شاعت بين الكتاب في السنوات الأخيرة " مودة " أو "تقليد" أو "تقليعة" توقيع إنتاجهم الأدبي في الصحف والمجلات بأسماء أو حروف مستعارة . يقف القارئ قبالتها مثلما يقف العامة أمام الأحاحي والألغاز ! .
ولا يعدم المتنكرون في تبرير مسلكهم هذا من أسباب يلوذون بها كلا ضيق عليهم الخناق في هذا النطاق : فمن رغبة في التخلص من مواقف الخرج ويطلق عليها البعض تخاذلا ، أو التعبير عن آرائهم بنوع من الحرية وبنعته القوم جبنا ، أو إثارة القارئ . ويسمها الناس نوعا من الدعاية .
وتحقيقاً لهذه الغاية لا يخجل البعض من أن يتوارى في ظل اسم امرأة .
وفيا يلي نعرض ألواناً طريفة من هذا النوع من " التخفي " الذي صار "معروفا" ونبسط الأسباب التي حدث بهم إلى اختبار هذه الأسماء !
س.أ
منذ خمسة وعشرين عاما اعتاد الناس أن يقرأوا في جريدة " البلاغ " مقالات سياسية تتميز بأسلوب أدبي رائع
وتقوم على أفكار ناضجة ممضاة " س . أ " . وقد ندر أن عرف يومها أن صاحب هذه المقالات الدسمة هو الزعيم الخالد سعد زغلول .
ولم يشأ الزعم أن يعض " س . ز " أو "س" ، فحسب حتى لا يدل عليه أحد الإمضاءين واختار حرفي " س . أ " لأنهما الحرفان الأولان من اسمه واسم المغفور له والده إذ هو " سعد إبراهيم زغلول " .
أ . ص
وبتوقيع " أ . ص " نشرت جريدة الأهرام فصولا اقتصادية واجتماعية بليغة . ولكن هذا الرمز لم يحل دون أن يعرف معظم القراء أنها لدولة إسماعيل صدقي باشا . ولكن الذي لم يعرفه هؤلاء القراء أنفسهم أن الدافع الذي حمله على ذلك رغبته في التعبير عن بعض الآراء ، ووقوف عضويته في بعض الشركات الأجنبية بمصر حائلا دون ذلك .
الغزالي
أما الغزالي فهو التوقيع الذي تخيره الوزير الأديب
إبراهيم دسوقي أباظة باشا ليذيل به أعز ما انتج من قطع أدبية مصقولة طالما أغرم بها طلاب الإنشاء !
ع م
ومن التوقيعات التي أثارت حدس القراء وتكهناتهم ومنوا بالفشل المريع في كشف غموضها التوقيع "ع . م " الذي كان يختتم به الكاتب المجهول مقالاته التى اعتادت الأهرام أن تحلى بها جيدها منذ عام ١٩٣٥
ولم يكن التوقيع سببا في البحث عن صاحبها قدر ما كانت هذه المقالات تثير من ضجة وتخلق من توجيه . وبلغ من أمر المقتفين لأثارها أن أسندوا أمرها لرفعة على ماهر باشا ، ومن قائل إنها لزيد أو عمر من أساطير الساسة والكتاب . ولأول مرة يجمع الكل على الخطأ ، ولم يتبادر إلى ذهن واحد منهم أنها للأستاذ عباس الصفي مراسل الأهرام في الإسكندرية .
صريح
أما الأستاذ أحمد قاسم جودة فقد ظل يكتب في جريدة المصري في سنتى ١٩٣٨ و ١٩٣٩ مقالات سياسية بإمضاء " صريح" اختلف الناس في أمرها . . هل هي لنجيب الهلالي باشا أو المغفور له صبري أبو علم باشا أو لرجل من أعلام الوفد . وكان عذر الصحفى الناشئ انه موظف بالدرجة الثامنة في وزارة التجارة والصناعة .
ديك الجن
ولعل رمزا لم يأسر القراء قدر ما أسرهم هذا اللفظ . فقد ظل الكاتب يعافره في سلسلة مقالات أشبه بالمقامات بعنوان " مخالب القطط " . ومع هذا لم يستطع كثيرون أن يفطنوا إلى شخصيته ، إلى أن قدم صاحبها للنيابة ، فتقدم صاحب الدولة أحمد نجيب الهلالي باشا يقول : أنا لها ..
أبو يوسف
وقلائل من يعرفون أن سعادة الدكتور حامد زكي باشا اشتغل بالصحافة قبل أن يصير وزيرا ، وكان يوقع مقالاته بجريدة الصري بإمضاء " أبو يوسف " ومن الطريف انه أنجب بعد ذلك ولدا فأسماه " يوسف " .
مصمص
وقد اعتاد كاتب معروف تولى حينا رياسة تحرير مجلة الاثنين أن يوقع قصصه الفكهة بكلمة " مصمص " .
وعرف أن مصمص هذه ما هي إلا اصطلاح " كودى " لاسم مصطفى بك أمين أحد صاحبي دار أخبار اليوم .
السندباد البحري
وتخير مدير مكتب وزير المالية في أحد الأوقات لنفسه هذا التوقيع المستعار ليواصل نشاطه الصحفى في دار الهلال ، فكتب أقوانا من الطرائف . ونقل كثيرا العجائب من بلاد الغرب .
وظل أمر كاتبنا مجهولا حتى ترك مجلة آخر ساعة ، ونسى الأستاذ على أمين لقبه الذي كاد أن ينقرض .
هو ..ص ..
وفي المصري كانت تنشر " إبر النحل " بتوقيع " ص " ثم انتقلت إبر النحل إلى الأهرام وعرف القراء أن (ص) هو الأستاذ أحمد الصاوي محمد بك .
سان
ومن منا لم يقرأ ١+١ = ٢ في مجلة الاثنين ، ومن منا لم يتساءل أكثر من مرة عن " سان " هذا . أهو " سان فرنسكو أو "سان جوزيف" ولكنه " إحسان عبد القدوس " .
ومن الطريف أن تذكر أن السبب في اختيار زميلنا "إحسان" لهذا الاسم أن ابنه الطفل لا يستطيع أن ينطق اسمه إلا على هذا الوضع "سان" ...
رادميس
وهذا الرمز الغريب على السمع الثقيل في النطق كان التوقيع المحبب إلي الأستاذ سعد الكفراوي خليل المحرر الفني لجريدة البلاغ ، وقد جرى على أن يذيل به، تقدم وعرضه لشئون السينما والسرح في جريدة البلاغ . وذلك لكى لا يثير على نفسه حملة أصدقائه الذين يرشدهم إلى الصواب وألسنة أعدائه التي تجد مرعي طيبا في كتاباته . .
مي الصغيرة
من تكون مي الصغيرة ، أهي صبية حسناء ، أهي زوجة ، أهي أرملة ، تحول دونها التقاليد من الظهور باسمها سافرا .
لا هذا ولا ذاك . . وإنما هي الروائي المعروف الأستاذ إبراهيم الورداني . فقد بدأ حياته القصصية بنشر قصصه في آخر ساعة مذيلة بهذا الإمضاء ليلفت إليه نظر القراء .
فقد أصاب الهدف الذي ابتغاء لا لجودة قصته أو لحسن فكرته قدرما كان لإباحية تعبيره . هذه الإباحية التي لم يألفها الناس من رجل فكيف بها من امرأة!!
بنت الشاطئ
وهذا اللقب أصبح مشهورا لدرجة أن الناس لا يسألون عن الدكتورة عائشة عبد الرحمن حرم الأستاذ أمين الخولي بكلية الآداب ، مثلما يسألون عن ابنة الشاطئ ..
ويرجع اختيارها لهذا الرمز إلي غرامها بالشاطئ ، وتنكرها في هذا الاسم إلى أن والدها من رجال الدين ومن الصوفية المحافظين .
فتاة الجزيرة
وفتاة الجزيرة التي قرأنا لها كثيرا في مجلة الشئون الاجتماعية وسواها من المجلات هي الآنسة أمينة الصاوي كريمة فضيلة الشيخ مصطفي الصاوي الأستاذ بالأزهر ..
ولعل الذي حدا بها إلي إخفاء اسمها والتنكر في هذا الزى هو ما حدا يزميلتها السابقة .
بنت بطوطة
وتطالعنا بين الحين والحين مقالات تتناول ذكريات تاريخية وعسكرية أحيانا تنشر بالأهرام والمصري ومجلة الجيش ، تنفض الغبار عن ماضينا البهى وأحداثنا القومية ، مذيلة بعبارة " بنت بطوطة".
وهذه المقالات هي لسيدة كريمة من بيت أصيل ، تزيح لأول مرة الستار هن اسمها الذي ظل متواريا عدة سنين ، وهي صاحبة العظمة "عصمت حسن محسن باشا" وتقيم بعزبتها في " شبرا ريس " .
حصان . .
أما "حصان" ، فهو الاسم الذي اختارته السيدة إجلال حافظ لكاتب هذا المقال يوقع به مقالاته في مجلة البلبل .
(القاهرة)

