الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 691الرجوع إلى "الثقافة"

قصة حي بن يقظان

Share

يقول ابن طفيل في التمهيد لقصته حي بن يقظان: سألت أيها الأخ الكريم. أن أبث إليك ما أمكنني بثه من أسرار الحكمة المشرقية التي ذكرها الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا. فاعلم أن من أراد الحق الذي لا جمجمة فيه فعليه بطلبها والجد في اقتنائها

وإذا فالهدف الذي رمى إليه ابن طفيل من كتابة قصته هو أن يبين فيها أسرار الحكمة المشرقية كما تحدث عنها الشيخ الرئيس. وإذا كان بعض المستشرقين قد اختلفوا في فهم معنى المشرقية فإن فيما أورده صاحب كشف الظنون في تعريفه بالحكمة المشرقية أو حكمة الإشراق ما يفصل في هذا الخلاف من جهة، كما أنه يلقى لنا ضوءا ناصعا على ما حشده ابن طفيل في قصته من جهة أخرى

قال صاحب كشف الظنون (1): أما حكمة الإشراق فهي من العلوم الفلسفية بمنزلة التصوف من العلوم الإسلامية كما أن الحكمة الطبيعية والإلهية منها بمنزلة الكلام عنها

وبيان ذلك أن السعادة العظمى والمرتبة العليا للنفس الناطقة هي معرفة الصانع بما له من صفات الكمال والتنزه عن النقصان

وقد رأينا حي بن يقظان يأخذ في شطحاته الفكرية إلى أن تنتهي إلى هذه النهاية: لا بد للعالم من فاعل (2( مختار في غاية الكمال وفوق الكمال لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر (3)

ثم يبين صاحب كشف الظنون الطريق إلى هذه المعرفة حيث يقول: والطريق إلى هذه المعرفة من وجهين:

أحدهما طريقة أهل النظر والاستدلال، وثانيهما طريقة أهل الرياضة والمجاهدات، والسالكون للطريقة الأولى إن التزموا ملة من ملل الأنبياء عليهم السلام فهم المتكلمون وإلا فهم الحكماء المشاؤون. والسالكون إلى الطريقة الثانية إن وافقوا في رياضتهم أحكام الشرع فهم الصوفية وإلا فهم الحكماء الإشراقيون (1(

وإذا نحن نظرنا إلى أشخاص القصة كما كتبها ابن طفيل استطعنا أن نأخذ صورة مفصلة الأجزاء لما ضغطه صاحب كشف الظنون في هذه العبارة. فقد كان حي بن يقظان الشخصية الأولى في القصة يمثل في أول أمره طريقة أهل النظر، ثم انتهى آخر الأمر إلى طريقة أهل الرياضة والمجاهدات، ولكنه كان من النوع الذي لم يلتزم ملة نبي من الأنبياء أو يوافق في رياضته أحكام تشريع من التشريعات ولكنه كان من أولئك الحكماء الإشراقيين

أما أبسال - الشخصية الثانية في القصة - فقد كان يمثل النوع السائر على الطريقة الأولى، فقد كان في أول أمره يسير - كما يسير أهل جزيرته - وفق ملة معينة لنبي من الأنبياء. أما سلامان الشخصية الثالثة في القصة فقد كان ممن يأخذون بالظاهر، ولا يتبعون طرائق الإشراق جميعا

وجلي أن ابن طفيل كان يحرك هذه الشخصيات في القصة ليخدم فكرته المعينة التي انتهى إليها في مختتم حياته وهي العزوف عن الحياة والناس، والعزلة، والانقطاع إلى العبادة والمجاهدة حتى يأتيه اليقين. ونستطيع أن نقول في نوع من الاطمئنان إن شخصية حي بن يقظان في القصة هي إلى حد بعيد شخصية ابن طفيل نفسه. لقد بلور ابن طفيل أفكاره وأخرجها على لسان هذه الشخصية الخيالية التي

مرت - أو جعلها ابن الطفيل تمر - بكل مراحل التكوين البشري والعقلي. وإذا كان هو لم يفلح في محاولته اكتساب المعرفة بطريق العقل والنظر، وانتهى به الحال أخيرا إلى الركون إلى المعرفة الحدسية والفيض الذاتي والنور الإلهي الذي يشرق في قلبه، فإنه قد نقل كل هذه الحوادث والمحاولات والأفكار إلى شخصية حي بن يقظان

ولكننا نتحدث الآن عن ابن طفيل كأنه صاحب أصالة في هذه الفلسفة، ونسينا أن غيره من الفلاسفة قد سبقه إلى هذه الأفكار. والحق أن ابن طفيل لم يكن صاحب أصالة في هذه الفلسفة، فإن من يمعن في الكتاب يلاحظ أنه خلاصة مأثور فلسفي قديم تختلف أصوله ومصادره وتتعدد، كما يجد فيه الأفكار العلمية والطبيعة والفلكية. الخ ويدل على اتساع ثقافة ابن طفيل وهضمه لهذا المأثور فهو لم يبتكر ما ساقه من أفكار، ولكنه يبلور ما سبق إليه من أفكار ويعرضها في هذه الصورة الطريفة. وقد ذكر جوتييه (1) أن ابن طفيل لم يكن صاحب فلسفة أصيلة وأن مصادر فلسفته يمكن الرجوع بها بسهولة إلى من سبقه من الفلاسفة كالغزالي، وابن سينا، وآخرين أقل أهمية  وقد ذكر ابن طفيل نفسه ذلك، وإن كانت أصالته في الواقع نسبية

وتستطيع أن تضيف إلى الغزالي وابن سينا - كمصدر من مصادر ابن طفيل - أبا بكر بن الصائغ المعروف بابن باجة. فإن لهذا الأخير فكرة مشهورة هي فكرة الشخص "المتوحد" أي الشخص الذي يعتزل الناس ويكون ذا فطرة فائقة، وينصرف بكليته إلى التفكير وإلى الحياة بحسب القانون الطبيعي. وإذا نحن قرأنا "حي ابن يقظان" استطعنا أن نلمس بوضوح وسهولة أثر هذه الفكرة في ابن طفيل؛ فقد حاول ابن طفيل أن يفرق بين أبسال وسلامان بأن يجعل الأول ميالا إلى العزلة، ومن أصحاب الفطر الفائقة. وأن يجعل أخاه اجتماعيا يؤثر الحياة مع العامة، ويعتقد كما يعتقدون. ولا نذهب بعيدا فقد كان حي بن يقظان نفسه وحيدا في تلك الجزيرة منعزلا عن العالم أجمع. وعندما ذهب إليه أبسال وعرفه

شأن الناس والمجتمع ثارت في نفسه رغبة إصلاح هذا المجتمع، فلما لم يفلحا، عادا ثانية إلى جزيرتهما حيث تتوفر العزلة والبعد عن العوام، وحيث يستطيعان المضي في عباداتهما ومجاهداتهما في اطمئنان

ومن كل ذلك نرى أن أفكار المجتمع الذي كان يعيش فيه ابن طفيل كان لها أثرها في ابن طفيل وفي قصة حي بن يقظان بالتالي فالمعروف من تاريخ ابن طفيل أنه اعتزل الناس في أواخر أيامه عندما تبين له أن إصلاحهم أمر عسير، وكذلك لفشله في الوصول إلى المعرفة بطريق النظر. وربما كان أثر المجتمع في هذه القصة أبعد من هذا، فإننا قد تتسائل: ما الذي حدا ابن طفيل إلى أن يبرز هذه الأفكار في هذه الصورة القصصية الخرافية ولم يبرزها للناس في كتاب له خصائص التأليف الفلسفية في ذلك العهد؟ قد يجاب على ذلك بأن هذه الصورة قد أدت المعلومات إلى القارئ في يسر وسهولة، وأنها كذلك قد اكتسبت من عنصر التشويق القصصي ما يحمل القارئ على تتبعها. ولكن ربما كان هناك سبب هو أهم من كل ذلك، وهو أن ابن طفيل قد قدم في هذا الكتاب أفكارا لا يرضى عنها المجتمع في عهده ولا يستطيع تقبلها بسهولة إن هي قدمت إليه باعتبارها فلسفة الكاتب الخاصة، فلم يكن لابن طفيل بد من أن يخفي شخصيته نوعا من الإخفاء، وان يلجأ إلى هذه الصورة الخرافية التي تخليه أمام المجتمع من كثير من المسئولية

على أن قارئ القصة يستطيع أن يسجل أن ابن طفيل استطاع في الشطر الأول من القصة الذي حكى فيه كيفية تكون حي بن يقظان وتربيته، وكذلك ما يتعلق بالظبية وموتها، واهتدائه إلى موضع قلبها ودفنه لجثتها - استطاع في هذا الشطر من القصة أن يحتفظ بطلاوة الأسلوب القصصي المشوق، وربما كان الجزء الأخير كذلك - الذي حكى فيه قصة أبسال مع حي بن يقظان - فيه مسحة من هذه الطريقة، ولكن الجزء الأعظم من القصة يمكن انتزاعه بسهولة ووضعه في رسالة خاصة لاتفاق في صحتها العقلية في الأسلوب والفكرة عن أي رسالة فلسفية معاصرة. ولسنا نريد أن نحاسب ابن طفيل على فهمه للأسلوب القصصي

والعرض القصصي، فربما اقترفنا في ذلك ظلما له. لقدم عهده من جهة، وضياع الفن القصصي في المأثور العربي تقريبا من جهة أخرى؛ ولكننا نريد أن تقدم إلى القارئ ما يمكن أن يعترض به على تفسير هذه الطريقة التي لجأ إليها ابن طفيل في سوق أفكاره، بأنها لا تخلق بينه وبين المجتمع اصطداما؛ فإن أقل متفكر يستطيع أن يلحظ بسهولة أن هذه الأفكار هي التي يعتنقها ابن طفيل نفسه

وقد تشكك ابن طفيل في قصته (1)  في حدوث العالم وقدمه. فإذا كان جوتييه فيما سبق أن نقلناه عنه قد ذكر الغزالي ضمن مصادر ابن طفيل، فإن هذا الشك في حدوث العالم وقدمه عنده يمكن الرجوع به إلى الغزالي بسهولة

ولا داعي الآن لأن نتتبع مصادر ابن طفيل ومكونات قصته من حيث الآراء والأفكار، وقد ذكرنا أنه صب فيها كل أفكاره وثقافته التي حصلها، كما أنه هدف بها إلى  إيضاح فكرة الحكمة الإشراقية والدعوة إليها وتحبيذها ولا غرو فابن طفيل لهذا معدود عند كتاب الغرب ضمن الإشراقيين

والآن وقد تركنا مضمون القصة فإننا نود أن نعرف مقدار أصالة ابن طفيل في عرض القصة - في الناحية الشكلية منها، أو لنقل في الإطار الذي أبرزها فيه. وبعض الآراء تذهب إلى أنه يبدو أن إطار هذه القصة (لا مضمونها( يرجع إلى قصة عربية قديمة (3

وفي مجموعة رسائل ابن سينا "تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات" نجد قصة بعنوان سلامان وأبسال، مترجمة عن اليونانية بقلم حنين بن إسحق ومعها شرح للطوسي فلم يأت بهما ابن سينا، بل إنهما قد يجريان في أمثال العرب وحكاياتهم

على أن القصة كما عرضها ابن سينا تختلف اختلافا جوهريا عنها كما عرضها ابن طفيل. وبقليل جدا من النظر يمكن الوقوف على هذا الاختلاف. ويكفي أن نعرف أن القصة تقوم على أن سلامان وأبسال أخوان، وكان أبسال أصغر سنا، وتربى بين يدي أخيه، وكان عالما شجاعا عفيفا

فأحبته امرأة سلامان، فلما لم يتجاوب معها دبرت له، ولكنه هرب، فدبرت قتله بالسم، وحزن سلامان على أخيه عندما عرف السر وألهمه الله الحقيقة، فدس لامرأته ومن عاونها بدورهم السم

هذه الصورة تغاير كل المغايرة قصة أبسال وسلامان كما عرضها ابن طفيل

ومثل ذلك يمكن أن يقال بالنسبة للقصة التي ترجمها حنين وأيضا بالنسبة للقصة التي أوردها ابن الأعرابي في كتابه  النوادر

هل معنى هذا أن ابن طفيل قد أخذ أسماء الأشخاص الأسطوريين فقط وأدار الحوادث والأفكار الخاصة به عليهم؟ أو بلفظ آخر: هل يستقل ابن طفيل في طريقة عرضه للقصة عن غيره ممن سبقوه؟ ويبدو أن الرأي كان مستقرا إلى أوائل القرن العشرين على الاعتراف له بالأصالة القصصية (1) ولكن بعد أن ظهر البحث على كثير من النصوص والأصول التي لم تكن قد اكتشفت بعد، فإن الحكم الخاص بأصالة ابن طفيل القصصية يحتاج إلى تعديل (2)

وبعد فقد شغلت قصة حي بن يقظان أذهان المفكرين في جميع الأمم، فترجمت إلى الانجليزية ترجمات عدة وإلى الألمانية واللاتينية والهولندية والفرنسية وغيرها ومن الآراء الراجحة أن الكاتب الإجليزي دانيال ده فو قد تأثر بقصة حي بن يقظان في كتابة قصته المشهورة  روبنسون كروزو وليس عجيبا أن تلقى هذه القصة آذانا صاغية عند الإنجليز بصفة خاصة ويكون لها هذا الأثر فقد دارت حوادثها فوق جزيرة أوجزيرتين في المحيط أشبه وأقرب إلى حياتهم الجزرية

وفي ذكرى الشيخ الرئيس تكون قصة حي بن يقظان والحديث عنها بيانا لامتداد أثر ابن سينا الفكري فيمن جاءوا بعده خاصة من كان لهم ميل  كابن طفيل إلى فلسفته الإشراقية

اشترك في نشرتنا البريدية