في أوائل أيام الحرب الحالية عندما هبت فرنسا وانجلترا معا لمساعدة بولندا باعلانهما الحرب على المانيا ، صرح هتلر في خطبته الأولى أن لديه سلاحا سريا فتاكا سوف يستعمله جنوده في الوقت المناسب وفي المكان الذي يختاره ، وسيكون له عندئذ مكانته بين الاختراعات الحديثة . ولم تمض بضعة أسابيع على تلك الخطبة حتى ظهرت الألغام البحرية علي أنواعها ، وظهر معها الخطر الدائم الذي هدد طرق المواصلات على السفن الحربية والتجارية
ولقد قابلت الدول المتحالفة هذا السلاح بطرق مضادة فعالة قلت كثيرا من تأثيره ، وأبطلت في حالات عدة من مفعوله ؛ ومن بين هذه الطرق ظهرت كماسحات الألغام والطائرات ذات الأطواق المغناطيسية ) وسيأتي شرحها في مقالات اخرى إن شاء الله ( . وظن في ذلك الوقت أنه قضى نهائيا على السلاح السرى الألماني ، وأن أساليب الحرب الحالية سترجع إلي ما كانت عليه في الحرب العظمي الماضية . ولكن رجعت الدعاية الالمانية مرة ثانية وقالت إن السلاح الذي هدد ، هتلر لم يستعمل بعد ،
وإن الوقت المناسب لاستخدامه لم يأزف . . وأخيرا قرأنا في أحد البلاغات السوفيتية في الأسبوع الماضي أن الألمان أخذوا يستعملون في الميادين الروسية بعض المدافع الحديدة ، وان مفعولها شديد جدا وتأثيرها في غاية من القوة والبطش . فذكرنا هذا بمدافع برتا الهائلة التي كانت تستخدم في الحرب العظمي الماضية لصب نيران قنابلها على باريس وما جاورها من البلدان .
والمعتقد حتى الآن أن تلك المدافع المستعملة ضد روسيا هي بنفسها مدافع برنا بعد إدخال تحصينات عليها
مستمدة من تطورات علم الالات الحربية في ربع القرن الأخير ، ولا زال سر تركيب هذه المدافع ودقائق أجزائها مجهولا للحلفاء .
وأغلب الظن أن هذا النوع من المدافع هو سلاح ألمانيا السري الذي طالما تكلمت المانيا عنه وتوعد به هتلر اعداءه . وسيظل هذا مرجحا إلى أن تظهر لنا الأيام سلاحا آخر وقبل ان اشرح بعض خصائص هذا المدفع يحسن بي ان اذكر ان المعلومات التي سأدونها فيما يلى بمستقاة من تقرير الجنرال شياة General Chaliat وهو الرجل الفرنسي الوحيد الذي شاهد هذا المدفع الجبار عند ما أسر في الحرب الماضية .
أو لي هذا الضابط بمعلوماته عندما رجع إلي بلاده في أواخر عام ١٩١٨ إلى وزارة الحربية الفرنسية وتقريره هو الوحيد من نوعه في العالم فيما يتعلق بمدفع برنا ، عثرت عليه في مجلة فرنسية نشرته عام ١٩٣٨ . فاقتبست منه هذا المقال
استيقظ أهل باريس في صباح يوم ٢٣ من شهر مارس سنة ١٩١٨ مذعورين على اثر انفجار شديد من قنبلة كبير . كانت قد سقطت في اهم ميادينها ، اهتزت لها جدران المنازل وارتجت لها الأرض ، وسجل مرصد ليون في هذا الوقت بعض الاهتزازات . وكان الألمان لا يزالون في بلجيكا على بعد مائة وثلاثين كيلو مترا تقريبا من حدود العاصمة الفرنسية . لقد ظن الباريسيون في بادي الامر ان طائرة من طائرات الاعداء افلتت من بين نقط المراقبة الفرنسية وأغارت فجأة على العاصمة ثم قذفت ببضعة طور بيدات في وقت واحد وفي مكان واحد . ودوت في الحل صفارات الانذار وهرع الجمهور إلى المخابئ ، بينما كان الضرب لا يزال مستمرا ، ولم يك مع ذلك أثر لطائرة ما .
وعندما انتهي صوت القنابل في الساعة الثانية بعد الظهر
كان قد عرف أن هناك مدفعا هائلا على الحدود البلجيكية منحرفا مقدار ٦٢ ومصوبا نحو باريس يقذف المدينة ينيران قنابله . قال شايوه في تقريره : " . . وكان طول ماسورته أربعة وثلاثين مترا ، وقطرها مترا ، أما وزنه فسبعمائة وخمسون ألف كيلو جرام " ولكى نستطيع تصور مدى قذيفته نقول إنه إذا نصب احد هذه المدافع في دمنهور فان قنابله ستسقط في وسط مدينة القاهرة :
ولك تدرك مدى مفعول قنبلته نقول إنها تحتوي غرفتين بهما مائة وخمسون كيلوجراما من البارود ، وإنها مصنوعة بحيث تنفجر في كل أوضاع سقوطها ، فلا خوف هناك من عدم الانفجار واستحواذ العدو عليها واستفادته منها . أما ثمن تلك القنبلة فكان بلا ريب باهظا جدا ، إذ انه كان يعادل ما قيمته ثلاثة آلاف من الجنيهات المصرية على التقريب ؛
كان الألمان يتوهمون أنه بهذا المدفع وبأمثاله يمكن إحباط عزيمة فرنسا في الحرب ، وبث الرعب والفزع في قلوب الفرنسيين . ولكن كانت روح الشعب المعنوية في هذا الوقت قوية عظيمة ، وروح العداء نحو الالمان كبيرة إلي حد لا يزعزعها قنابل مدفع . فأخليت باريس او معظم مناطقها في الحال ، وهجرها سكانها إلي مدن فرنسا الجنوبية . وبقي على الجنود بعد ذلك معرفة موقع المدفع ، كي يتسنى ضربه وإبعاد خطره . فطارت الطائرات
ونشط الجواسيس ، وعلى ضوء الاستنتاجات الرياضية ، عرف موضعه على وجه التقريب . ولكن كان من العسير - بل قل من المستحيل - أن يحاصره جنود أو تقترب منه طائرة ، وذلك لشدة الاستحكامات حوله وقوة الدفاع عنه .
وفي عام ١٩٢١ وبعد انهاء الحرب بثلاث سنوات أعيد الكلام عن مدفع برتا . ولكن كان ذكره في تلك المرة من مصدر الماني عليم . فقد كتبت إحدي المجلات في
هذا الصدد تقول : " عندما تم تركيب هذا المدفع أطلق عليه اسم " مدفع باريس " Parise Jechiltz . وذلك للقصد الذي عمل من أجله .
" وكانت قذيفته ترتفع في الهواء مسافة أربعين ألف متر ، وتصيب هدفها بعد ثلاث دقائق ونصف دقيقة من ابتداء قذفها ، وقد انطلقت منه ثلاثمائة وعشرون قنبلة طوال مدة الحرب ، كان نصيب باريس منها مائة وثمانين .
" ويستغرق شحن المدفع زمنا يتراوح بين خمس عشرة دقيقة وعشرين دقيقة ، يتعاون في خلالها ستون جنديا . وقد اعطي الأمر بقذف أول قنبلة منه في الساعة السابعة والدقيقة التاسعة والثانية الخمسين ، من صباح يوم ٢٣ مارس سنة ١٩١٨ " .
أما باريس فقد عانت كثيرا من شظايا القنابل ، فسقطت منازلها وتعدد ضحايا اهلها ، وتهدمت آثارها ، ولم يبق منها سوي أكوام كانت فيما مضي قبلة السائحين ومحط الزائرين .
وكان آخر قذفاته في اليوم التاسع من شهر اغسطس عام ١٩١٨ . وبعد ذلك فكت أجزاؤه ونقلت إلي المانيا .
وقد حاول الجواسيس جهد طاقتهم في المدة التي انصرمت بين الحربين الماضية والحالية ، معرفة الشئ القليل أو الكثير عن هذا المدفع ، والمكان الذي صنع أو يصنع مثله فيه . ولكن ذهبت مجهوداتهم عبثا ، ولم يعثر له على أثر ! . .
