بين الشباب و "الفكر" وشائج ، لو عم بكل الا الايمان بالتطور ، والتطلع الى مستقبل افضل وحياة فكرية وادبية اكثر حيوية مما عرفته البلاد حتى اليوم ؛ لكانت هذه الاسباب على قلتها كافية لاعتداد الفكر " بانتاج الشباب .
ولكن الايمان والتطلع ليسا كل شيء فى الادب الحي الذي يرجو " الفكر " أن ينتجه الشباب .
ذلك انهما قد يكونان خاطرا في النفوس ، وفكرة فى الرؤوس ، اذا نشر القرطاس وانتصب القلم تبخرا كالاحلام ، وافلتا مع الاطياف ، فلم يقو الكاتب على اخضاع ما يكتب لما يريد ، واذا هو عاجز عن تسجيل ايمانه بالتطور ، او تصوير ما يضمر لا من تطلع إلى الغد الباسم ، واداء ما يدغدغ نفسه من آمال عذاب . وكم فى شداة الادب من مثل هؤلاء ؟ !
انك لتجد الواحد منهم مبالا إلى الثورة ، تواقا إلى كل جديد ، ولكنك تقرأ ما يكتب فتراه من غلاة المحافظين
وتجد ثانيا بمقت الادب الفسل ، والانتاج السطحي الضحل ، ولكنه اذا انتج بدا لك هزاله ، ورأيته يسبح على سيف البحر .
من أجل هذا وذاك كان حتما على "الفكر" أن يوفق بين اعتداده بانتاج الشباب ، ورغبته فى نشر ما يصله منه ، من جهة ، وخشيته من ان ينزل ما ينشره بالمجلة عن المستوى الذي لا تقبل التدلى عنه ، من جهة اخرى .
ولم يكن للفكر من سبيل إلى هذا التوفيق غير النظر فى كل ما يوجه به الشباب إليه ، بلا استثناء . حتى ليحق له ان يؤكد لمراسليه جميعا أنه قرأ ما ارسلوا إليه ، وعنى به فضل عناية . ولكنه كان مضطرا إلى اغفال الكثير منه ، والوقوف به دون النشر لاسباب كافية ؛ آملا ان لا يخطيء التوفيق ما يكون لهؤلاء من التجارب الادبية فى المستقبل .
أما بقية ما وصل " الفكر" أو يصله من انتاج الشباب والفتيات ، فانه يلقى من أسرة " الفكر " ما هو جدير به من تقدير ، ويحظى بالنشر فى الحين بعد الحين .
ولعل قراء " الفكر " يلاحظون ان هذا العدد قد انفسح لنشر طائفة من مقالات الشبان وقصائدهم التى شارفت مستوى المجلة على الجملة . ومع ذلك فان قصائد اخرى ومقالات من انتاج الشباب تنتظر دورها .
فهل من مبرر بعد هذا لاشفاق شداة الادب على ما يوجهون به إلى الفكر من انتاج ، وتخوفهم من أن يصير إلى " سلة المهملات " قبل الاوان ؟ !

