الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 690الرجوع إلى "الثقافة"

محنة العنصرية فى ألمانيا

Share

مسألة الجنس والتمييز العنصرى مسألة قديمة ، عرفتها البلاد والدول كنتيجة لتعدد الأجناس فيها ، وانقسام أبنائها تبعاً لذلك إلى شيع وفرق ، تتسابق كل منها إلى السمو بنفسها والمغالاة في تسابقها ، حتى تكون لها السيادة والسيطرة على سواها من النحل والأجناس ؛ وقد يبدو من الصعب أن تتصور كيف كانت هذه المسألة حيوية بالنسبة للمجتمعات القديمة ، وكيف كان لها الباع الطويل فى رسم العالم وتوجيهه حتى وصل إلى ما وصل إليه اليوم من خطوط وأوضاع ، بل لا تعدو الحقيقة فى شئ إن قررنا أن مسألة الجنس والتمييز العنصري ماعتدت من المسائل الهامة والشكلات الحيوية في مجتمعات العصر الحاضر , بالرغم من تقدم البشرية كل هذا التقدم للطرد الوثبات .

ولقد حظيت ألمانيا في هذا القرن بالنصيب الأوفر من هذه المشكلة ، إذ قامت فيها قبل الحرب العالمية الثانية مسألة التفرقة العنصرية والاضطهاد الجنسى بين العناصر الأرية والعناصر اليهودية حتى انهزمت ألمانيا ، ووضع بانهزامها حد لهذه الهزلة المعروفة التى غيرت خطوطاً رئيسية في معالم التاريخ .

ولكي نبين ماهية المسألة العنصرية في ألمانيا ، نرى أنه من تتبع الحركة النازية تتضح أهمية مسألة تنقية الجنس الألمانى من الدم اليهودي ، في فبراير سنة ١٩٢٠ عندما وضعت مبادئ " حزب العمال الاشتراكي الوطنى الألمانى " تبين أنها تهدف إلى تحقيق أهداف من أهمها : الاستيلاء علي زمام الحكم ، وتحقيق النظرة الاشتراكية الوطنية Nationalsozialismus مع القضاء على الشيوعية والوصول بالشعوب الجرمانية إلى الوحدة المنشودة ، وتطهير الجنس الأرى من الدم اليهودى أو من الدم غير الأرى .

ولقد كان في النص على هذا الهدف الأخير خطره على الأوضاع السياسية في ألمانيا في ذلك الحين . فضلا عن أنه

كان ينطوى على جرأة نادرة ، وينبنى على فلسفة خاصة لزعيم الاشتراكية الوطنية : أدولف هتلر، الذي أراد أن يصل إلى أهدافه على أنقاض اليهودية التى رأي فيها عدواً لدوداً يهدد كيانه وكيان جنسه ودولته بالشر المستطير .

ولقد أوضح الزعيم النازى هذه الفلسفة الجديدة في كتابه الشهير الذي كتبه وهو سجين في قلعة لانجسبيرج تحت عنوان " كفاحى Mein Kampf " لخص من القسم الأول الفصل الحادي عشر بعنوان " الأمة والجنسية " قال فيه :

إن نظريته بصدد هذه المسألة تتلخص في أن كل ما تلقاه في هذا العالم من علوم وفنون ومقدرة فنية وصناعية ، كل ذلك يرجع إلى جهود جنس جبار . هو الجنس المؤسس : الجنس الآرى الذي لولا ما قام به من جهود وبسالة في مضمار الحياة ، لعقد العالم اليوم ما يتمتع به من رونق وجمال .

ويبسط الزعيم كيف تطور حال هذا الجنس الأرى إلى الضعف وسط موجة من القوة من جانب أعدائه غير الأريين . وهنا خضع الجنس الأرى : هذا الجبار المكافح ، وطأطأ رأسه لذلك الخليط من الأجناس الأخرى ، ويقول إن علة اضمحلال الحضارة ليس إلا امتزاج الدم ، وما يترتب عليه من إضعاف مستوى الجنس ، وبالتالي إضعاف المدنية !

ويثيرها الزعيم الألمانى حملة شعراء على اليهودية فى ألمانيا ، بين فيها ما يمتاز به اليهودى من أثرة وأنانية وتعد على حقوق الجنس الآرى ؛ فكل نتاج يحمل اسم يهودى ليس إلا ثمرة وضع بذرتها هذا الجنس المؤسس . . واليهودى فوق هذا وذاك خبيث لئيم ، يدعى المسكنة بين يدى صاحب العمل ، حتى يلتحق بخدمته ، وبمهارته وبفطنته يقف على العمل ودخائله . وبصبره وجلده يتصادق مع هذا وذاك من

العمال . . ثم هو لا تعرف له اتجاها معينا ؛ فهو اشتراكي تارة ، وهو وطني تارة أخرى ، وهو وطني في حين . .

وهكذا ضاع الجنس الآرى : الجنس المؤسس ، ضاع فى هذه الموجة المتلاطمة من خداع اليهودية الأنانية الخبيثة التى أحلت لنفسها ما ليس لها ، وسبقت فى مضمار الحياة وأساليب الحكم من هو أحق منها بالسبق والتقدم ، هذا الجنس الممتاز

فكان لا مناص - والحالة هذه - من أن يكون اليهود أعداء الجنس الآرى الألداء الذين سلبوا منه زمام الثروة والمال في الدولة ، وبالتالى سيطروا على السلطة والسيادة ، فأخضعوه لهم ، وهو القمين بإخضاعهم له ؛ ذلك أن اليهودي لا يفتأ يجاهد ، لا تؤثر فى نفسيته ما يؤثر فى نفسيات الآخرين من نقد أو سخرية أو خجل ، حتى يصل إلى إدارة العمل ، فيستولى بذلك على ناصية الثروة والاقتصاد الوطنى ؛ وهكذا ترى العمل يديره خليط من الأجناس تعمل كأيد عاملة ، يوجهها ويضع لها الخطط والترتيبات عنصر غير عنصرها : هو العنصر اليهودى ، وما دامت الشئون السياسية تتوقف على مبلغ نقاء الحركة الاقتصادية وتوجيهها فإن هذه الشئون ، وموقف الحركة الاقتصادية علي هذا الوضع - هى من أسوأ الأمور ، وأن توجه إلا أسوأ توجيه ويقول الزعيم النازى في كتابه في الفصل الخامس من القسم الثانى تحت عنوان " نظرية العالم والنظام " : إن قيادة الأحزاب في ألمانيا فى يد اليهود ، وهؤلاء يستمدون قوتهم من الطبقات العليا في الأمة ، وهؤلاء لا يحققون إلا مطامعهم التي تتبنى على الأثرة والأنانية والهدم والتبديد ، وهؤلاء يتخذون من سطوتهم خير عون لكي يجندوا جنودهم لمقاتلة عدوهم اللدود ، الجنس الآرى ؛ لذا وجب على هذا الجنس الأخير ممثلا فى حزبه الاشتراكي الوطني أن يعمل بقوة وصرامة على إعادة هذه الجماعات الشريرة التى تبغى ابتلاع ألمانيا وتبديد أبنائها الحقيقيين ، عنصر التأسيس والبناء في حضارات العالم .

ولقد بين الأستاذ H. Raischning صديق هتلر في كتابه " هتلر قال لى " أن الأهداف النازية إنما تقوم قبل كل شئ على نظرية التفوق الجنسى والتميز العنصرى ، تلك النظرية التي ساقت ألمانيا إلى الادعاء بأن لها حقوق

السيادة على كافة البلاد والمجتمعات ، فالمهمة التى قامت النازية من أجل تحقيقها هي أن يخضع سائر البشر للدولة الألمانية صاحبة السيادة والسلطان التى بعثت لتقديم مجموعة مختارة من الإرنفوك Herrenvolx أى الحكام الذين يسودون ويلاحظ أنه منذ بداية القرن التاسع عشر ، كان لتعاليم فلاسفة الألمان أمثال فيشت Fichte ونيتشه Nietche الخاصة بتمجيد القوة وسيادة الجنس والعنصر وتقسيم الجنس والبشر ، أكبر الأثر في المذهب النازى الذي يقول بهذه التقسيمات وبتلك السيادة ، سياد السلالة والجنس .

على أن النظرية النازية فيما يتعلق بقداسة الجنس الآرى لم تأت بشىء جديد في هذا الصدد ، وليست آراء هتلر فيها خليقة يومها ، إذ سبقه الكونت جوزيف دى جوبينو الكاتب الفرنسى في كتابه عن " تفاوت الأجناس البشرية  Essai sur l'inégalité des races " عند منتصف القرن التاسع عشر قبل أن يولد هتلر بنحو أربعين سنة ، وتبعه الإنجليزي هوستون ستيوارت شمبرلين .

وألف فاجنر الموسيقى المعروف كتابه عن أساس القرن التاسع عشر مبيناً فيه أن كل حضارة من الحضارات إنما ترجع إلى خلق العبقرية الجرمانية وابتداعها ، وليس هتلر أول من قال ببغض اليهود والقسوة فى معاملتهم ، بل سبقته فى ذلك بمئات الأعوام مذابح اليهود فى أوربا الوسطى وأوربا الشرقية .

وجاء في " المذاهب الاجتماعية الحديثة " أن العلماء قد رأوا في النظرية الآرية تناقضاً ، وكشفوا عن بطلانها ، وهم يقولون فى ذلك : إن الدليل على التناقض فى هذه النظرية التى تجعل للجنس الآرى السيادة والسلطة على الأجناس الأخرى ، والتى ترى فى الجنس اليهودي جنساً لئيماً دخيلاً على الآريين ، هو أن العبقرية الألمانية تشغل العبقرية اليهودية فيها حيزاً هاماً ، ويكفى ذكر بعض الأسماء التي تعطى برهان ذلك ، منها مندلزون وهينه وهابر وأينشتين ، بل إنه من الخطأ الزعم بوجود أجناس نقية مستقلة من الوجهة الجنسية في أوربا الحديثة في أجزاء معينة .

ولقد بدأ اضطهاد اليهود فى ألمانيا سنة ١٩٣٣ ، وفي سبتمبر سنة ١٩٣٥ صدرت قوانين نورمبرج Nuremberg

كرد فعل لسخط النازيين على اليهود وبغضهم الشديد لهم ، ومقتضى هذه القوانين أن تصادر أملاك اليهود ، و أن يطردوا من الوظائف و أن ينفوا من ألمانيا كلها ، ولقد توفر - كنتيجة لهذا - لدى الحكومة مبالغ عظيمة من الأموال كان لها فضل في الشئون الحربية الخاصة بألمانيا .

ومنذ أول سبتمبر سنة ١٩٣٩ زاد الاضطهاد وضوعف ، وأرسل ملايين من اليهود من ألمانيا والبلاد الغربية إلى البلاد الشرقية بقصد إبادتهم والقضاء عليهم ، وكانت الخطط التي وضعها النازيون تقضي بحرمان اليهود من حقوقهم . كما استعمل النازيون معهم كثيرا من العنف ، واعتدوا عليهم فى أنفسهم وأموالهم ولجأوا إلى وسيلة طردهم من البلاد النازية ؛ بل إن العبودية قد فرضت على اليهود ، وكذلك القتل والتشريد . والأشغال الشاقة والجوع والحرمان ، وبلغ عدد الذين فقدوا منهم ٠٠٠ و ٧٠٠ و ٥ مات أغلبهم .

وهكذا سقطت ألمانيا فى الحرب الماضية ، ولكنها تركت للعالم درسا من الدروس الهامة التى ظل يدرس ويفحص فى سطورها ليضع لها تحديدا وليأخذ منها عبرة ، فأما العبرة فهى العمل على منع تكرار هذه المأساة النازية الخالدة ، فى أي بلد من البلاد ، وأما التحديد فهو فى توسيع نطاق مكافحة هذه المأساة ، فلا يقتصر الأمر على مكافحة إبادة العناصر غير المرغوب فيها ، وإنما يشمل أيضا الأعمال التى من شأنها محو ثقافة جماعة من الجماعات أو جنس من الأجناس أو تشتيت

حضارتها أو إفناء نسلها أو محاولة نقلها بالقوة إلى جماعة أو عنصر غير جماعتها وعنصرها .

وليست النازية هى المذهب الوحيد الذى جنح إلى الاضطهاد العنصرى في التاريخ الحديث ، بل نحن كذلك نرى هذا الاضطهاد فى مذهب الصيونية مثلاً ، بل إن البعض يري أن الصهيونية قد ذهبت في حركتها أبعد مما ذهبت إليه النازية الراحلة ؛ إذ أن مبدأ العنصر الممتاز الذى تقوم عليه النازية يكتفي بالآرية ولا يتقيد بديانة أبناء هذا العنصر ولا بالأرض التى يستوطنونها ، ولكن الصهيونية تشترط ديانة معينة وأرضا خاصة مع العنصرية التي تطلبها وتسعى لتحقيقها .

و الاضطهاد العنصرى يرجع إلي دواع وأسباب متباينة ، فقد يكون منشأه نعرة أو عنجهية جنسية ، وقد يرجع إلى أسباب مذهبية أو دينية ، أو إلى أسباب اقتصادية واجتماعية ، وقد يرجع إلى كل هذه الدواعى والأسباب مجتمعة ؛ وهو سواء رجع إلى هذه أو تلك من الأسباب جريمة إنسانية قد آن أوان الحد منها ووضع التدابير الواقية لها وفرض الجزاءات المختلفة على مرتكبيها ، سواء تمثلوا فى أفراد أو في هيئات أو فى حكومات .

ولكل تلك الدواعي والأسباب اضطهد النازيون اليهود والعناصر غير الآرية في ألمانيا ، وبسقوطهم رأت الدول الحليفة المنتصرة توقيع الجزاء على مرتكبى هذه الجريمة الشنعاء ، فحاكمت زعماء الحركة ودعاة الاضطهاد .

اشترك في نشرتنا البريدية