يحتل أوليس في الأودسا المكان الذي يحتله أخيل في الإلياذة ، فهي قصته ، وذلك لأن لفظة اودسا مشتقة من اودسيوس " كنية ) أوليس " ! وأودسيوس باليونانية هو " جواب الآفاق " الذي يقص هوميروس انباء عودته من اسيا الصغري إلي وطنه إيتاكا بجزيرة كورفو الشهيرة حتى اليوم بروعة موقعها على مقربة من شاطيء دلماسيا المصيف الأوروبي الجميل
والحق أن في اختيار هوميروس لأوليس كبطل لملحمته الثانية ما يدعو إلي التفكير ، وبخاصة إذا ذكرنا انه قد كان هناك ابطال اخرون من بينهم من انتهى إلي مصير جدير بأن يوحي اجمل الشعر كلياس مثلا . أياس الذي جن إذ آثر اليونان أوليس دونه فأعطوه اسلحة اخيل عند موته ، مع أنه كان أعظم من أوليس إقداما وأشد بطشا . كان باعتراف الجميع " سياح اليونان " .
ولكن الواقع هو أن اليونانيين قد رأوا في أوليس انموذجا قوميا تتركز فيه صفاتهم ، وفي هذا ما يفسر اختيار هوميروس له دون كل الابطال . لقد كان الشعب اليوناني حريصا على ان يستمع إلى مغامرات البحر ، وهو شعب قد بني مجده على خوض عباب اليم ، والتماس اسباب الحياة في الأراضي النائية حيث الغني الذي لم يتوفر لبلادهم الفقيرة . ثم إن الصفة التي غلبت على أوليس في الإلياذة هي الشجاعة المستنيرة يوم دعا داعيها . ولكن الزمن قد سار سيرته ، واصبح الرجل اليوناني يجنح إلي تقدير صفات نفسية اخري لا تقل عن الشجاعة قيمة في نظره ، لانها صفاته التي يصدر عنها في كل أموره ، ومن بينها الحنكة ، وحسن التقدير وفهم النفوس ، واللباقة في معالجة المشاكل والتغلب على الصعوبات .
ولهذا عندما نمر من الإلياذة إلي الأودسا نلمح في شخصية أوليس تطورا لاريب انه قد ماشي تطور العقلية اليونانية كلها ، بحيث نجد في تصوير هوميروس له حقيقة الروح الإغريقية
والذي لاشك فيه أن الأدب وبخاصة أدب شاعر واقعي كهوميروس ادل على عقلية الشعوب من أي تراث روحي آخر . فالفلاسفة كأفلاطون أو الرواقيين قد يحدثوننا عن المثل الأعلى في الأخلاق ؛ فيراه افلاطون في ان نعيش وفقا لطبيعتنا البشرية ، فلا نقاوم غرائزنا ولا نحاول قتلها ، بل نتركها تنمو نموا طبيعيا حتي لا نفسد حياتنا بكبتها ، مكتفين بأن نتخذ العقل رقيبا يحد من اسرافها ويلائم بين تنافرها . ولقد يدعونا الرواقيون إلي ألا نتأثر بالأحداث ، فلا تنخلع فلوبنا للحزن ، ولا تخف احلامنا للطرب . ولكن هذه كلها مثل عليا ، والمثل الأعلى موضع رغبة ، ونحن لا نرغب إلا فيما يعوزنا .
والأدب ليس كذلك ، ففيه نجد حقيقة العقلية اليونانية كما كانت . وعند هوميروس ما يعيننا على فهمها ، فمن بين أبطاله العنيف الانفعال القاسي القلب في نبل وإباء كأخيل ومنهم الشجاع في روية ، الداهية عن ذكاء نافذ كاوليس .
والذي لاريب فيه ان أوليس لم يفقد شيئا من صفاته التى عرفناها عنه في الإلياذة ولكن الامر أمر نسب وتطور والذي يبدو لنا في الأودسا هو ان زمن البطولة الأولى كان قد ولي ، وكان اليونان قد انكروا ما في خلق أبطالهم من إسراف ، فأصبح البطل كاوليس اقرب إلي البشر منه إلي الآلهة ، أقرب إلي الحياة منه إلي المثل الأعلى
لم يعد أوليس البطل المقدام الذي يغامر في حرب مثالية يبغي منها ان يستنقذ هيلانه رمز الجمال الكامل ، بل ذلك الداهية الخصب الذكاء ، ذلك السائح الطلعة الذي يجوب آفاق البحر الأبيض ليري بعيني رأسه ويعلم عن تجربة ، فلا يعود إلى وطنه إلا وقد ملأ ناظريه بجمال ما شاهد ،
وأغني ذاكرته بما سمع من قصص وليس من شك في ان الزم الصفات لرجل يسعي إلي ما كان يسعي إليه أوليس هي القدرة على التمييز عن فطنة ومهارة ، حتى يستطيع ان يقدر لكل حالة حلا موفقا ، ولكل مأزق مخرجا يسرا .
نعم إنه لا يزال يحتفظ في الأودسا بصفاته الطبيعية واخصها الشجاعة والصبر . فقواه الجسمية لا تزال سليمة ، وإرادته القوية ما برحت في قبضة يده يتصرف فيها كيفما شاء ولكننا نحس ان قواه قد ازدادت خضوعا لحكمته ودهائه ، بل ومكره ، فهو لم يعد بطلا خارقا بل بشرا كسائر البشر .
انظر إلي وصف لأوداموس laodamos أحدا اشراف القباسبين pbeaciens له عندما ألقاه البحر بينهم : ) أيها الأصدقاء دعونا نسأل هذه الأجنبي عما خاض من تلك المعارك المجيدة التى قوم فيها جسمه . وفي منظره ما ينبيء بقوة الأبطال . ما أقوي جوانحه ! وما أصلب أرجله وما أعرض صدره إن في منا كبه صلابة ، وبأذرعه اعصاب تنبض إن الشباب لم يفارقه وإن كانت المحن قد هدت من كيانه ؟
وما أن وطئت قدماه أرض إيتاكا وطنه حتى بدا له ان يتنكر في ملابس شحاذ كي لا ينكشف أمره وهو لا يعلم بعد إلام سار ملكه ، أو انتهى الأمر بزوجته النبيلة ينلوب وابنه الشجاع تليماك ؛ ومع ذلك فمن خلف الأسمال كانت عضلاته تطالع الناظر . وهو يصف نفسه فيقول : " لقد صرت إلى خريف الحياة ، ولكن أليس في قوة القش ما ينبيء بنوع الحصاد " .
وفي حرص هوميروس على ان يحتفظ لهذا الشيخ بقواه الجسمية ومظاهرها التى يصف في دقة ، ما يدل على اتجاه مطرد عند اليونان فهم شعب كان يري دائما في قوة الجسم امارة تفوق ، وذلك لا في عصور بداوتهم الاولى فحسب بل في كل مراحل تاريخهم ، وآية ذلك حرصهم
المستمر على الرياضة البدنية . ألسنا نذكر أن أفلاطون نفسه قد حصر فيها هي والموسيقي والعلوم الرياضية مواد التربية بجمهوريته . والتربية عندهم لم تكن تحصيلا أو إعدادا للمهنة ، بل تكوينا للملكات جسمية كانت أو روحية . ثم هل ادل على فطنتهم لصحة الحسم وجماله وقوته من أن نري سقراط نفسه ، سقراط الشيخ ، يحرص على أن يتعلم الرقص ليقلل من قبح جسمه المنبعج ويقوي من ضعفه ، فيقول لأصدقائه وتلاميذه وقد اجتمعوا يوما بمنزل أحدهم حول غلام يعلم الرقص " اتضحكون مني لأن أريد برياضة جسمى أن أتعهد صحتي ، فأتمتع بأكل هنئ ونوم سليم ؟ ! أتضحكون لأنكم تعتقدون أن شيخا مثلي لن يصاحب مدربا رياضيا إلي الخلاء فيعري جسمه أمام الجماهير ، بل سيقنع بغرفة طعام كهذه التي يكتفى بها هذا الغلام ؟ ! أتضحكون لأني سأتمرن في الشتاء تحت السقف ، وفي الصيف تحت الظلال إذا اشتدت حرارة الشمس ؛ أم تضحكون لأنني رحت ببطن كبير إلي حد ما ، فأردت أن أرده إلي حجم معقول ؟ " وفي هذا يقول شاعرهم أنا كربون : " عند ما يرقص الشيخ لا نري فيه عجوزا غير شعره ، وأما روحه فلا تزال فتية .
وفي كل هذا مالا يدع مجالا للشك في أن أوليس كما يصوره هوميروس يمثل بمتانة جسمه صفة كان اليونان يحرصون عليها كل الحرص . والكثير من شعوب اوروبا لا يزالون إلي اليوم يرون ما كان يراه اليونان ، من ان قوة الجسم فضيلة لاتقل أهمية عن الفضائل الروحية ، وإنه لمن الحمق أن تحتقرها أو تري فيها أمرا ثانويا
ومع ذلك فقوة جسم أوليس لم تعد شيئا إلى جوار قوة إرادته ونفاذ ذكائه .
ولكم من مرة أوشك الموت أن يتلقفه لولا تملكه لنفسه ونحن لا نعرف ملاحا سواه مر بمضيق سينا وسمع من أعلي الصخور نداء السيرين sirenes الساحرات الصوت
ثم صمد لإغرائهن . قالوا إنه أمر رجاله فشدوا وثاقه إلى شراع السفينة على أن يزيدوه شدا كلما طلب إليهم أن يحلوه ، وما الوثاق إلا رمز لسيطرته على أهوائه وهكذا مرت سفينته دون أن تتحطم بالصخور كما تحطمت من قبلها ومن بعدها سفن أخذ ربانها بعذوبة الصوت فدنوا ليلقوا حتفهم . وبفضل تلك السيطرة ايضا قاوم كاليسو calipso الإلهية الجمال ، عند ما أرادت أن تستبقيه في كهفها بإحدي الجزر زوجا لها ؛ كما انتصر على سرسيه cerrce وعلي الكاوب المخيف ، ثم على يوزيدون نفسه إله البحر القاسي . أوليس أقوى من أنصاف الآلهة بل ومن الآلهة ، لأنه قابض على زمام أمره ، وقد انعقد عزمه على أن يعود إلي مملكته حيث زوجته الوفية ينلوب peneiope التي كانت تنتظره في صبر منذ سنين ، والتي لم تكن تقل عنه دهاء وقد رأت طلابها الكثيرين وخشيت بأسهم فوعدتهم أن تختار لنفسها من بينهم زوجا بعد الفراغ من ثوب كانت تطرزه ، ولكنها أخذت تنقض بالليل ما تعمله في النهار ، وبذلك لم تنته حتى عاد زوجها فأنقذها
ثم أي مقدرة على كبت مشاعره وإخفاء ما يثور بنفسه من انفعال ! انظر إليه وقد عاد متنكرا إلى بيته وزوجته تجهل حقيقته ، فتتحدث عن أوليس الغائب أرق الحديث : " وعندما رأي بكاء زوجته المر استشعر بأعماق قلبه رحمة قوية ، ولكن عيناه لم تتحرك منهما حدقة بجفنيه الساكنين كأنهما من صخر أو حديد . ذلك لأنه يحذق فن التصنع إلى حد يستطيع معه أن يحبس دموعه "
وما هي إلا لحظة حتى أوشك أن ينفجر من جديد إذ رأي نفسه بقصره شحاذا مزدري . يتلقي بقلب جريح من عشاق زوجته كل اهانة ، ويري ما يلحقونه ببيته من اذي " اهتز قلبه بين أضلعه ، وكما ترسل الكلبة الجارحة نباحها القوي وتتحرق للقتال إذا دنا غريب من ابنائها وهي تسير بينهم لحمايتهم ، كذلك زأر قلب البطل وقد أنهكه
تحمل ما يرى من هوان ولكنه لم يلبث أن ضرب على صدره ليلزم الصمت وثبات قلبه الفتى . هدوءا ايها القلب ! لقد تحملت فوق ما تري اليوم من محن . لقد رأيت بعيني رأسك ذلك الكاوب الذي لا يقهر يفترس رفاقك الشجعان فثبت حتي استطعت بحكمتك ان تنجو من مغارته حيث كان الهلاك محققا . هكذا زجر أوليس قلبه فسكن وكأنه قد أوثق فخمدت فيه كل نأمة " .
وتجلد بطلنا مشركا معه ابنه تليماك ، وقد عاد من رحلة قام بها بحثا عن ابيه ، واخذ يعد لهؤلاء ، العشاق الوقحين وسائل الهلاك في دهاء محكم قال لولده إنني اري كل شئ وما يفلت مني شيء هي رؤية الممكن وحدود لا يعدوها عند وضع الخطط . وما أن علم بوفرة أعدائه حتى لزم التنكر ، وهو في ذلك مثل الكثير من قادة اليونان ؛ وكلنا نذكر بلا ريب فيليب المقدوني الذي عرف كيف يكسو الأسد جلد الثعلب .
ولكن دهاء أوليس لم يصبح بعد خسة ، ومصدره فهم لنفوس البشر واستغلال لشهواتهم ، ولئن نصب شراكا فهو لم ينصبها إلا للحمقي . ومن الواضح أن هذا الدهاء هو الصفة التى نطقت الأودسا بإظهارها . وفي احد مواضعها تخبرنا هيلانة أصل البلاء ، " انه قد بلغ بأوليس الدهاء ، ان دخل طروادة متنكرا في ثياب شحاذ ) شنشنة قديمة ( فرأي كل شئ قبل ان يفطن إليه أحد ، ثم قتل نفرا من رؤساء المدينة وولي ونحن نعلم من مصدر آخر أن سقوط طروادة كان بحيلة من حيله ، إذ امر بصنع حصان كبير من الخشب كمن يبطنه هو ونفر من الجند ، تم تظاهر اليونان بالإنسحاب مخلفين الحصان وراءهم ، فأتى أهل طروادة ظانين أنه غنيمة باردة ، ولما كانت أسوار المدينة وأبوابها لا تسمح بدخوله فقد هدموا جانبا منها وادخلوه . وما إن احس أوليس و أصحابه انهم قد صاروا في قلب المدينة حتى وثبوا من الحصان وقتلوا الحراس ،
وكر اليونان ، فاقتحموا على العدو مأواه ، وبذلك سقطت طروادة ، وأصبح حصانها مضرب الأمثال للخديعة
وهذا الدهاء هو نفسه الذي مكن لأوليس من رقاب العشاق ، فإنه لم يزل يعد العدة ، ويستوثق من الوسائل ، حتى تهيأت له كل ملابسات النجاح ، فأغلق باب القصر وفتك بأعدائه اشد فتك . وما ان تم له النصر حتى ظهرت قسوته كما عهدناها في الإلياذة . وأوضح ما نلمح من تلك القسوة هو شنقه للقوادات بسقف منزله ، فذلك منظر شابت لهوله النواصى . قالوا كنت تراهن يومئذ وقد " علقن كالعصافير تهز أرجلها برهة ثم تفارق الحياة "
ولكننا رغم هذه القسوة ورغم ذلك الدهاء الماكر لا نستطيع أن نري في أوليس خلقا ذميما ، فقسوته لها ما يبررها ، ودهاؤه لم يستخدمه إلا في الحرب أو دفاعا عن شرفه ، وردا لحمق البشر واذاهم . بل نحن لا نستطيع إلا أن نعجب لرقته في حديث بإحدي الجزر التي مر بها حيث لقي نوزيكا Nausicn بنت الملك ، وكانت فتاة جميلة وديعة ، فعرف كيف يلاطفها ويحميها ويلين لها القول على نحو اشبه بأخلاق الفروسية التي عرفناها في القرون الوسطى منها بأخلاق البداوة الإغريقية التى كانت سائدة في ذلك الحين
ثم إنه كان يحب وطنه ، وهذا خلق بلا ريب بالغ النبل . استمعوا إليه يتحدث وقد سئل عن ذلك الوطن : بلدي إيتا كا الشهيرة التي تنظر إليها الشمس باسمة وقت الغروب . فيها ترف الأوراق الكثيفة على سفح النيرت Nerriet عند الظهيرة ، وأما الفجر فينثر حولها عددا وفيرا من الجزر الخصبة ؛ دوليكيم Dulicheumوساميه same وزا كانت zacintneالخضراء ؛ بلدي تقع على مقربة من ارض اليونان ، جزيرة تقطعها الصخور ولكنها منبت فتية بواسل . لا ليس في الأرض مكان احب إلي قلبي
منها عبثا حاولت كاليسو ان تستبقيني بكهفها لتخصني بشرف الزواج بها . عبثا حاولت سرسيه العالمة بكل ما يعرف السحر من حيل ان تعرض على العرض نفسه فتحتفظ بي موثقا بحبائل الزواج . لقد تبددت جهودهن هباء ، فعجزن عن إمالة قلبي ، وذلك لان ارض الوطن وما تقل من اهل وهبونا الحياة ، واتصلت قلوبنا بقلوبهم ، قد اوحت إلي بحب رقيق لا يستطيع كل ما في الأرض من مجد وخيرات أن يصرفني عنه "
ونحن نعلم أنه لم يكد يطأ أرض الوطن حتي قبل ترابه ورفع بصره إلي ربات اليم شاكرا أن قدنه إليه .
ذلك هو أوليس الأودسا : بقية من صحة الحسم وشجاعة القلب ، ثم عقل كبير ودهاء خصب ؛ قسوة حيث تغتقر القسوة ، ولين ورقة قلب حيث تهتز النفس ويثور الفؤاد . ولكنه بلا ريب لم يعد أوليس الإلياذة ؟ وأكبر دليل على ذلك أن نراه يوما يستمع إلي شاعر متجول باحدي الجزر فينصت ، وإذا بالشاعر يتغني بحرب طرواده فيغطي بطلنا المغوار رأسه ويأخذ في البكاء ونحن على ثقة من انه لو رآه زملاؤه أبطال الإلياذة في ذلك اليوم لأنكروه .
لا . إن أوليس لم يعد من الصلابة بحيث كان ، وقد أخذ التفكير يتغلب في نفسه على خشونة البداوة أخذ الدهاء يسيطر على الشجاعة ، أخذت الرقة تنفذ إلي صلابة قلبه . أخذ يتحضر ، وهذا امر لا عيب فيه ، ولكن طريق الحضارة طريق زلق سوف نراه في الحديث الاتي ينتهي برجلنا كما انتهى بالشعب اليوناني كله إلي بوادر انحلال خلقي ، ستكون احدي مظاهره ذلك الخبث القبيح الحقير الذي سيصدر عنه أوليس " فيلو كتيت " philoctete) مسرحية سوفكليس الروائي العظيم

