الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 332الرجوع إلى "الثقافة"

أول الواجبات، رفع مستوى المعيشة بهذه البلاد

Share

الحالة الراهنة :

أصبح معروفا لدى كل المفكرين فى حالة بلادنا أن الغالبية العظمى من المصريين لا يجدون الكفاية من مقومات أجسادهم . وأن مستوى العيش منحط من كل النواحى . وأن شعبا هذه حال أهله لا يستطيع النهوض ما لم تتبدل هذه الحال بخير منها . وقد فرغ الباحثون من التدليل على أن اعتمادنا لليوم على الزراعة وجدها كان السبب الأول فيما وصلنا إليه من هبوط خطير فى مستوى المعيشة . نعم لم يكن العيش خفيضا رغدا من قبل . غير أن مستوى العيش يزداد انخفاضا من عام إلى عام .

ولكى نصور للقارئ عمق الهاوية التى تنحدر إليها البلاد نذكر الحقائق الآتية :

١ - ما يصيب الفرد من الأرض الصالحة للزراعة وصل الآن إلى نصف فدان ، وهو مستمر فى الانخفاض لأن عدد السكان يزيد أاسرع مما تزيد الارض الصالحة للزرع . وإذا تعقبنا الزيادة فى الحالتين وجدنا أنه فى نحو خمسين عاما زاد عدد السكان بنحو ١٠٠ % والاراضي الزراعية بنحو ٢٥ % فقط . ٢ - ولو أمكنتنا الظروف من إصلاح كل الأرض القابلة للزراعة ، ووجدت المياه الكافية لريها ، لما تحسنت الحال ، فلسوف يقل نصيب الفرد من مساحة الأرض الصالحة عما هو عليه الآن . ٣ - إن متوسط غلة الفدان آخذ فى التناقص من مستهل القرن الحالى لليوم . وإذا كان متوسط غلة الفدان من القطن زاد فى السنين الأخيرة فإنه كان لكثرة التسميد و كثرة النفقة . والزيادة مع ذلك طفيفة . وجساب متوسط

غلة الفدان فى الفترة المذكورة يدل على أن الغلة فى هبوط مستمر ، فى القطن وفى غيره . ٤ - للدلالة على زيادة النفقة يكفى أن يعلم القارئ ان ما استوردناه من الأسمدة زاد من نحو ألفى طن فى سنة ١٩٠٢ إلى نحو سبعمائة الف طن فى سنة ١٩٣٨ . وتزيد نفقات الزراعة الأخرى غير التسميد بنسب متفاوتة ، وإن كانت لا تبلغ ما بلغته نفقات التسميد .

ضرورة تعديل أساس سياستنا الاقتصادية :

هذا التدهور الباعث على أشد القلق كان برغم ما انفقنا من أموال طائلة من مستهل هذا القرن لما قبل قيام الحرب الحالية . وتمكن تصوير جسامة ما أنفقنا إذا علمنا أن اعتمادات نفقات مشروعات الرى ووزارة الزراعة ومصلحة الأملاك - وكلها فى خدمة الزراعة - بلغت فى السنين العشر التى سبقت قيام هذه الحرب نحوا من سبعة وخمسين مليون جنيه ، ولا يدخلها ما أنفق على الإدارة العادية للرى . وها نحن أسوأ حالا منا قبل إنفاق هذا المال الكثير .

ومما لا ريب فيه أننا لو كنا نحسن الحساب والتفكير وقسمنا هذا المبلغ قسمين فى الفترة المذكورة نصفه لخدمة الزراعة ونصفه الباقى لتحسين الصناعة القائمة ودعمها وإدخال صناعات أخرى ، لكان من المحقق زيادة الثروة العامة بمصر ووقف هبوط مستوى المعيشة . ولا أقصد بالصناعة غير ما يستهلك محليا ويغنينا عن كثير مما نستورده ويمكن صنعه فى مصر ، ولكيلا يظن أنا نبالغ نذكر القارئ بأنه قدر لمشروع توليد القوة الكهربائية من خزان أسوان سبعة ملايين من الجنيهات ، وأن مشروع منخفض القطارة قدر لإنجازه نحو ثلاثة عشر مليون جنيه ، وأن الصناعات التي تقوم بمساعدة هذين الموردين من تغل إيرادا كبيرا وتشغل عددا وفيرا من الناس بتنار أجورا حسنة بالقياس إلى أجر العامل الزراعى قبل هذه الحرب .

وإذا قدرنا أنه فى السنين العشر السابقة لقيام الحرب الحالية أنفق ربع ما أنفق من مستهل هذا القرن لقيام الحرب الحالية فى شئون الرى والزراعة فإنه يتجلى لنا هول ما انسقنا إليه . ففى نحو نصف قرن من الزمان اهملت تربية الشعب وصحته لتخصص هذه الأموال الكثيرة نسبيا للزراعة وللتوسع فيها ، فكانت النتيجة ما قدمنا ، وهى الانحدار إلى هاوية الهلاك باستمرار هبوط مستوى العيش . والبديل الوحيد من التردى فى الهاوية هو العمل فورا على ترقية الصناعة القائمة وإنشاء صناعات جديدة للاستهلاك المحلى ، والحيلولة ، بكل وسيلة ، بين هذا البلد وبين صرفه عن سلوك الطريق الوحيد للنجاة ، وهو العمل على ترقيته ونشر الصناعة والتجارة وإنشاء صناعات جديدة .

هل يمكن قيام صناعات رابحة بمصر :

يقول بعض الناس إنه لا امل فى قيام صناعات فى مصر تقوى علي منافسة الصناعة الأجنبية . وخير لها أن تقصر جهدها على ترقية الزراعة بإصلاح كل فدان قابل للاصلاح ويترقية وسائل الانتاج وتخفيض النفقة لتزيد الغلة إلى أقصى حد بأيسر نفقة .

ولست أشك فى أنه يمكن الحصول على غلة أوفر كما يمكن خفض النفقات ، ولكنى كذلك لا اشك فى أن الزراعة وحدها لا يمكن أن تفى بحاجات مصر ليعيش أهلها عيشة الإنسان الكريمة . والحساب البسيط يؤيد صدق ما أقول . فقيمة ثمن الأراضى الصالحة للزراعة بمصر تبلغ حوالى ثمانمائة مليون جنيه . ومع التفاؤل يمكن تقدير الربح الصافى بعشرة فى المائة فيكون صافى الإيراد مبلغ ثمانين مليونا من الجنيهات . وإذا قدرنا مثل هذا الإيراد أجور عمل وربح التجارة والوساطة الداخلية وغيرها كان مجموع الإيراد مائة وستين مليونا ، فمتوسط إيراد الفرد فى هذه الحالة نحو عشرة جنيهات سنويا وهذه قيمة لا توفر كفاف العيش . فإذا علمنا مع هذا أن الدين العام يبلغ نحو

مائة مليون جنيه أن ديون الأفراد تقدر بنحو نصف هذا فإن فوائد هذا المال يجب طرحها من جملة ما قدرناه إيرادا فيقل متوسط الدخل عن ذاك المبلغ القليل وهو عشرة جنيهات سنويا لكل فرد ، حتى مع اعتبار ان شطرا من الفوائد يبقى فى أيدى المصريين .

الصناعة إذا لابد منها . وإذا لم تكن عواملها متوفرة لوجب أن نعمل على نوافرها لأننا نهلك إذا لم ننتج إنتاجا صناعيا يذكر . ومن حسن حظ البلاد أن عوامل نجاح كثير من الصناعات الرابحة موجودة بمصر . وأن العمل الجدى السريع على أسس علمية ، وبعد دراسة شاملة ، كفيل والنجاح . وما اعتقاد البعض أن الصناعة التىى تعد للاستهلاك المحلى لا يمكن قيامها بمصر إلا أثر من آثار ماقالوه وكرروه زمنا طويلا فى الكتب المدرسية وما روج له من يرودون أن تظل هذه البلاد مزرعة ويبقى أهلها مسخرين لخدمة الصناعة والتجارة الأجنبية .

ماهى الصناعات الممكنة :

نحن لا نطمع الآن فى إنتاج صناعى تنافس به البلاد العالية الكعب فى الصناعة خارج بلادنا . وكل ما نبغيه الآن إنما هى الصناعة التى يستهلكها المصريون فى بلادهم والتى لا يتوقف نجاحها على كثرة استخدام الفحم وقودا لان نفقات نقل هذا الوقود من البلاد التى تنتجه إلى مصر يرفع من ثمنه ، وبالتالي يرفع من ثمن الإنتاج الصناعى المتوقف على استخدام هذه المادة وقودا . وأول ما نفكر فيه هى صناعة تحويل المواد الخام الناتجة عن الزراعة مثل الغزل والنسج والورق والحبال واستخراج الزيوت النباتية والصابون والفا كهة والخضر المجففة والمحفوظة والنشا والعطور ، ومن الحيوانات كالجلود ومستخرجات الالبان . فالمادة الخام موجودة تخرجها أرضنا وتربى الماشية مما تنبت الأرض .

والقوة المحركة ميسورة من الزيت المعدنى الموجود بمصر

وما جاورها ومن قوة الكهرباء المستمدة من المصدرين السابق ذكرهما ومن مساقط المياه المتعددة بهذه البلاد ، فمسألة الوقود لما عدا بعض الصناعات ، ليست عائقا .

والقوة البشرية وأعنى بها اليد العاملة متوفرة بطبيعة الحال وإن كانت المهارة تحتاج لشىء من الوقت ومع هذا فقد خرجت مدارسنا الفنية عددا  لا بأس به تعمل كثرته الساحقة فى غير الصناعة لندرة المنشآت الصناعية . وتدل كثرة من تخرجوا فى السنين القلائل الماضية على وفرة من يمكن إعدادهم إذا ما كثرت الأعمال . وما دمنا لن نظفر لأن الظفرة متعذرة فلا خوف مطلقا من نقص اليد العاملة الماهرة . ولسنا نخشى من تفشى الأمية الآن ، إذ برهنت الحرب الحالية على مهارة المصريين فى حالتين تدفعان كل خشية من أن تؤثر الأمية علي الانفاق تأثيرا مخيب للأمل . فأما الحالة الأولى فهى ما أظهره العمال المصريون فى مصانع الجيوش الانجليزية والأمريكية بمصر  ، وأما الحالة الثانية فهى  ما أظهره الجنود المصريون من دقة ومهارة فى استخدام أدوات الحرب الحديثة كالمدافع المضادة للطائرات وغيرها وغالبية الجنود أميون .

ولكى يدرك القارىء أهمية نشر وترقية ما ضربت به مثلا من الصناعات الموجودة خاماتها أذكر أن قيمة ما استوردناه من طائفة منها فى سنة ١٩٣٦ بلغ ٥٣٧٦٩١٢ جنيه ، ولو أنتجنا مقدارها بمصر فإنها تجتذب من الصناع وغير الصناع عددا كبيرا وتفتح لهم أبوابا من الرزق هى الآن مغلقة . وترفع مستوي المعيشة بلا نزاع . وإذا كان أغلب مواطنينا جياعا حفاة شبه عراة فكم تجتذب من الصناع وغير الصناع عندما تنتج ما يكفيهم ؟ سيتساءل القارىء : ومن أين يجد هؤلاء الجياع الحفاة شبه العراة ما يدفعونه ثمنا لما يسد حاجتهم ؟ . والجواب على هذا أن الصناعات التى نجد خاماتها من الانتاج الزراعى والمدنى ينشط بنشاطها هذا الانتاج وتدفع ويدفع عمالها أثمانا طيبة لما تستهلك ويستهلكون من الانتاج الزراعى وغيره . وإذا ما ازداد

رخاء المنتجين ازدادت مقدرتهم الشرائية وازداد طلبهم للسلع المصنوعة فتنمو وتنشط ويكثر استهلاكها واستهلاك عمالها وهكذا . وليس هذا مجرد نظر فقد حققته بلاد أخرى عندما حرمت الاعتمادات وحرمت التبادل التجارى زمنا مع البلاد الخارجية ، ونحن مستطيعوه بأيسر مما استطاعته روسيا مثلا ، لأننا لن نحرم التبادل التجارى ولن نحرم الإعتمادات كما سيجىء . بقيت مسألتان : الإدارة والمال .        فأما المال فأمره سهل إذا ما علمنا أن مجموع الأموال الاحتياطية فى شركات مساهمة محدودة سهل علينا الحصول على أرقامها بلغت ٢٦١٣١٠٦٧ جنيه سنة ١٩٣٩ و ٣٠٢٢١٥٨٧ فى سنة ١٩٤٢ . وأن ما فى صناديق توفير البنوك والبريد يزيد عن هذا . وأن كثيرا من الأفراد يودعون أموالهم فى المصارف وفى صناديق توفير البريد لقاء فائدة زهيدة ، وأن بعض الأفراد ممن يتمسكون بعدم تقاضى أرباح عن أموالهم ، يودعونها المصارف بغير فائدة . وأن أثمان الأراضى الزراعية الجارية تزيد كثيرا عن قيمتها الحقيقية لأن غالبية المصريين لا يعرفون كيف يستثمرون الأموال فى غير شراء الأراضى الزراعية .

وأما الإدارة الفنية المستنديرة فهى أصعب المسألتين ، بيد أنها ليست مما يتعذر التغلب عليه .

ومن الممكن الاستعانة بخبراء ، غير موظفين ، لدراسة طائفة من المشروعات الصناعية دراسة علمية وافية من كل نواحبها ووضع تفصيلات تنفيذها . وإذا ما استوفى المشروع دراسة قامت المؤسسة على أسس فنية دقيقة وسهلت إدارة . وما دام المال موجودا والخامات ميسرة والسلعة مطلوبة فإنها تنجح إذا أمنت شر   كيد المضاربين ، وليس يسيرا تأمينها . ومتى توطدت أقدام مؤسسات صناعية من هذا النوع المدروس حق الدرس اطمأن الناس إلى استثمار أموالهم فى المشروعات الصناعية وحينئذ نجد الصناعة المال بلا انقطاع .

للبحث بقية

اشترك في نشرتنا البريدية