الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 174الرجوع إلى "الرسالة"

، الوطنية واستعباد الفكر

Share

خطب الدكتور جبلز وزير الدعاية الألمانية في معرض الكتب في مدينة فيمار، فأشار إلى مركز الكاتب بالأمس ومركزه اليوم في ألمانيا النازية، وشبه الكاتب بالجندي الذي لا يصح له أن يطلق الرصاص إلا متى أمر وحيث أمر، فكذلك الكاتب يجب أن يكون جندياً من جنود الوطن لا يكتب إلا فيما اتفق مع مثل الوطن وغاياته؛ ويجب أن تحد حرية القلم بالحدود التي يتطلبها الوطن وألا يتخذ الكاتب من   (فرديته)  وحريته الفكرية سبيلاً إلى التصريح بما يخرج عن المثل القومية.

 والدكتور جبلز هو أوفر العصبة النازية ثقافة، وربما كان أشدهم شعوراً بما انتهت إليه الحركة الفكرية والثقافية في ألمانيا النازية من التدهور، ولذا نراه ينتهز كل فرصة للدفاع عن السياسة النازية في تصفية الذهن والقلم؛ بيد أن الدكتور جبلز يدافع عن قضية لا يمكن الدفاع عنها؛ فالفردية وحرية الفكر هما أساس المدنية؛ والفردية معناها الكرامة الإنسانية، وحرية الرأي هي أسمى ما يتمتع به الفرد في أمة متمدنة، ويكفي أن تعرف أن الصحافة الألمانية انتهت في عهد النازي، وبفضل القوانين الحديدية التي

 يسهر على تنفيذها الدكتور جبلز إلى حالة تدعو إلى الرثاء، وقد اختفت الصحف الكبرى الصحافة الألمانية، وأضحى الألماني يرغب عن قراءة الصحف الألمانية، ويؤثر قراءة الصحف الأجنبية، ولم تظهر في الأعوام الثلاثة الأخيرة عبقرية فنية ذات شأن أو أي إنتاج أدبي يلفت النظر، ولا يمكن أن تظهر في ظل هذا النظام الحديدي الذي يجعل من القلم أداة مصفدة توجهها السلطات حيث شاءت. ومما يدعو إلى التأمل أن الدكتور جبلز يلقي خطابه في استعباد حرية الذهن في فيمار حيثما سطعت أعظم عبقرية أدبية ألمانية في ظل الحرية ونعني جيته.

اشترك في نشرتنا البريدية