روى الفخر الرازي في مناظراته في بلاد ما وراء النهر أنه لقى في بخارى رجلا سماه: "النور الصابوني" يشتغل بعلم الكلام ويزعم أنه رئيس القوم فيه. ويدعو له الفخر الرازي مما يدل على أنه حرر المناظرات بعد وفاة الرجل. وروى أن هذا الصابوني ذهب إلى مكة والمدينة ومر في الطريق عند ذهابه وعند رجوعه بخراسان والعراق؛ ولما عاد إلى بخارى صرح بأنه لم يقع بصره على وجه شخص يستحق أن يسمى إنسانا؛ يعني بهذا نسبة أهل خراسان والعراق في زمنه إلى الجهل. ولما طلب إليه الفخر الرازي أن يبين دعواه، أجاب: إني منذ خرجت من بخارى إلى أن عدت إليها ما رأيت إنسانا يعرف شيئا من علم الأصول أو يخوض في بحث عن هذه المسائل
ويظهر عند التأمل في عبارة: المناظرات أن فخر الدين الرازي يسلك سبيل التهكم في تحامله على نور الدين الصابوني حتى لقد أشار إليه بقوله: هذا النور الصابوني مما يوهم أن الرجل نكرة دعي، وأنه ليس على شئ من العلم يبيح له أن يقول في علماء خراسان والعراق في وقته مثل هذا القول
والواقع أن الصابوني كان عالما ذا شأن يذكر. قيل في ترجمته: أحمد بن محمود بن أبي بكر الصابوني نورالدين صاحب البداية في أصول الدين والكفاية، وبينه وبين الشيخ رشيد الدين مناظرة في مسألة المعدوم ليس بمرئي، وهي مناظرة طويلة مفيدة ذكرها حافظ الدين النسقي في الاعتماد مات سنة 580 ودفن بمقبرة القضاة السبعة ببخارى
ونحن نميل إلى تصديق الصابوني في حكمه على علماء خراسان والعراق في زمنه، ونعذره في استيائه من انصرافهم عن علم الكلام وغيره من العلوم العقلية. وبالرغم من اجتهاد الفخر الرازي وغيره من علماء النصف الثاني من المائة السادسة والنصف الأول من المائة السابعة، فإن حالة العلوم العقلية ظلت في ركود وانحطاط حتي تداركها نصير الدين الطوسي الذي يقول في نقده لكتاب المحصل الفخر الدين الرازي نفسه ويصف هذه الحال: وفي هذا الزمان لما انصرفت الهمم عن تحصيل الحق بالتحقيق، وزلت
الأقدام عن سواء الطريق، بحيث لا يوجد راغب في العلوم، ولا خاطب للفضيلة، وصارت الطباع كأنها مجبولة على الجهل والرذيلة، اللهم إلا بقية يرمون فيما يرمون رمية رام في ليلة ظلماء، ويخبطون فيما ينحون نحوه خبط عشواء ولم يبق في الكتب التي يتداولونها من علوم الأصول (يعني أصول الدين أو الكلام) بيان ولا خبر، ولا من تمهيد القواعد الحقيقية عين ولا أثر، سوى كتاب المحصل الذي اسمه غير مطابق لمعناه، وبيانه غير موصل إلى دعواه وهم يحسبون أنه في ذلك العلم كاف، وعن أعراض الجهل والتقليد شاف؛ والحق أن فيه من الغث والسمين ما لا يحصى والمعتمد عليه في إصابة اليقين بطائل لا يحظى؛ بل يجعل طالب الحق بنظره فيه كعطشان يصل إلى السراب، ويصير المتحير في الطرق المختلفة آيسا عن الظفر بالصواب، رأيت أن أكشف القناع عن وجوه أبكار مقدراته، وأبين الخلل في مكامن شبهاته، وأدل على غثه وسمينه، وأبين ما يجب أن يبحث عنه من شكه ويقينه (تلخيص المحصل (لنصير الدين الطوسي، ص ٣
وكان الفخر الرازي كثيرا ما يتعرض لابن سينا بالذم والتشنيع بالرغم من كثرة نقله عنه، وإذا ما تصدى لشرح كتاب من كتبه لم يتردد أثناء الشرح من تعمد الطعن فيه وتجريحه دون مراعاة لوجه الحق والإنصاف، بل رغبة في الزهو وتكلف التفوق
ومن كتب ابن سينا التي شرحها الفخر الرازي: كتاب الإشارات والتنبيهات، وهو كتاب كان يعتز به الشيخ الرئيس ويوصي بالضن به على غير أهله. وقد تكلم النصير الطوسي عن شرح الرازي لهذا الكتاب. فقال: شرحه فيمن شرحه الفاضل العلامة فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الخطيب الرازي، جزاه الله خيرا، فجهد في تفسير ما خفى منه بأوضح تفسير، واجتهد في تعبير ما التبس فيه بأحسن تعبير، وسلك في تتبع ما قصد نحوه طريقة الاقتفاء، وبلغ في التفتيش عما أودع فيه مدارج الاستقصاء. إلا أنه بالغ في الرد على صاحبه أثناء المقال. وجاوز في نقض قواعده
حد الاعتدال؛ فهو بتلك المساعي لم يزده إلا قدحا؛ ولذلك سمى بعض الظرفاء شرحه جرحا. ومن شرط الشارحين أن يبذلوا النصرة لما قد التزموا شرحه بقدر الإمكان، وأن يذبوا عما قد تكلفوا إيضاحه بما يذب به صاحب تلك الصناعة، ليكونوا شارحين غير ناقضين، ومفسرين غير معترضين؛ اللهم إلا إذا عثروا على شئ لا يمكن حمله على وجه صحيح، فحينئذ ينبغي أن ينبهوا عليه بتعريض أو تصريح
متمسكين بذيل العدل والإنصاف، مجتنبين البغي والاعتساف فإن إلى الله الرجعى، وهو أحق بأن يخشى. وقد سألني بعض أجلة الخلان. أن أقرر ما تقرر عندي، مع قلة البضاعة
من معاني الكتاب المذكور ومقاصده. وما يقتضى إيضاحه بما هو مبني على مبانيه وقواعده، مما تعلمته من المعلمين المعاصرين والأقدمين، أو استفدته من الشرح المذكور وغيره من الكتب المشهورة، أو استنبطته بنظري القاصر وفكري الغائر، وأشير إلى أجوبة بعض ما اعترض به الفاضل الشارح مما ليس في مسائل الكتاب بفادح، وأتلقى ما يتوجه منها عليها بالاعتراف، مراعيا في ذلك شرائط الإنصاف، وأغمض عما لا يجدي بطائل، ولا يرجع إلى حاصل (شرح الإشارات لنصير الدين الطوسي، نشره الشيخ محمد رضا الطهراني طهران سنة ١٣٠٥، ورقة ١ ظهرا و2 وجها
وقد أوردنا هذا النص بالرغم من طوله، لأنه غير موجود في الطبعات المشهورة لهذا الكتاب مما ظهر في تركيا أو في مصر ولأن بعض العلماء، ومنهم أستاذنا المرحوم قلمينو، ذهب إلى أن المشروح من الإشارات لابن سينا هو القسم الثاني منه فقط (تاريخ الملك عند العرب في القرون الوسطى ص 35) والنص الذي أوردناه هو من مقدمة الشرح على القسم الأول
ولنذكر على سبيل المثال موضعا من المواضع الصعبة في كلام ابن سينا في الإشارات لنتبين منه طريقتي الفخر الرازي، خصم الرئيس، والنصير الطوسي، المنتصر له العامل على ترويج فلسفته. قال ابن سينا: فإذا قرع سمعك فيما يقرعه وسرد عليك فما تسمعه قصة لسلامان وأبسال فاعلم أن سلامان مثل ضرب لك وأن أبسالا مثل ضرب لدرجتك في العرفان إن كنت من أهله، ثم حل الرمز إن أطقت نجد الفخر الرازي يصرح في شرحه لهذا الوضع بما يلى إن قول الشيخ: ثم حل الرعز إن أطقت، ظلم وإنه يجرى مجرى التكليف بمعرفة الغيب، وكأنه لم يحاول
الاستقصاء والبحث، ولم يكن قد تعلم حل الإشكال من شيوخه ولم يعثر على توضحه في مخلاته ولا في بيت كتبه، فحنق على صاحب النص وغضب واتهمه بالظلم. بينما نجد النصير الطوسي يقول: إن الامر بحل الرمز ليس تكليفا بمعرفة الغيب وإنما هو موقوف على استماع تلك القصة، ويظهر من شرحه لهذا الموضع أنه بحث في كتب اللغة والنوادر وفي كتب الفلسفة وبعد عشرين سنة من تحريره لشرحه وقعت له قصة عنوائها (سلامان وأبسال) منسوبة لابن سينا فحقق صحة نسبتها له واتضح له بعد فحصها أنها تحتوي على مفتاح الرمز ولما أعاد تحرير الشرح استوفى بحثه للموضوع فجاء تفسيره عظيم الفائدة ذا أثر مبارك في آداب الفرس والترك على نحو مما يظهر في أشعار جامى ولامعى
ولنصير الدين الطوسي موقف آخر شبيه بموقفه مع الرازي، وذلك في دفاعه عن ابن سينا ضد محمد بن عبد الكريم الشهرستاني المتوفي سنة ٥٤٨ هجرية، وهو المشهور بكتابيه الملل والنحل ونهاية الإقدام وغيرهما. وذلك أن الشهرستاني ألف كتابا سماه المصارعات بالغ فيه في مدح نفسه وفي ذم ابن سينا مجافيا بذلك قواعد الآداب والذوق السليم. وذكر في أوله في خطاب وجهه إلى الأمير الذي كان يحميه، بأنه بعد أن حظى برضاء الأمير عن كتابه في الملل والنحل فكر في أن جهده فيه لا يتجاوز حسن الاستيعاب لمختلف المقالات وجودة النقل والترتيب، فرأى أن الرجل إنما يسبر عوده وتبين قيمته عند مناجزة الأقران ومبارزة الشجعان. وبالامتحان يكرم المرء أو يهان ثم تأمل المشتغلين بالحكمة واحدا واحدا وسأل أهل العلم رأيهم فيهم فاقتنع أن ابن سينا هو أعلاهم قدرا وأن من وقف على مضمون كلامه فقد فاز في الفلسفة بالسهم المعلى فعزم على أن يصارعه مصارعة الأبطال وينازله منازلة الرجال وأن يبين وجوه التناقض في كلامه ومواقع الخطأ في براهينه ثم يدعو الأمير يجلس مجلس القضاة والحكام ليحكم بين المتناظرين المتبارزين بالحق والصدق فهو أحرى بالحكم إذا تحوكم إليه وأحق برعاية الصدق إذا عول عليه وعلى هذا النحو يخاطب الشهرستاني أميره ومخدومه
ورد عليه نصير الدين رد العالم المتواضع وخصص لذلك كتابا سماه مصارع المصارع قال في خطبته: إنه لما طالع كتاب الشهرستاني وجده مشتملا على نظر ضعيف ومقدمات
(البقية على الصفحة التالية)
واهية، ومباحث غير شافية وتخليط في الجدال مما يستعمله المتسوفون عند العوام ثم قال: فرأيت أن أكشف عن تمويهاته وأميز بين تخليطاته، غير ناصر لابن سينا في مذاهبه لكن مشيرا إلى مزال أقدام صاحبه، ومنبها على مغالطاته وإن كلته في بعض المواضع بصاعه، أو سقيته بكأسه، فإنه يعلم أن ذلك ليس مما يقتضيه دأبي وعليه تعودي، بل الحرب تعدى، والكلام يجر الكلام. فإن وقعت لى فيه زلة أو هفوة
فليصلح كتابي من اطلع عليه من إخواني طلبا لاقتناء الخير وإحراز الأجر (من مخطوط خاص) ويوجد في دار الكتب المصرية مخطوط لهذا الكتاب رقمه ٩٣٥ فلسفة ولكنه سقيم لا يعول عليه
وهكذا يتبين الفرق بين نصير لابن سينا وخصمين من خصومه واضحا في منهج البحث العلمي وفي الأخلاقي

