الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 736الرجوع إلى "الرسالة"

(أدب العروبة في الميزان)،

Share

ما حق الأدب على الدولة؟ وما ينبغي أن تقوم الدولة به  للأدب من نصر ومعونة وتأييد؟ ذلك هو السؤال الذي نبدأ به  كلامنا عن   (أدب العروبة)  الذي أخرجته للناس جماعة   (أدباء  العروبة)  التي تنعقد رياستها للوزير الأديب الشاعر الأستاذ إبراهيم  دسوقي أباظة باشا.

نحسب أنه قد مضى الزمن الذي كان الأدب فيه في نظر  البعض نافلة لا ضرورة إليها، وترفاً لا تدعو إليه حاجة، وأبهة  وبلهنية يزجي بهما الفراغ!

نعم، عرفت الدول وعرف الناس أن الأدب لسان الكون  وتعبيره، وترجمانه وتفسيره، وأن الناس شعروا قبل أن يتكلموا،  وتغنوا قبل أن ينطقوا!

وعرفت الدول وعرف الناس أن الحياة لن تكون - إن  هي خلت من الأدب - إلا بيداء مجهل، وصحراء لافحة، وجحيماً  لا ظل فيه ولا ماء!

عرفت الدول وعرف الناس ذلك وصار الكلام فيه معاداً  مكرراً فهل أدت الدولة ما لهذا الأدب من حق؟ وهل قامت بما  ينبغي له من واجب؟

عندما نهض الوزير الأديب الأستاذ إبراهيم دسوقي أباظة باشا  بإنشاء هذه الجماعة العاملة ورعايتها - ولأول مرة فيما أعلم ينهض  وزير قائم في الحكم برياسة جماعة أدبية - شاعت حولها  الشائعات، وكثرت التخرصات والتقولات، وقالوا: وزير  يستخدم مرافق الدولة ويستغل منشآتها لمنفعة جماعة هو رئيسها!

وقالوا: لقد انتفعت هذه الجماعة بسبل المواصلات يستعملها  أفرادها بغير الجعل المقرر والأجر المرسوم!

وقالوا لقد أضفى الوزير على أفرادها الفراغ الشامل والتحلل  الكامل من واجب   (الوظيفة) ، وآثرهم بالدرجات والعلاوات  ينعمون بها ويرفلون في واسع رزقها! وقالوا انتفعت بالإذاعة  تسير معها حيث تسير، وتمضي معها أنى تمضي!

وأنا أفترض أن كل ذلك قد وقع، بل قد وقع في صورة  كريمة مسرفة، وأتساءل بعد ذلك: هل أدت الدولة ما للأدب  عليها من حق؟ وهل قامت الدولة بما ينبغي أن تقوم به له من  نصر ومعونة وتأييد! والجواب الذي لا جواب سواه عندي هو    

(لا) . . . ذلك أن للأدب على الدولة حقاً أخطر من هذا كله،  وأجل من ذلك كله. . . إن على الدولة أن تعين الأدباء بالمال  تعفيهم به من تكاليف العيش وضرورات الحياة ليفرغوا للأدب  وللفن. . . وإن على الدولة أن تريح الأدباء (الموظفين)  من أعباء  وظائفهم الثقيلة التي تقتطع أعمارهم وتقتل مواهبهم وتميت  أرواحهم، أو على الأقل أن تجعلهم فيما ينبغي لهم من أعمال  تتفق وميولهم وتمكنهم من الإنتاج الأدبي النافع، فلا يعيش  الأستاذ مصطفى صادق الرافعي حياته في زاوية من زوايا محكمة  طنطا! ولا يقضي الأستاذ محمود عماد عمره في ركن منزو من  أركان وزارة الأوقاف!

وإن على الدولة أن تبتاع ما ينتج الأدباء من مؤلفات بأثمان  طيبة كريمة وتنشرها على الناس غذاء لأرواحهم  وعقولهم فترفع  بذلك الذوق العام، وتربي ملكة تذوق الفن الرفيع بين أفراد  الشعب، وتباعد بينهم وبين الأدب الرخيص المائع الذي يسري  في نفوسهم سماً وميوعة وانحلالاً. .

وإن على الدولة أن تيسر للأدباء سبل الانتقال لا في أرجاء  بلادهم فقط بل غي البلاد الأخرى وبخاصة البلاد العربية الشقيقة  ليستزيدوا من أدبها ويتعرفوا إلى إخوانهم الأدباء فيها ليكونوا  سفراء الفن والحق والجمال إلى أبنائها. . .

إن على الدولة للأدب أن تفعل له هذا وأكثر من هذا، وإن  الأدباء لحرّيون منها بالعناية والرعاية والالتفات، فإذا نهض  وزير أديب يعرف حقوق الأدب ببعض هذا الذي يجب على الدولة  أن تنهض به، صاح به الصائحون من كل جانب، ورفعوا عقائرهم  يضجون بالشكوى من المال المضيع، والاستغلال القبيح، والظلم الفادح!

إن هذا الوزير الأديب نهض كريماً مشكوراً يؤلف جماعة  منهاجها (أن تعمل على نهضة الأدب بإيقاظ الذهن العربي  وحسن توجيهه لأبعد آفاق المجد والسؤدد وتشجيع نوابغ  المفكرين النابهين من رجال القلم، وتجد في توثيق الأواصر بين  الأدباء في مصر ثم توثيقها بينهم وبين أدباء العالم العربي والجامعة  لا تحتكر الأدب العربي بل هي تغتبط وتبتهج بكل من يدعون  للنهوض به أفراداً كانوا أو جماعات وتمد يدها مخلصة لكل جمعية  تنحو نحوها وتسير على نهجها بعيدة عن السياسة والحربية  بعدها عن الأغراض الذاتية، وجمع حوله طائفة من كرام  

الأدباء والشعراء لهم نشاط ملحوظ وآثار عديدة ومشاركة خصبة  في الأدب والفن؛ وأقاموا عدة مهرجانات أدبية لمناسبات قومية  ووطنية وأدبية صرخ فيها شعراؤهم، وخطب فيها خطباؤهم.  فاستوى ذلك كله كتاباً سموه   (أدب العروبة)  كان مجموع  نتاجهم في عام!

هذا الكتاب هو ما نقدم للحديث عنه بهذا الكلام،  ونحن - في كلمات متعاقبة - عارضون هذا الكتاب عرضاً  عادلاً منزهاً عن الهوى، ناقدون ما احتواه نقداً مبرأً من الغرض  ودخائل النفوس، لنجلو للناس بذلك آثار أول جماعة أدبية في  مصر يرأسها وزير قائم، وأديب حاكم، لم تشغله حكومته  الالتفات الكريم إلى الأدب والأدباء.

اشترك في نشرتنا البريدية