللف بالأصابع ، وطريقة البرم هذه كانت أولى خطوات الإنسان نحو الغزل ، وبلغ متوسط تيلة القطن المصري نحو ٢٥ و ٢١ ملليمترا وقطن الى آيلاند نحو ٥ و ٣٧ ملليمترا .
والغرض الحقيقى من وجود هذه الألياف القطنية يبتعد كل البعد عن رغبة الإنسان في استعمالها لمنفعته الذاتية ؛ إذ هو في الأصل لمساعدة زهرة القطن (١) على توزيع بذورها لتنمو بأكبر أرض ممكنة وهي تؤدي ذلك الغرض حقيقة ، لأن اللوزة الخضراء بعد أن تحل محل الزهرة الصفراء تحفظ بداخلها حبوبا سوداء عند ما يتم نضجها تكون على استعداد للانتشار لتأدية مهمتها في إنتاج نباتات جديدة ؛
فالغرض الحقيقي لكل زهرة هو في الواقع المحافظة على بقاء نوعها وعدم فنائه ؛ وإذا سقطت جميع بذور الشجرة تحتها مباشرة فإنها لابد تنبت جميعا تحتها فتزاحم النباتات بعضها بعضا ويكون مصيرها الهلاك لا محالة ؛ ولتجنب ذلك المصير المحتوم زودت كل بذرة من بذور القطن بباراشوت أي مظلة صغيرة ، ولذلك يتصل بكل بذرة وبر أي زغاب كثير قابل للقتل وعند ما تتفتح اللوزة بتأثير حرارة الشمس تطير البذور بتأثير أية هبة من الهواء وتتجه نحو جميع الاتجاهات التي يحملها إليها الهواء ويعينها الزغب على الطيران حتى إذا صادفها ما تصطدم به كأشجار أو نباتات عالية لا تلبث أن تهبط فوق الأرض وتثبت حيث تهبط ، وعند ما يصيبها ماء المطر تتعمق البذرة قليلا بداخل التربة ثم تنبت وتعاود حياتها كشجرة قطن جديدة ؛ ولكن هل يسمح الإنسان لهذه البذور بمبارحة زراعات القطن هكذا ؟ هيهات أن يمكنها من ذلك ، ولذلك يعمد عند ما تنضج اللوزات ويحين موعد الجمع ، إلى جمع الياف القطن بالاستعانة بالعمال أو آلات الجمع الحديثة ، ثم يرسل القطن المجموع إلي الآلات التي تفصل الوبر عن البذرة ، وتلك هي أولى خطوات صناعة المنديل ومفرش الطاولة وكافة ما يصنع من القطن ، ويتجه القطن الشعر وجهة معينة وتتجه البذور وجهة اخرى بحيث لا تفقد بذرة واحدة ، ويستخدم بعضها للمحصول التالي وتستخدم الكثرة منها في شئون أخري نافعة .
وشجرة القطن هي النبات الذائع الصيت الذي يحتاج إلى حرارة شمس شديدة مدى عدة أشهر مع الرطوبة المعتدلة وهي تنمو بنجاح في كل من الهند ومصر والجزء الجنوبي من امريكا الشمالية ، وبعد أن تعد الأرض جيدا تزرع البذور في جور أي حفر بين الواحدة والأخري ثلاث أقدام أو أربع وفي خطوط تتباعد بمقدار 3 أو ٥ أقدام ، ويجب أن تحفظ النباتات طوال أطوار نموها من الحشائش و الحشرات الضارة ؛ ودودة ورق القطن هي من أخطر الآفات التي تصيب القطن وتفتك به فتكا ذريعا ، إذ تتغذي على الأوراق والأزهار فتسبب خسائر فادحة للفلاح إذا أهمل أمرها . ولذا وجبت عليه مقاومتها والتغلب عليها بكافة الطرق ؛ ويزرع القطن في الربيع ويبلغ نباته أقصي ارتفاعه بعد شهرين ، ويتراوح
ارتفاعه بين قدمين وأربع أقدام تبعا لقوة التربة وملاءمتها ونوع القطن المنزرع .
وشجيرة القطن جميلة ذات أوراق خضراء داكنة وزهور بيضاء وأخرى صفراء جميل لونها ، وعندما تبدأ الزهور في الدبول بعد الشهر الخامس أو السادس من الزراعة تظهر اللوزة وهذه تحوي شعر القطن وبذوره ، ويتم نضج القطن بعد تسعة أشهر من زراعته ، وينتج فدانه من ٤ إلى ٧ قناطير من الشعر وحوالي أربعة أرادب من البذرة ومازال القطن يجمع باليد كما كانت الحال منذ ألف سنة خلت ، وقد بذلت محاولات كثيرة لاختراع آلة تجني القطن صناعيا ولكنها باءت جميعا بالفشل ، وتتلخص الصعوبات القائمة في هذا الصدد فما يلي : ــــــــــ
١ - اختلاف ارتفاع الشجيرات فوق الأرض واختلاف ارتفاع اللوز التى تحملها الشجيرات . ٢ - عدم تفتح اللوز جميعها في وقت واحد . ٣ - عدم تمييز الآلة وقت الجمع واحتمال جمع الأوراق بجانب الأوبار .
ولما كانت عملية جني القطن باهظة التكاليف فإن البلاد التى تتوفر بها اليد العاملة الرخيصة هي التي تتخصص في زراعته .
وتتوقف جودة القطن على طول تيلته ولونها وقوتها ، وقطن جزيرة البحرالذي ينموعلى شواطئ الولايات الولايات المتحده الأمريكية وفي جزر الهند العربية هو أجود أنواع القطن جميعا ، إذ يمتاز بتيلته الحريرية المتينة ، والقطن المصري من بين أجود أنواع الأقطان أيضا ، وهو كذلك ذو تيلة قوية طويلة ، أما القطن الهندي فهو حريري ناعم إلا أنه قصير التيلة .
وتتخلل شراء القطن الخام وبيعه مضاربات عديدة ، وكان القطن ذائع الاستعمال في الهند قبل عصر المسيح عليه السلام بزمن طويل ، وقد شاهد جنود الإسكندر الأكبر في فتوحاتهم في القرن الرابع قبل المسيح الأقشة الجميلة الناصعة البياض التي كانت تصنع منه ، وحتى القرن الثامن عشر كانت صناعة القطن زاهرة بالهند وكانت تمد العالم بالمنسوجات القطنية ، وقد لاحظ كولومبس أثناء رحلاته إلى أمريكا أن أهل المكسيك كانوا يزرعون القطن
ويصنعون أقمشته ، ولم تدخل زراعة القطن في مصر إلا في عهد ولي مصر محمد على الكبير .
ويبلغ إنتاج الولايات المتحدة من قطن العالم نحو ٥٠ ٪ والهند نحو ١٧ ٪ ومصر نحو ٦ ٪ وهذه هى أكبر البلاد إنتاجاً للقطن ؛ ولو أن إنتاج مصر منه قليل نسبياً إلا أن قطن مصر مع ذلك بالغ الأهمية نظراً لجودة الخيوط التى يمكن غزله إليها . ولذلك تتهافت المصانع الأجنبية على شرائه بأسعار مرتفعة ، وتنسج من وبره أحسن أنواع المنسوجات .
والقطن فى مصر هو عماد ثروتها وتزرعه فى مساحات كبيرة فى كل عام ، وقد ازدهرت صناعة النسيج بمصر فى الأعوام الأخيرة ، وقامت بها عدة مصانع لغزل القطن ونسجه أهمها مصانع المحلة الكبرى وكفر الدوار .
ولو رجعنا إلى خمسين سنة خلت لوجدنا أن بذرة القطن الزائدة عن حاجة الزراعة كانت تعد من بين المضايقات التى يجب التغلب عليها والتخلص منها ، وكانت تتجمع فى أكوام مرتفعة بجوار المحالج ، وكان من الصعب التخلص منها رغم أن بعضها كان يلقى بالحقول كسماد والبعض يحرق أو يلقى بمجارى المياه ؛ ولكن فى الوقت الحاضر لم تعد بذرة القطن
مصدراً للمتاعب ، بل صارت بالغة الأهمية عظيمة النفع ، إذ تعصر فينتج منها الزيت الذى يستخدم فى الطعام ، ويصنع من مخلفاتها الكسب الذى يستعمل فى تسمين الماشية ، وهو غذاء جيد لها يستعمل فى أوربا وأمريكا حيث الجو بارد ، ويستعمل فى مصر فترة من الشتاء ، كما يستعمل الكسب سماداً لأنه مادة خصبة ، وتستعمل كذلك وقوداً ، وتصنع من قشرة لب القطن مواد البوتاسا والأسيتون والأوعية المنزلية بطريقة ضغط القشرة طبقات ، ويستخرج منه السليلوز للحرير الصناعى والمفرقعات ، وتصنع منه أفلام الفوتوغرافيا ، وتخرج منه نخالة لعلف المواشى والخيول والدواجن .
ويستعمل الحطب وقوداً للآلات البخارية ، وتصنع منه بعض أنواع الورق .
ونختم هذا المقال فنذكر أن قماش القطن هو أرخص الأقمشة جميعاً ، وهو لذلك يستعمل أكثر من غيره من الملبوسات ويبلغ المستعمل منه فيها نحو خمسة أمثال المستعمل من الملبوسات الصوفية ، ويقدرون أن تسعة أعشار سكان العالم يرتدون الملابس القطنية .

