الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 402الرجوع إلى "الثقافة"

أسبوع الاحتفال لمرور سنة من اعلان قيام :, الجمهورية الأندونيسية، -2-

Share

- تسرب الحضارة الهندية إلى أندونيسيا :

تكلمنا في العدد ٣٩٩ من انتشار الديانة البراهمية في إندونيسيا وعن فوائدها العظيمة التي جناها الإندونيسيون القدماء ، إذ كانت قوة الإيمان ورسوخ العقيدة وروح التطاحن بين الطبقات التي تمرستها تلك الديانة في نفوس الإندونيسيين - كل ذلك أدي إلى تقدمهم في الحضارة ، تلك الحضارة التي تعجب بها إعجابنا بتلك الآثار القديمة الموجودة الآن في جاوة وبالي وسومطرة ، مثل معابد مندوت و بورو بودور" وفرامباهن وغيرها من الآثار الخالدة .

التي تناوى آثار مصر الفرعونية من ناحية جمالها وروعتها .

وعندما أشرفت نجوم تلك الحضارة على الأقول جاءت الديانة البوذية ، وبالأحري تلك التعاليم والفلسفة الاجتماعية البوذية التي ارتقت وبلغت مرتبة الدين ، أتت بفكرة جديدة في الحياة ، وجاءت بإصلاحات كثيرة واسعة النطاق في المجتمع ، بل إنها جاءت بالمباديء التي تشبه أو تقرب من المبادىء الديمقراطية الحديثة ، إذ أنها ترمي إلى غرس بدور العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع ، ويدعو إلى محو الفوارق بين الطبقات وإلى إلغاء الطبقات نفسها .

وترجع سرعة انتشار هذه الديانة في إندونيسيا إلى أن عامة الشعب الإندونيسي في ذلك الوقت كانوا يعيشون تحت كابوس الاستبداد والاستغلال من قبل الطبقات العليا ، ويعانون الفقر والجهل والمرض ، فوجدوا في الديانة البوذية منفذا للتخلص من سيطرة الطبقات العليا عليهم ،

ومجالا واسعا لتحسين حالتهم الاجتماعية والمادية ، إذ أن من أهم تعاليم الديانة البوذية هو كما قلنا محو الفوارق بين طبقات المجتمع وتحقيق المساواة بين أفراده .

ومن ناحية أخري فإن الروح الوطنية بدأت تنمو منذ ذلك الوقت في نفوس الإندونيسيين ؛ وذلك لأن الهنود الذين هاجروا إلى إندونيسيا كانوا من طبقة ويشا أي الطبقة الثالثة في ترتيب الطبقات عند البراهميين ، لأنهم كانوا تجارا وأصحاب حرف ، فلما وصلوا إلى إندونيسيا بذلوا أقصى جهودهم في تحسين حالتهم المادية وفي ترقية مركزهم الاجتماعي ، فكانوا يحاولون دائما أن يرتقوا إلي الطبقة الثانية أو الأولى ، وهما طبقة " كسانريا " وطبقة البراهمانا " ولا سبيل إلى ذلك إلا بالاستيلاء على الحكم وعلى أمور الدين ؛ فأصبحوا فعلا جنودا وحكاما ، كما أصبح بعضهم رجال دين ورهبانا ، وبذلك ارتقوا من الطبقة الثالثة التي كانوا فيها إلى الطبقة الثانية أو الأولى ، وأصبح الأهالي في نظرهم من الطبقة الدنيا ، وأخذوا يبسطون نفوذهم وسلطتهم عليهم حتى لم تمض مدة إلا وقد استطاعوا أن يستعبدوهم

والأهالي يشعرون بالكراهية نحو هؤلاء الحكام الأجانب الذين يعتبرون أنفسهم من الطبقات العليا ويعتبرونهم من الطبقة الدنيا . فلما جاءت إليهم الديانة البوذية التي تدعو إلى المساواة وجدوا فيها مخرجا للتخلص من استغلال الأجانب واستعبادهم ، فكأن الديانة البوذية قد أيقظت في نفوس الأهالي الوعي القومي وأشعلت فيهم الروح الوطنية التي تدعوهم إلى التعاون والإتحاد فيما بينهم .

وبعد انتشار الديانة البوذبة في إندونيسيا واشتمال الروح الوطنية عند الأهالي نشبت المعارك بينهم وبين هؤلاء الحكام الأجانب ، وكان النصر في تلك المعارك حليف الأهالي ، وبموكب ذلك النصر أسموا ممالكهم

الإندونيسية القديمة التي أندمجت أخيرا في " إمبراطورية سري وميجانا .

هذه الإمبراطورية الإندونيسية التي وحدت جزائر إندونيسيا تحت حكم واحد قد تأسست في أوائل القرن الخامس الميلادي وعاشت ترفرف رايتها فوق تلك الجزائر مدة طويلة تقرب من ألف سنة .

٣ - تسرب الحضارة الفارسية إلى اندونيسيا :

إن الحضارة الفارسية التي قامت وازدهرت في بلاد الفرس قبل ظهور الإسلام قد تسربت كذلك إلى إندونيسيا ، وذلك عن طريق تجار الفرس الذين أتوا إلى إندونيسيا منذ القرن الثامن ؛ وقد تركت تلك الحضارة بعض الاثار في حياة الإندونيسيين ، وبالأخص في اللغة وفي أسماء العائلات والأدوية والعقاقير وفي غيرها .

٤ - المقومات الداخلية للجمهورية الاندونيسية العتيقة :

قبل أن أتكلم عن مجيء الحضارة الإسلامية والأوربية إلى إندونيسيا أرى من الضروري أن ألخص مقومات الجمهورية الإندونيسية الداخلية ، أعني بها تلك المقومات التي نشأت في إندونيسيا قبل أن تتأثر بتلك الحضارات التي جاءت من خارجها .

فالحضارات التي تأتي من خارج البلاد مهما بلغت مميزاتها وقوتها لا يمكن أن تنمو وتنتشر في أي بلد إلا إذا كان المجتمع فيه صالحا لها ومستعدا لقبولها ، وتلك الحضارات التي قدر لها أن تنمو وتنتشر فيه لا يمكن أن تصطبغ بالصبغة الوطنية أو الأهلية إلا إذا كان للأهالي حضارة أصيلة أقوى من الحضارة التي تأتي إليهم حتى تذوب هذه الأخيرة في الحضارة الأصيلة وتندمج فيها .

وإذا كان الأمر بالعكس بحيث كانت الحضارة الآتية من الخارج أقوى مما في داخل البلاد ، فلابد أن تكون النتيجة من دخولها فيها خطرا على حضارة تلك البلاد

الأصيلة ، بل خطرا على كيانها كدولة أو كأمة ، إذ أن تلك الحضارة الأجنبية في هذه الحالة لابد أن تطبع الحضارة الأهلية بطابعها وتضغى عليها صفائها ومميزاتها حتى تدمجها في نفسها ويمحو بذلك معالم تلك البلاد كدولة مستقلة ، وتذهب مظاهر هؤلاء الأهالي كأمة قائمة بذائها ، وعلى هذه الحقائق ندرك خطر تلك السياسة الاستعمارية التي تلجأ إليها بعض الدول الكبرى الاستعمارية في عصرنا الحاضر ، ألا وهي سياسة التدميج أو الاندماج assimilation

كان في إندونيسيا قبل مجيء الحضارات التي ذكرناها والتي سنذ كرها بعد هذا ، حضارة قد استطاعت هضم الحضارات الآنية إليها حتى أذابتها وصبغتها بصبغتها الإندونيسية ؛ فمثل الحضارات بالنسبة لأمة أو لشعب ما كمثل الأطعمة بالنسبة للجسم ، فالأطعمة تغذي الجسم وتذوب فيه وتتدمج في خلاياه ، والأمة التي لا تستطيع هضم الحضارات التي تأتي إليها تضعف شيئا فشيئا ثم يموت وتمحى من الوجود .

فالأمة الإندونيسية تحتفظ بحضارتها التي تتغذي بالحضارات الآتية إليها . ولهذه الحضارة الإندونيسية القديمة مظاهر كثيرة ومعالم ملموسة واضحة :

( ا ) التقاليد والعادات في مملكة آتشية بشمال سومطرة .

تلك التقاليد والعادات ( أو قانون العادة كما يسميه الآتشيون ) هي التي كانت ولا ترال تتحكم في حياتهم الاجتماعية والسياسية والقضائية ، وليس ذلك لتعصيهم لها ، وإنما اصلاحية تلك التقاليد ولمتانة تلك العادات ولملاءمتها مع مرور الزمان .

فهذه العادات والتقاليد مرآة تظهر فيها حضارة تلك البلاد وينعكس منها نور تلك الحضارة ، فلولا حضارة هؤلاء الآتشيين القدماء ومدنيهم وفهمهم لمعنى الحياة ما استطاعوا ابتداع مثل هذه العادات المتينة ومثل تلك

التقاليد القومية ، ولا استطاعوا تكوين مثل هذه الأوضاع السياسية والاجتماعية التي قامت على أساسها مملكة قوية وهي مملكة آتتشية التd قاومت الغزاة الهولنديين الاستعماريين مدة إحدى وثلاثين سنة ، إذ دارت رحي الحرب بينهما عن سنة ١٨٧٣ إلى سنة ١٩٠٤ .

( ب ) القانون الدستوري السرمدي في مملكة ميتناكو " في سومطرة الوسطى :

وبحسب تقسيم القوانين إلى المسنونة وغير المسنونة نجد أن هذا القانون الدستوري - لمملكة ميتناكو القديمة - الذي لا يزال يعمل به إلى الآن من القوانين غير المسنونة ، إذ أنه ليس من تسنين السلطة التشريعية أو الجبهة الوطنية ، وإنما هو كان ينمو تدريجا ويسري على المجتمع أو المجتمع هو الذي يسير عليه ، وفيه نصوص وقواعد نظامية بعضها خاص بنظام الدولة وباختصاصات الحكام والأخرى تنظم المسائل المدنية والاجتماعية .

وبفضل هذا الدستور السرمدي كان نظام الحكم في مملكة ميتناكو إن لم يكن ديمقراطيا بمعناه المفهوم الآن القائل بأن الحكم لابد أن يكون بإرادة الأمة عن طريق مباشر أو عن طريق النيابة ، فإنه يقوم على أساس الشورى ، إذ كان لكل بلد من بلدان تلك المملكة دار خاصة يجتمع فيها كلما اقتضى الأمر نواب سكان هذا البلد الذين نالوا النيابة عن طريق الوراثة .

وقد قال الأستاذ صالح جودت في كتابه " الملايو " : " وكان بجزيرة سومطرة مملكة اسمها " ميتناكو عاصمتها " فانجر روبونج " وكانت لهم قوانين لا يزالون متمسكين بها وفي شرائعهم قواعد نظامية يستطيعون بها مراقبة تصرفات رؤسائهم " .

فنظم هذه المملكة وأوضاعها السياسية والاجتماعية التي كانت ولا تزال تسير طبقا لهذا القانون الدستوري ، وبعبارة أخرى : إن تلك النظم السياسية والاجتماعية التي تنمي

وتهذب هذا القانون وتحافظ عليه كانت ديمقراطية وأريستقراطية في آن واحد ؛ فهي ديمقراطية من ناحية اشتراك الأمة في الحكم عن طريق النيابة ، وهي أريستقراطية من ناحية كيفية انتخاب هؤلاء النواب ، إذ أن الحكم فيها يقوم على أساس الشورى بين نواب الأمة المنتخبين عن طريق التفوق في الإدراك والعرفان لا التفوق في الملكية والثروة .

ومما يدعونا إلى الإعجاب بهذا القانون هو مرونته حيث إنه يلائم كل عصر وكل مكان من المجتمع الإندونيسي فسكان القضاة والحكام - ولا يزالون إلى اليوم يفسرون هذا القانون ويطبقونه على المسائل المطروحة أمامهم بحسب فهمهم وإدراكهم لروح هذا القانون ، لأنهم يرون أن العبرة في القانون بروحه لا ينصه وحرفيته .

وقد أصبح هذا القانون بسبب مرونته منبع الحضارة الفكرية ومعقل حرية التفكير ، لأن مرونته تفتح مجالا واسعا للأهالي في أن يتقبلوا الأفكار والتعاليم الجديدة التي قد تظهر في المجتمع أو تأتي من الخارج ، ثم إذا اتضحت لهم صلاحيتها وملاءمتها لظروفهم يتخذونها ويطبقونها في حياتهم بدون أن يخشوا تعارضها مع ذلك القانون ، لأنه - كما قلنا آنفا - روح القوانين والنظم ، فالروح تتفق غالبا أو دائما مع ما يرجى منه الفائدة ولا يخشى أن يكون فيه ضرر .

وهذا القانون رغم تغلغل الشريعة الإسلامية في إندونيسيا ورغم تسلط القوانين الهولندية فيها مدة طويلة فإنه باق لا يزال يعمل به ، بل وقد تقدم وارتقى بتقدم المجتمع ورقيه أو المجتمع هو الذي ارتقى به ؛ فلا مجب إذا أن يعجب به الجميع ، بل قد يرى من يشعر بواجب الخدمة للعلم والمجتمع أن هذا القانون السرمدي الذي اتضحت لنا صلاحيته كأساس لتقدم المجتمع ولرقي الأمة ، يستحق بحثا دقيقا مستقلا .

وإن هذا الدستور السرمدي لعامل من العوامل الهامة التي أدت إلى تقدم اللغة الملايوية وهي لغة سكان " مينكابو وقد أصبحت هذه اللغة منذ مائة سنة لغة الكتابة والخطابة والتخاطب الرسمية في أنحاء جزائر إندونيسيا وبانتشار هذه اللغة التي أصبحت اللغة الإندونيسية الرسمية انتشر معها ذلك القانون السرمدي الأساسي ، بل قد اندمج في آداب هذه اللغة وفي ثقافتها . وإن كان قد حدث بعض تغيير في شكل هذا القانون فإن روحه لا تزال باقية تجري في شرايين نظام المجتمع الحالي ، وجوهره لا يزال يتغلغل في نفوس الأهالي ويتحكم في أحاديثهم وحركاتهم ، وينظم معاملاتهم الاجتماعية والمدنية .

فلا غرابة إذا أن يكون هذا القانون الدستوري السرمدي أحد مقومات هذه الجمهورية الإندونيسية الفتية .

اشترك في نشرتنا البريدية