تأليف الدكتور أحمد أمين بك ٤٥٦ صفحة في جزأين - لجنة التأليف والترجمة والنشر
صناعة النقد الأدبي قديمة ، مادامت الأمة ذات حضارة ، وما دام الأدب وهو باب من أبواب الفنون عنوانا على حضارتها .
ونحن أمة تتكلم العربية ، وقد ورثنا حضارة العرب كما ورثنا حضارات أخرى ، إلا أن صورتها التي تكتسبها ، أو القالب الذي تقدم إلينا فيه هو اللغة العربية . ولذلك كان لابد للناقد الأدبي أن ينظر في هذا الثوب الذي ترتديه كلما شئنا أن نعبر عما يجول في أفئدتنا من خواطر
وهناك شعوب أخرى تتكلم بغير العربية ، ولها أيضا آداب ، وفيها أدباء يستجيبون للحياة ويشعرون بها ويعبرون
عنها بلسان قومهم . وقد افتتن المحدثون بالأدب الغربي ، وقرءوا ما كتب فيه خاصا بهذا الباب الجديد ، نعني النقد وأوله ، وأرادوا أن يطبقوا هذه الأصول على الأدب العربي . والكتاب الذي تقدمه اليوم إلى القراء يحاول هذه المحاولة ، أو على الأصح يريد أن يوفق بين النقد الأدبي عند الأفرنج وبين ما ورثناه عن العرب ، وذلك جعل الجزء الأول في أصول النقد ومبادئه ، والثاني في تاريخه عند الأفرنج والعرب .
نقول إن هذه الموازنة بين الأدب العربي والأدب الغربي ليست جديدة . فنحن نعرف أن الحضارة الإسلامية قد اتصلت بالثقافات الأجنبية منذ أواخر العصر الأموي
وأوائل العصر العباسي ، أى في عصر الترجمة ، ولم تكن آداب تلك الشعوب مجهولة من المسلمين فكان من الطبيعي أن يوازن العرب ، أو المتعربون الذين يتخذون اللغة العربية أداة للتعبير ، بين الأدب نثره وشعره عند العرب وعند الأجانب .
قال الجاحظ في كتاب له مفقود وحفظ بعضه الأمير نشوان الخميري صاحب كتاب " الحور العين " : " وقد سمعت للعجم كلاما حسنا وخطبا طوالا يسمونها اشعارا ؛ فأما أن يكون لهم شعر على أعاريض معلومة وأوزان معروفة إذا نقص منها حرف أوزاد حرف ، أو تحرك ساكن أوسكن متحرك ، كسره وغيره . فليس يوجد إلا للعرب خاصة دون غيرهم ، وليس في الأرض قوم أعني بذم جليل القبيح ودقيقة ، وعمد دقيق الحسن وجليله من العرب . . " ) ١ (
ولسنا ندري أكان الجاحظ يعرف اليونانية والرومانية أم لا يعرفهما ، أو أنه سمع للعجم مترجمات منقولة إلى العربية ولم يسمع هذا الكلام في أصله الأجنبي . والذي يهمنا هنا تلك الموازنة التى يعقدها بين الشعر العربي القائم على الأعاريض والأوزان ونظم الألفاظ ، وبين الشعر الأعجمي الذي لايخلو من الأوزان ولكنه لا يعنى هذه العناية الفائقة بالنظم المعروف .
جملة القول لكل لغة ذوقها وشخصيتها ومقوماتها مما لا يشاركها فيه لغة اخري إلا إذا كانت قريبة الشبه بها . وقد قطن إلى ذلك الدكتور أحمد أمين فقال إن الشعر مما يصعب نقله من لغة إلى أخري ، فإذا استطاع المترجم نقل المعاني عجز عن نقل الرونق أو الصورة الخارجية التي لا يكون الشعر شعرا إلا بها .
وينحو الأستاذ عباس محمود العقاد نحوا آخر في النقد . ذلك أنه هاجم شوقي هجوما عنيفا ، وبنى نقده له على عدة أصول ، أهمها أن قيمة الشعر يجب أن تكون عالية لاتختص بشعب دون شعب ولا بجيل دون آخر ، فإذا نقل شعر
شوقي إلى اللغات الأجنبية لم تثبت له منزلة ، لأنه يقوم على جرس الألفاظ لا على عمق المعاني . ويأخذ بهذا المذهب كثيرون ممن تثقفوا ثقافة غريبة وأعلوا من شأنها .
وهذا يدلك على اختلاف النقاد في التقدير ، وذهابهم مذاهب مختلفة ، وتباين الأصول التي يعولون عليها .
مهما يكن من شيء . فنحن في حاجة إلي كثير من المؤلفات في النقد الأدبي ، لأن تعددها يدفع أصحابها إلى تناول هذا الموضوع الشائك الشائق من زوايا مختلفة ، فيكتمل لنا بعد حين نظرية أو نظريات جديدة في هذه الصناعة .
وكتاب الدكتور أحمد أمين ثمرة دراسة ، وخلاصة تجربة طويلة ، فهو يقول في القدمة إنه اشتغل بتدريس البلاغة بكلية الآداب عام ١٩٢٦ وقد حضرت هذا الدرس عليه في ذلك الحين ، فاشتاق إلى معرفة ما يذهب إليه الإفريج في هذا الباب ، ثم اقترح فيما بعد أن يدرس علم النقد في الكلية فأصبح ذلك سنة جارية حتى الآن ، وألف فيه بعض الأساتذة مؤلفات قيمة .
ويمتاز الدكتور أحمد أمين في أدبه بعناصر ثلاثة : صدق الإحساس ، وشجاعة الرأي ، وبساطة التعبير . وأنت تعرف ولا ريب القول المعروف إن الأسلوب هو الرجل ، فلا غرابة أن يكون أسلوب صاحب الكتاب صورة من شخصيته . وعن الذين أخذنا عليه العلم ولا نزال نتصل به نعرف فيه هذه الخصال التي تنعكس في كتاباته وتبرز في أسلوبه وهى الصدق والشجاعة والبساطة .
وعلى الرغم من الدراسات الأجنبية التي اطلع عليها للؤلف خاصة بموضوع النقد الأدبي ، أو كما فصلها في أربعة عناصر هي : العاطفة والمعنى والأسلوب والخيال ، فإنه لا يزال كلما نزل إلى ميدان الأحكام الأدبية يأخذ " بالذوق العربي " الذي ورثه عن آبائه وأجداده جيلا بعد جيل ، والذي لا يزال محفوظا في التراث العربي الموجود بين أيدينا .
من ذلك أنه يعارض بشدة قضية " الفن للفن " وهى
قضية شائعة في الغرب منذ القرن التاسع عشر حتى الآن ؛ ولهذا السبب عمل المثال الأخلاقي شرطا من شروط الأدب الجيد ، كما كان يفعل القدماء من العرب حين ينشدون مغزي أخلاقيا أو حكمة جارية . فهو يذهب مذهب أفلاطون من اجتماع الحق والخير والجمال ، وهو إذ يفعل ذلك إنما يستجيب المبدأ الذي شرطه لكل أديب وهو الصدق ، ويعبر عن شعوره الخاص وعقيدته الشخصية .
وهو حين يوازن بين المعنى واللفظ أيهما أولى بالتقديم وأيهما أعلى منزلة في تقدير الآثار الأدبية ، يرجح جانب المعنى على اللفظ ، أو الفكرة على الأسلوب ، وقديما اختلف نقاد العرب في هذا الموضوع ، ولكن أغلبهم يميلون إلى ناحية اللفظ . فإذا كان الدكتور أحمد أمين يغلب المعنى والفكرة على الألفاظ والأساليب فإنما يفعل ذلك استجابة لطبعه ، فهو إلى المعنى أميل ، وأسلوبه لا يبدو فيه الاحتفال والأناقة ، ولعله يفعل ذلك قصدا ، أو كان يفعل ذلك عن عمد ، ثم أصبح الأداء البسيط من جملة طبعه أو أسلوبه والأسلوب هو الرجل .
وأحسب أنك سوف تختلف مع المؤلف في كثير من القضايا التى بسطها خلال الكتاب ، وهذا الخلاف في مثل الموضوع الذي يتناوله وهو النقد الأدبي أمر طبيعي ، لأن الآراء لم تجتمع فيه على مذهب مقرر لا في الشرقي ولا في الغرب ، وخير الكتب هي التي تثيرك وتدعوك إلى التفكير ، ولا بأس من العارضة في الرأي .
خذ مثلا هذه القضية ، وهي أن شعر الطبيعة قد يكون موضوعيا ، أو كما يقول ص ٨٦ : " وفي التناول الموضوعي يجب أن يخفى الشاعر نفسه تماما ويدع الطبيعة تتكلم عن نفسها ، فهي تتكلم عن نفسها ومخاطب الشاعر ، ولذلك يجب أن يكون الأسلوب مزيجا من العرض الصادق والوصف الصحيح ، وهذه قضية تحتاج إلى نظر ، لأن الطبيعة وما فيها من مشاهد لا تنطق ولا تتكلم ، ولا تصف نفسها ، وإنما مجن الذين ندرك هذه الظاهر فيخيل إلينا أن الزهر يبتسم ، وأن الشجر يتمايل وينثنى ، فكل وصاف للطبيعة إنما يصف انعكاس صورها في نفسه ، ولذلك قال جمهرة النقاد الغربيين إن الشعر لا يمكن إلا أن يكون " ذاتيا "
وعندنا أن كل شعر ذاتي ، ويتفاوت الشعراء في صدق التعبير عن شعورهم ، وجودة وصفهم لما يرون ، وتنزل درجة الشاعر كلما تكلف أو اتبع التقليد وآثر محاكاة أساليب غيره من الشعراء .
وقضية اخرى هي أيضا موضع نزاع شديد بين المفكرين والأدباء والنقاد ، تلك هي : ايخضع الأدب لغاية اخرى كالأخلاق والسياسة والدين . أم لا يخضع لغاية اخرى وهي القضية التي تقال عن الفن عامة : أهو للفن أم المجتمع ! ويرى الدكتور أحمد أمين أن " الأدب بشرح الحياة الإنسانية لا للسانها بل لغاية . وهذه الغاية هي ترقية المشاعر لا إضعافها ، فإذا هو حاول إفساد العواطف وإضعافها منعناه من ذلك " ص ٣٦ .
وبذهب جمهرة نقاد الغرب وأدبائهم ومفكريهم غير هذا المذهب في الوقت الحاضر ، ذلك أن الأدب عندهم يقصد لذاته ، وهو تعبير عما يجول في نفس صاحبه من مشاعر خيرة كانت أم شريرة .
ولا نستطيع أن تمضي في ذكر ما حال في خاطرنا من معارضة بعض المذاهب والآراء التي صادفناها في الكتاب ، وتحسب أنك حين تقرؤه ستجد فيه إلى جانب المتعة الفكرية أمورا تثير في نفسك كثيرا من الإيحاءات

