ذهبت باكراً إلى عملى بعد غياب قصير ، فحملوا إلي البريد ، فتناولت أخفه ، فقضيت منه حاجة . ودعاني داعى المعمل فصرفني عن أثقله . فلما نالت الأنابيب والموازين من يدي ما نالت ، وأكد المجهر بصري حتى أعجزه، وشاع التعب في أرجل طال بها القيام إلي المناضد ، آويت إلي مكتب أستريح واستروح . وعدت إلي ما بقي من البريد ، فأخذ بصري منه كتيب أبيض الغلاف ، لا يقطع بياضه إلا غصن عليه أخضر . ونظرت في أسفل الغصن ، فوجدت اسم الكتاب ، أخضر أيضا : " أنات حائرة " . ونظرت إلي اعلي الغصن فوجدت اسم صاحب الكتاب ، أخضر أيضا ، فلم يحمل إلي معني إلا أنه لا بد أن يكون شابا ، في أيام صباه الأولى ، وإلا أنه من أسرة كريمة معروفة . ولاحظت أن الخضرة التي بها اسم الكتاب واسم صاحبه ، خضرة باهتة مستحيية لا تكاد تبين إلى جانب خضرة الغصن البارزة الجريئة ، فأحسست كأن صاحب الكتاب يريد أن يتواري ، ولكنه لم يكد.
وفتحت الكتاب في تهاون واسترخاء، وفتحته حيث ما اتفق . فقرأت كلمة كتبها صاحب الكتاب لكبري بنتيه :
إسألي ربك يلهمك مع الصبر هداك
واثبتي للخطب واستعلي عليه بصباك
واذكرى أمك وابكيها ومن يبكي سواك ؟
واحملي عبء أشقاك ولا تنسى أباك
إذن ليس هذا بشاعر حدث ، وليس هذا بشعر حديث ركيك . فالشعر الحديث أكثره لا طعم له ، فلا
هو بالحلو ولا هو بالمر ، وإنما هو شيء كبول البهائم ، إن كنت ذقته .
وأخذت أقرأ كلمة كتبها لولده :
قد شهدنا الخطب لما وقعا ورأينا البيت حين انصدعا
فتبادلنا أنينا والها ذابت الأنفس فيه قطعا
وتولانا وجوم ذاهل حبس الدمع و أجرى الهلعا
وأفقنا فإذا نعمتنا لم تكن إلا سرابا لمعا
ذقت في سنك ما قد ذقته فحملنا اليتم طفلين معا
لذت بالصير فلذ أنت به و تماسك رب صبر نفعا
واقطع العمر إذا اسطعمت رضا
وابتساما قبل أن ينقطعا
دات الدنيا ورفت ودنت لفتى كافح فيها وسعى
فهذا الشعر من ذاك ، كلاهما ينطوي علي فجيعة مرة. والشاعر لابد رجل ناضح له ابن وبنتان . وأخذت أقرأ:
فقدتها خلة للنفس كافية
تكاد تغني غناء الماء والزاد
وموئلا أجد الأمن الكريم به
إذا تعاورني بالبغي حسادي
تحنو علىً وترعاني وتبسط لي
في غمرة الرأي رأي الناصح الهادي
مال الزمان بنا لما أحيط بها
في ساعة لا فدي بغني ولا فادي
وكل عمر فمصروف إلي أجل
وكل أنس فمردود لميعاد
فهذا لفظ جميل رفيع ، يحمل عاطفة جميلة رفيعة ،
لا أدري أيهما أجمل وأسمى . والفقيدة لاشك عزيزة
كريمة . وأخذت أقرأ :
تمثلتها منضورة الحسن طفلة
يضئ الدجا منها جبين ومبسم
وطاويـة عهد الدراسة كاعباً تروعك منها نضرة وتوسم
وتجلوة للعرس وضاءة السني
تأود في وشي الشباب وتنعم
وجامعة في بيتها شمل بيتها توسطهم كالبدر حفته أنجم
فمحمولة منه إلي ساح مفضل يقيل ويعفو عن كثير ويرحم
وقفت أناديها وأهتف باسمها
وألحف حتى أوشكت تتكلم وقلت لها يا " زين " ما من فجيعة تعاظمني إلا وفقدك أعظم عليك سلام الله يا " أم واثق " ووالاك من جدواه هتان يئجم
سيبكيك لا يقني دموعا ولا دما
مدي العمر مقروح الجوانح أيم
أترى هذا القول قمينا بزوج فجيع ، أم هو أقمن بمحب ملتاع ؛ وتراه في مبناه ومعناه ، قولا حقيقاً جديراً بهذا الزمان ، أم هو بزمان كريم مضي أحق وأجدر !
وأخذت أقرأ في هذا الكتيب الصغير وأقرأ ، ساعة من الزمان ، حسبت فيها أنى أقرأ للخنساء - لوعة مشبوبة وحزن ملح .
ويذهب إلي " ميت غمر " فيقف فيها وقفة تحرك فيه الذكريات ، وترجع له أطياف ما مضي من أيام :
أيام تمرح في صبا وصبابة موصولة الصــــــــــــــــــــــــبـــوات والأيام
إلفان مؤتلفان نامت عنهما غير الزمان وهن غير نيام
طوفت بالبيت الحزين مسلما فبكى وأوشك أن يرد سلامي
وجعلت أسأله وأسأل أهله يجدي سؤالي أو يفيد كلامي
أعرفتني يا دار أم أنكرتني نهب الأسى والبث والآلام
كنا وكنت لما مهاد رفاعة ومراح خالصة وعش غرام
وضممتنا نصفين حين توافقا حمدا السرى وعواقب الأيام
يا دار قد مال الزمان بأنسنا وهوي بمونق شملنا الملتام
يا أخت آمال الصبا ومراحه والضاحك النشوان من أحلاي
إن تبعدي فأنا المقيمة لوعتي ومودتي حتى يحين حمامى
أقسمت لا آوي لغيرك خلة عهدي إليك علي المدي وذمامي
ثم هو يصف ساعة الهول ، فيقول :
قلت هذا صدري تعالي إليه رب صدر حان عليك شفيق
طالعتني بنظرة تجمع العطف (م) إلي الود والوفاء العميق
في طوايا صفائها الشكر لله (م) وتصديق وعده المصدوق
خصها الله بامتحان غليظ حملته حمل الشكور المطيق
دفعت صدرها إلي وألقت رأسها عند موجع ذي خفوق
ثم قالت في أنة وأناة أزفت ساعة الفراق السحيق
لا ترع واحمل الفجيعة جلدا لست للضعفدونها بخليق
وأشارت لطفلة تشهد الهول (م) بقلب دام وجفن غريق
قالت ارع الأولاد وابق كما كنت (م)
مثال الأب المحب الرفيق
ومضت تنزع الحياة وتلقى
في زفير أعباءها وشهيق
في سني لامح وعرف ذكي
وابتسام عذب ووجه طليق
لو تراها تقول قدستها البهر (م) فآوت إلي سبات عميق
ووقفنا مروعين نحيل الطرف
بين التكذب والتصديق
ثم عدنا للحق عافين صرعي
من صفيق يهدى وغير مفيق
ومضيت ، تدفعني القراءة إلي القراءة ، حتى أتيت إلي مقطوعات أسماها الذكريات ، لم أجد أقوي في تحريك القلوب منها . وأريد أن أقتبس منها فلا أدري ما آخذ وما أدع :
يذكرنيك كل جليل أمر وكل يسيره فتذوب نفسى
إذا سكب الصباح فأنت همي وإن وقب المساء فأنت أنسي
جمعت على الهوي طرفي نهاري كأني لم أرع بسواك أمسي
رعاك الله ما فارقت روحي وإن فارقت بعض الوقت حسي
٠٠٠
ذكرت القصر ذا الآبهاء تعلو قواعده على كرم وترسي
يزف رفاغة وسني وبشرا كما زفت عروس يوم عرس
ويمرح أهله في ظل سرو وشمل غير منتعب وأنس
فما زالت صروف الدهر تجري بمكروه من الأقدار نحس
فمالوا كالنجوم الزهر خمساً وما كانوا وحقك غير خمس (1)
حملت مصيرهم ففنيت حزنا فرحت شهيدة تفديك نفسى
أفلا يذكرك هذا الجرس ، بجرس البحتري في سينيته الشهيرة ، على اختلاف البحر واتحاد القافيه ! ثم يقوم هو وبنوه إلي المائدة ، فتمتليء المقاعد إلامقعداً واحداً ، فيقول :
تذكرنيك أشياء أراها فينشطر الفؤاد لها انشطارا
إذا قمنا لمائدة مساءً وإن قمنا لمائدة نهارا
يطالعنا مكانك وهو خال فتبتدر الدموع له ابتدارا
تحيط به فتوسعه حنينا وتقديساً لذكرك واد كارا
تري بصحافك الجد العثارا
وفي كرسيك الأمل الغفارا
وما يغري فؤاد أب حزين
كأطفال له نكبوا صغارا
تأت كالشمس أمهموا فأمسوا
،وإن كنت الحفى بهم ، حياري
وكانوا في غم الدنيا ابتساما فأضحوا أدمعاً فيها غزارا
ثم هو يفزع في بلواه إلي بلد الله الحرام ، فيقف في بطحاء مكة ، ويقف على عرفات ، وفي عوالى منى ، وعلى قبر خديجة أم المؤمنين ، وفي يثرب ، وعند أحد ، فينطق الشعر في جلال وخشوع ، ويذ كر الماضي الأبيض البعيد ، ولكنه لا ينسى ماضيه الأسود القريب أبدا .
وقفت أناجي الله عند المشاعر
وقد خشعت نفسى وجاشت خواطري
فقلت له قـــــــــــــــــــــد شقها فأذابها
ضنى دب في حال من العمر ناضر
وحافت بها الأحداث شتى شكولها
فلم تلقها إلا بإيمان صابر
أخ فأخ ثان فأخت فثالث
تهاووا دراكا كالنجوم الزواهر
تلقت على ضعف مصيبات فقدهم
فناءت بفداح من الخطب صاهر
وزالت كطل الفجر لم تخل روضة
تعاهدها من عبقري المآثر
وقلت له يارب أقسم صادقاً وأنت عليم ربنا بالسرائر
فما برمت يوما بداء ولا شكت
لغيرك ما قدرته من مقادر
أفلا يذكرك هذا بابن الملوح ، صاحب ليلى ، وقد تمسك بأستار الكعبة .
لست أريد التقصي ، فدون ذلك ضيق المكان فبحسي ما ذكرت . ولكن راعني أن القطع مؤرخة ، ويقع تاريخها بين صيفين ، صيف عام ١٩٤٢ ، وصيف عام ١٩٤٣ . والوفاة حدثت على ما فهمت من السياق في يونيو عام ١٩٤٣ . إذن فالكتاب كله مرثية واحدة ، وإذن فهذا شاعر خلقه الحزن في يوم وليلة . ولكن قريحة الشعر لا تكتسب في يوم وليلة . فلعل الأصدق إذن أن نقول ، إنه شاعر عريق ، لأمر ما خفي حتى أظهرته الفجيعة . ومن يكون هذا الشاعر ؟ وعدت إلي غلاف الكتاب أقرأ : إنه يقول إن صاحبه عزيز أباظه .
إني لا أعرف من الأباظية أحداً بهذا الاسم ، غير مدير المنيا بالأمس ، ومدير البحيرة اليوم . أفيكون هو صاحب الكتاب . كلا . وملكني العرف الجاري ثواني ، فقلت كما يقول الناس : ولكن كيف يجتمع الشعر والإدارة ! ثم تذكرت أني اقتحمت هذا الكتاب اقتحاماً كما تدخل الدار من غير بابها . تذكرت أن للكتاب بابا ، أن له مقدمة ، ومن عادتي أن أقرأ مقدمات الكتب أخيراً . فرجعت إلي
المقدمة ، فقرأتـها ، فإذا بها مقدمة حزينة باكية ، كتبها الدكتور طه حسين بك ، وإذا بظني يتحقق . نعم إنه المدير عزيز أباظة بك وإذا بطه بك يملكة العرف الجاري ثواني كما ملكني ، فيقول في مقدمته يتحدث إلي صاحب الكتاب : " لقد كنت متحرجاً يا سيدي من نشر هذه الصحف ، لأنك لم تتخذ الشعر صناعة ، ولأنك تكره أن يتحدث الناس عن مدير يقول الشعر " . ولا أود أن أترك هذا دون أن أقول إن الذي خشيه المدير الشاعر حق . فالأدب كان بالأمس ذخيرة من ذخائر الحياة يأخذ منها كل مثقف بقسط . فكنت تعد في الأدباء والشعراء رجال الحكم ورجال الجيش والأمراء ، أما اليوم فكاد الأدب أن يكون في بعض الأوساط سبة . وهي أوساط تسمو عن جد الحياة إلي عبثها ، وترتفع عن علم الحياة إلي جهالتها . وعدا هذا فالمدير الشاعر ، هو عند المديرين شاعر ، وهو عند الشعراء مدير ، لا سيما إذا هو أجاد . فقد غلب على أفكار أدبائنا وشعرائنا أن الأدب والشعر لا يكونان إلا احترافاً - لا يباعان إلا في دكان ، له عنوان ، وله رقم في السجل التجاري .
لك التهنئة يا صاحب الكتاب بشعرك ، ولو أنك احترقت فيه . ولكن هكذا أعواد الطيب ، لا تفوح إلا إذا احترقت . وغيرك يحترق فلا يكون لنا من عوده غير الدخان .
وقبل أن أختم لا بد لي أن أقول إن الكتاب ليس للبيع ، رعاية لحرمة من أوحته . قال صاحبه في مقدمته :
" . . فلن يراه الناس سلعة معروضة . ولن يقتنيه من الناس من ينقدني فيه دراهم معدودة . وإنما سيقتنيه منهم إن شاء الله من يعنيني أن أهديهم إياه ، أو من يعنيه لمعنى من المعاني أن يستهديه فيهداه " .
٢٤ يوليه ١٩٤٣

