الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 704الرجوع إلى "الثقافة"

من الأدب الغربى :, صفحة من حياة " جونسون "، لجيمس بوزويل

Share

كان " جيمس بوزويل " اسكتلنديا ، من القوم الذين كان " جونسون " يجفوهم ويبغضهم ) ومن آيات بغضه لهم أنه لما ألف قاموسه فسر كلمة oats بقوله : ) " الجلبتان " نوع من الحبوب يتخذ في انجلترا علفا للخيل . ولكنه في استكتلنده يتخذ طعاما للناس ( .

و " بوزويل " قد قضى أطيب شطر من حياته في صحبة " صمويل جونسون " وكان لا ينفك يدون كل ما يقوله ذلك الرجل العظيم . ويسجل كل ما يفعله . وجمع ما دونه . وكتبه في أسلوب يسيل رقة وعذوبة . ثم جعل منه كتابا هو خير ما يقرأ في اللغة الإنجليزية من كتب التراجم والسير .

و " بوزويل " على فرط إعجابه بصاحبه . لم يجعل منه إنسانا مبرأ من العيوب . ولم يخف من وجه صاحبه أى ندبة من الندوب . فجاءت الصورة أقرب ما تكون إلى الكمال الإنساني .

وفيما يلى بعض مقتطفات من بعض فصول تلك الترجمة : قال " بوزويل " تحت عنوان " جونسون في المدرسة : -

تلقى " جونسون " تعليمه أول مات تلقى على يدى السيدة " أوليفر " وهي أرملة كانت تدير مدرسة لتعليم صغار الأطفال .

وحدثني " جونسون " فقال إنها كانت تستطيع قراءة الكتب المطبوعة بالحروف الكبيرة السوداء . وأنها طلبت إليه أن يسأل أباه أن يقرضها التوراة " لتقرأها .

ولما آن أوان ذهابه إلى " أكسفورد " ودعته تلك السيدة أجمل وداع . وزادت بأن أهدت إليه فطيرة محشوة بالزنجبيل ، وقالت عنه إنه كان أحسن تلاميذها .

ثم تتلمذ بعد مغادرته لمدرسة تلك السيدة على معلم كان

يطلق عليه إسم " توم براون " . وقال في الثناء عليه إنه كتب كتابا في قواعد التهجي وأهداء إلى العالم أجمع . . ثم بدأ يتعلم اللاتينية علي يد معلم اسمه " هو كنز " ثم ترقى فتتلمذ علي ناظر المدرسة . وكان اسمه " هنتر " . وكان يقول جونسون رجلا قاسيا ، فظا ، غليظ القلب . إذ كان من عادته أن يضربنا في غير رحمة أو هوادة . وكان لا يميز بين الجهل وبين الإهمال . وكان يسوي في الضرب بين تلميذ لا يعرف شيئا من الأشياء . وبين تلميذ آخر قد أهمل في معرفة ذلك الشئ . وقد كان يسأل تلميذا من التلاميذ سؤالا فإذا لم يحسن الجواب عاقبه بالضرب دون أن يعرف إن كانت قد أتيحت الفرصة لذلك التلميذ أن يعرف جواب هذا السؤال أو لم تتح .

وقد سأل مرة تلميذا عن معنى كلمة " شمعدان " باللاتينية . وهو سؤال لم يكن يتوقعه ذلك التلميذ . فأجابه بقوله : إذا استطاع كل تلميذ أن يجيب عن كل سؤال لما كانت هناك حاجة إلى معلمين يعلمون التلاميذ .

وعلى الرغم مما أسلفنا فإن " جونسون " كان يقر لأستاذه مستر هنتر " بالفضل ، وقد سأله يوما أحد أصحابه : كيف أتقن معرفة اللغة اللاتينية معرفة تفوق بها على أنداده ؟ فقال : إن أستاذي قد أجاد استعمال " السوط " في ضربي ولولا هذا لما حذقت اللاتينية .

ومضي " جونسون " يقول : وكان من عادة " مستر هنتر ، أن يقول لتلاميذه وهو يضربهم . في أضركم اليوم لأنقدكم من المشانق غدا .

وكان " جونسون " لا ينفك يؤكد في كل مناسبة أنه يقر طريقة الضرب بالعصا كوسيلة من الحث على الدروس والتعلم وانه يفضلها على طريقة القول للتلميذ : إنك إن احسنت

الدرس والاستذكار نلت من التقدير اكثر مما ينال إخوتك أو أخواتك .

ويري " جونسون " أن طريقة التنافس والمباراة مؤدية إلى بث روح الكراهية بين الإخوة والأخوات .

وكان المقربون إليه وذوو الحظوة عندما ينالون من بره الأدبي وسخائه المادي الشئ الكثير ، وكان هؤلاء يسعون جهدهم لينالوا رضاه . حتى إن ثلاثة منهم كانوا يجيئون إلى داره في كل صباح ليحملوه إلى الدرسة . وهذا التوقير العلم والأدب يشرف فاعليه . ويشرف الطبيعة الإنسانية . .

وقال " بوزويل " تحت عنوان " جونسون وجولد سمث : يروى أن " جونسون " قال لسيدة كانت تشكو أنه نزر الكلام إذا جلس أصحابه: يا سيدتي إني أحمل مع قليلا من المال . ولكن في خزائني الكثير من ذلك المال وقوق الكثير . ولقد استرعى انتباهي أن صديقى جولد سميث يختزن فى خزانته القناطير المقنطرة من الذهب والفضة . ولكنه ليس يقنع بذلك فهو لا يفتأ يخرج كيس نقوده . فقالت السيدة : هذا حتى سيدي . ولكن كبس نقوده فارغ في أغلب الأحايين

والحق أن " جولد سمث قد كانت به دائما رغبة ملحة في أن يكون عدا بين أصحابه . وهذا ما حدا به إلى الظهور بهذا المظهر الذي لا يليق برجل في مثل ذكائه ونبوغه . وهو لما لمع نجمه في الأدب اشتدت به القبرة - أكثر من ذي قبل - مما كان يلاقيه ) جونسون ، من عناية القوم به في كل مكان .

وكذلك مما يروى في هذا الصدد أن جولد سمث" قال ذات يوم أمام جمع من أصحاب . وكان " جونسون " حاضرا : لقد خطر ببالي أن اكتب قصة ، وأن أدير الحوار فيها على ألسنة الأسماك والطير . وقال : إن البساطة شرط ضروري في تأليف هذا النوع من الحكايات وضرب المثل على ذلك خاصة الأسماك الصغيرة التى رأت الطير تحلق في الهواء فوق رؤوسها فحسدتها وتوسلن إلى الإله أن يحيلهن طيرا . ثم مضى جولد سمث " يقول : إن البراعة هنا تقوم على إنطاق صغار السمك بالكلام .

وبينما هو مستغرق في بسط هذا الخيال نظر فرأى

جونسون " تهتز جوانحه من فرط الضحك . فقال وهو يكاد يتميز من الغيظ ؛ يادكتور " جونسون " ليس الأمر سهلا كما يبدو لك ذلك ، لأنك لو أردت أن تجعل صغار السمك تنطق لأدرت على لسانها حديثا هو بحديث الحيتان الضخمة أشبه !. .

وقال " بوزويل " تحت عنوان " حديث في النادى : -

تحديث يوما مع " جونسون " في لندن ، وكنا في صحبة جماعة من علية القوم الذين لن أسميهم ، ولكني أرمز لهم بأحرف مختلفة من حروف التهجى : -

ف : لقد كنت الساعة أنظر إلى تلك التحفة المرمرية العجيبة الصنع ، وهي تمثال يملكه " مستر جينجز " ) وهو رجل كان يعني بجمع الآثار القديمة ( . و يقال إن التمثال يمثل كلبا من كلاب القائد والسياسي الأثيني القديم " السبيادز " وهم يقدرون ألفا من الجنيهات تمنا لهذا التمثال .

جونسون : لو صح هذا القول فوجب أن يقطع ذيل التمثال ذلك لأن كلب " السبيادز كان أجب الذيل .

١ : إن ألفا من الجنيهات ثمن باهظ . ومن يصدق أن ثمن كلب ميت يفوق ثمن أسد من الأحياء .

جونسون : إن الجنيهات الألف ليست ثمن تمثال الكلب ، وإنما هى ثمن البراعة في صنع ذلك التمثال ، وليس بالكثير ذلك قال الذي يدفع ثمنا لتحقيق ما كان يظنه المرء مستحيلا

وإذا نحن أجزلنا العطاء لذلك الرجل الذي يجعل واحدا من أعواد الثقاب يستقر فوق أرنبة أنفه ، أو لذلك الرجل الذي يستطيع أن يمتطي صهوات ثلاثة من الخيل في وقت معا أقول إننا بهذا العطاء الجزيل نعبر عن إعجابنا بالمهارة التي يبديها مثل ذينك الرجلين

بوزويل : ولكنا بعملنا هذا نشجع أولئك الذين يضيعون وقتهم وجهدهم فيما لا يجدي ولا يفيد .

ب : يرى بعض من رجحت عقولهم أنه لا يصح ذم الناس أو مدحهم إلا بعد التجربة . ولكن هناك حكاية تروى عن قاض من القضاة جاءوه مرة بواحد من الخدم

اتهمه سيده بأنه قد سرق منه بعض المال ، وثبت لدى القاضي من مناقشة المدعى والمدعى عليه أن ذلك السيد قد ألقى بالمال المسروق في طريق ذلك الخادم امتحانا لأمانته ، وعلى هذا حكم القاضي بإدانة السيد وبارساله إلى السجن . .

جونسون : إن مقاومة حوافز الغواية مرة ليست دليلا كافيا على الأمانة ، ولكي يحكم الناس على خادم من الخدم أنه أمين ، فلا بد له أن تستعصى نفسه على الغواية استعصاء لا يجعل مجالا للشك ، كأن يسهو سيده فيضع مالا فوق نافذة من النوافذ دون أن يعرف مقداره أو يتذكر مكانه . نقول إذا استعصى الخادم في هذه الحالة كان ذلك دليلا لا يرد على أمانته . أما تيسير سبل الإغراء وتمهيد طريق الغواية فجريمة ترتكب في حق من يتعرض لها . فإذا تولاه الضعف الإنساني كان من يسر له سبيل الإغراء شريكا له في الجريمة

ونحن نختتم هذا المقال بكتاب بعث به " جونسون " إلى " لورد شستر فيلد وقصة ذلك الخطاب أن " جونسون " قبل البدء في تحضير مواد قاموسه طلب إلى " لورد شستر فيلد " أن يشمله برعايته ، ولكن اللورد رده ردا غير جميل .

وجاء اللورد بعد سبع سنين ، وكان جونسون قد قارب النجح فأذاع في الناس أنه يسره  أن يتوج باسمه ذلك الكتاب .

وكان هذا هو الحافز لجونسون علي كتابة ذلك الخطاب الذي يعد  إعلانا لاستغلال الأدب الإنجليزى وتحرره من نبر الرعاية والحماية قال جونسون : -

سيدي اللورد :

لقد نبأني صاحب صحيفة " الدنيا ( أن المقالين اللذين ظهرا في تلك الصحيفة وفيهما تقديم قاموسى إلى الجمهور قد كتبتهما أنت يا صاحب الفخامة . وأن ألقى التمييز من خلقتكم - وأنا الذي ما تعودت أن أتلقى عوارف العظماء - لمنه لا استطيع أن أودي واجب الشكر عليها .

وانى  لأذكر أني زرت فخامتكم أول الأمر ، وكنت مأخوذا بسحر ما عرفه الناس عن فخامتكم من حسن اللقاء ولم أتمالك نفسي من أن أتمنى أن أنال شرف الفخار بولائي لكم وانتسابي إليكم ، ولكني لم ألق منكم إلا النظر الشزر ، وإلا التسويف والمطل . وقد أبت علي كرامتي ، بل أبت

على مذلتي أن أستنيم إلى هذا الضيم .

وإني لأذكر ايضا أني توجهت إلى فخامتكم خطاب مفتوح لجأت فيه بآمالي إلى كل ما أعرف من أساليب الإرضاء . فلم ألق إلا الإهمال وهو ما يأباه الحر الآبي مهما صغرت مكانته .

ولقد مضى علي سبع سنين منذ جثت إلى بينك فلم أظفر إلا بالإذن لي في الدخول إلى غرف انتظار الغرباء حينا وإلا بالطرد أحيانا . وكنت في ذلك الحين أعاني في إنجاز ما أخذت نفس بإنجازه صعابا وأهوالا " تجعل الولدان شيبا " وهي صعاب وأهوال لا فائدة اليوم من ترديد الشكوى من شدتها وقسوتها . فكيف تريدني فخامتكم

- وقد أصبح قاموسي يؤذن بالظهور دون أن أظفر بكلمة من كلمات التشجيع أو بابتسامة من ابتسامات الرضا أو بأي نوع من أنواع المساعدة - أن أقبل ما تعرضه اليوم علي . وكيف أقبل أمرا لم أكن أتوقعه ؟

وإنك لتعلم يا سيدي اللورد أن الراعي الذي ورد ذكره في شعر " فرجيل " قد عرف " والحب " بعد طول الطواف ، وهو قد ألقى ذلك الحب ساكنا من سكان الصخور

وكيف يكون راعيا للأدب يا صاحب الفخامة من ينظر إلى رجل يكافح الأمواج في سبيل الظفر بالحياة ثم لا يعينه . حتى إذا بلغ الشاطئ أغدق عليه فيضا من ألوان المعونة .

والرعاية التي تفضلتم فخامتكم فأردتم أن تضفوا ثوبها على ما قلت به من عمل كنت أتمني أن ألفاها مهللا ومكبرا ولكنها جاءت متأخرة فأصبحت لا أبالي بها . ذلك لأني لا أستطيع أن أفيد منها شيئا . وذلك لأني أصبحت بحمد الله رجلا مشهورا . فلا حاجة بي اليوم إلى تكاة أتوكا عليها . ولست أرغب في أن يعرف الناس عنى أني أصبحت في حمى راع من رعاة الأدب . وأنا الذي أمدتني القدرة الإلهية بالعون والتيسير

وإني لا زلت لفخامتكم الخادم المطيع سام جونسون .

اشترك في نشرتنا البريدية