في تقاليدنا القديمة كثير من الطرافة ، وقد حاولت أن أعود بالنظر نحوها كلما أردت أن امتع نفسي بتأمل الباهج التي تدخل السرور إليقلبي في وسط زحمة الحياة الحاضرة بعد أن أصبحت حياة نثرية لا شعر فيها .
كنا ونحن صغار ندعي إلي بعض حفلات الأعراس . ولست اريد أن اصف تلك الحفلات في شئ من التفصيل ، فهذا أمر يطول ، ويحتاج إلى سلسلة مقالات قائمة بذاتها . وإنما أريد أن أصف هنا شيئا واحدا كان له امتياز خاص في نفوس عامة الحضور ، وذلك الشئ هو " بدرة الملبس " .
كان بعض أصحاب العرس يخرج على الجموع الغفيرة المتزاحمة في العرس من خارج الدار وينادي بأعلي صوته " بدرة ملبس " ثم يرمي بحفنات كثيرة من الملبس الفاخر فوقي رؤوس الجمع الحافل ، فينقلب المنظر فجاءة إلي صراع عنيف فيه تسلية عظمى . إذ كان الجميع بتسابقون إلي التقاط الملبس اللذيذ المختلف الألوان من اخضر واحمر وأبيض وأصغر ، ولا يعبأون بما يصبهم من جراء ذلك من الدفع والخبط والتعثر والوقوع ، وكانت الضحكات ترتفع عند ذلك ويعم الربح كل الحفل ، فالناظرون من بعيد يمروحون المنظر السلي ، والمتسابقون في الزحام يمرحون يصبون من الملبس ، ولاشك في ان الفوز في ذاته وإن كانت الجائزة ملبسة واحدة
وكان أغنياء ( العرسان) يبعثون بدرة من الذهب بدلا من بدرة الملبس ، وكانت تلك العصور الماضية ذات رخاء ويسر ، فقد كان الناس يتعاملون بالذهب ، عندما كانت الجنيهات من الاصفر الرنان لا من الورق الهلهل ، وكانت
الريالات كذلك من الذهب الأبريز ، وكذلك أنصاف الريالات وأرباع الريالات ، فكانت البدرة في العادة من أرباع الريالات الذهبية ، فإذا نثرت على الجمع انقض الناس على الأرض يجمعونها في حماسة عظيمة ، وكانت التسلية لذلك أكبر والضحات أعلى والفوز اعظم أثرا في النفوس .
ولكن هذا العصر قد تصرم و انقضى فيما تصرم وانقضي من أيام ( زمان ) الطريفة . ونحن اليوم نعيش في عصر جاهم لا يعرف شيئا من هذه التقاليد المرحة المهجة وقد كان السبب في إنكار العصر الحديث لبدرة الملبس اننا اليوم نريد ان تكون أعمالنا مطابقة لما يرضاه عقلنا .
فنحن نقول مثلا إن تلك العادة القديمة فيها نوع من الفوضى ، وفيها نوع من التظاهر لا يليق بنا ، ونزعم كذلك أن الكرامة الإنسانية ترتفع بنا عن ان نرمي الملبس على الناس ثم تنظر إليهم وهم ينهافتون على التقاطه مثل القردة ، وقد يغالي البعض فيقول إن بدرة الملبس تعود الناس أن يمدوا أيديهم إلي العطاء ، ويجعلوها سفلي ترضي بالإحسان ، وإذا كان الإحسان يبعث شعور الرضي في قلب المحسن ، فانه يبعث الشعور بالمذلة والتفاهة في قلوب المحسن إليهم ، والإحسان على هذه الصورة ما هو إلا نوع من مركب السيادة . فالمحسن بهذه الصورة لا يزيد على أنه يريد أن يقف من جمهور الناس موقف القوي القادر المسيطر الذي يهب للضعفاء . و هذا يعهد إلي الذهن تلك المناظر التى براها الإنسان مادة فوق جدران المقابر المصرية القديمة التي تصور الأمير الميت في هيئة عملاق ، و تصور من حوله من أتباعه في صور الأقزام القصار القامة
وقد أثرت أمثال هذه الآراء في الناس فانصرفوا عن بدرة الملبس ، تلك العادة القديمة الظريفة ، فاصبحنا اليوم لا نراها في الأعراس ، ولو فرضنا أن أحد ( العرسان ) حدث نفسه اليوم بأن ينثر بدرة على الناس لما وجد أحدا ينحني إلي الأرض لالتقاط الملبس المتساقط ، لأنهم بلاشك
يخجلون من ان يظهروا في هذا المظهر بعد ان سمعوا الأقوال التي تنفرهم منه .
ومع ذلك كله فإن الماضي لا يزال يطل علينا من نوافذه بين حين وآخر ، والتقاليد القديمة وإن أغفلها العصر الحاضر لا تزال حية في دمائنا وميولنا ، ولا يجب في ذلك ، فإن العلم بدلنا على أن الوراثة محمل إلى الأجيال الجديدة طبائع الأجيال القديمة ، والطبيعة تأبي ان يخلق جبلا من القطط لا يلبس ذيله في طرف جسمه كما كانت أجداده القدامي تفعل منذ أجيال بعيدة .
فإذا كانت بدرة الملبس قد اختفت من الأعراس فإنها لا تزال تظهر في مظاهر أخري في أركان أخري من حياتنا .
فنحن وإن كنا لا نعرف اليوم حفلات الأعراس كما كان يعرفها الأجداد ، ولا نعرف بدرة الملبس ولا بدرة الذهب كما عرفها القدماء ، فاننا لا نزال نحنُ إلي فكرة البذرة ، ونرحب بها في صور جديدة غير التي عرفرفها العصر الماضي .
والملاحظ المدقق لا يجد صعوبة في أن يلمح عادة ( البدرة ) في مظاهرها الجديدة المتعددة ؛ واضرب على سبيل المثال هذه الحفلات الظريفة التي تقام في هذه الأيام كما قيل لتشجيع طلاب العلم على الجد والتعمق في الدرس وقد حضرت حفلة من هذا النوع منذ حين قصير واستميح القارئ العزيز عذراً إذا بينت له كيف نطل فيها تقاليد البدرة من ناقلها على عصرنا الخاضر
تجري كل عام امتحانات للطلاب بعضها بعد نهاية الدراسة الابتدائية وبعضها بعد نهاية الدراسة الثانوية ، ومنها ما يتم بعد انتهاء ، الدراسة الجامعية والعليا بأنواعها المختلفة . ومن الطبي أن يكون في هذه الامتحانات ترتيب للناجحين ، فلا شك في ان كل عام يخرج لنا في كل صف من الطلاب فني يزيد في درجاته على الآخرين
فيكون ترتيبه الأول ، ثم يليه آخر يكون ترتيبه الثاني ، وهكذا .
وهذا يذكرني بأن الإنسان قد يكون ترتيبه الأول والأخير في وقت واحد ، وذلك إذا كان هو الممتحن الوحيد في شهادته الدراسية ، ولكن هذا قول نظري محض ، لأن الطلاب في مصر كثيرون ، فالأول يستطيع ان يباهي بأن وراءه مئات من الطلاب المتخلفين عنه . ولكن مهما يكن من الامر ، فالشئ المؤكد هو ان كل امتحان لابد أن يخرج لنا طالباً ترتيبه الأول ، وآخر ترتيبه الثاني ثم الثالث وهكذا .
فلنعد إلي ذكر الحفلة التي حضرتها منذ أيام ، فإنها كانت لتوزيع بعض مبالغ من المال علي الأوائل في الامتحانات العامة بأنواعها . وسألت نفسي عند ذلك : ما الذي يقصد من هذا الاحتفال الكريم ؟ . لقد كان بغير شك احتفالا رائعا ، وكانت العاطفة التي أوحت به عاطفة كريمة نبيلة ، ولكني مع ذلك سألت نفسي عن القصد منه . فهل كان لتشجيع الطلبة على أن يكون منهم أول وثان وثالث ؟ وسألت نفسي عما عسى يكون لو منع هذا الاحتفال وأبطلت هذه الجوائز السنية . أيمكن ان يوجد امتحان يدخله الطلاب ثم يكون ترتيبهم جميعاً ( الأخير ) ؟ لقد جرت العادة على أن يكون لكل امتحان ( أول ) سواء جعلت له الدولة جائزة أو ضنت بها .
فما السر الذي حدا بنا إلي كل هذا التفكير ؟ لقد قلبت الرأي علي وجوهه والتمست الأسباب في مظلتها ، فلم أخرج بعد الفكر الطويل إلا بأن هذا مظهر جديد من تقليد قديم أبي إلا أن يطل علينا من نوافذ العصور المتضرمة . إنها بدرة الملبس وقد اتشحت بوشاح جديد . إنني أفهم الفكرة الأولى التي بدأت في أول الأمر عندما كان الطلاب يكلفون دراسة معينة في الأدب ثم يتقدمون إلى امتحان مسابقة فيفوز المبرز فيهم بمساعدة وامتياز في
مراحل التعليم المقبلة . وأفهم كذلك أن يطلب إلي الفتيان أنواع أخري من المسابقات لغرض معروف ، وهو تشجيع ناحية من نواحي التبريز والامتياز ، فإن هذا يتيح لنا فرصة الكشف عن المواهب المخبؤة ، وإيقاظ الهمم الناعمة . ولكني مهما قلبت الرأي لم أفهم معني لمكافأة الأوائل في الامتحانات العامة لأننا لا نشجع بهذا على شيء ولا نكشف به عن شئ . إنها لا تزيد على بدرة ملبس كريمة .
وهنا نسأل سؤالا آخر : لقد كانت الجوائز في أول عهدها نيفا ومائة من الجنيهات ، وقد اصبحت اليوم عشرة آلاف من الدنانير . ألا يصح لنا ان نتساءل : أيها أصلح لنا ، ولمستقبل ابنائنا ، ان نعطى الأوائل هذه الدنانير أيًا كانوا علي هذا النمط البدائي ، أم أن نمد الحياة كل عام بشروع جديد يفسح امام الشباب مجالا للعمل وإظهار المواهب الدفينة فيهم ؟ إنها عشرة آلاف دينار أيها السادة ، وأظنها تكفي كل عام لإنشاء مصنع صغير
أو مشغل يتفسح فيه المجال لأعمال الابتكار الفني أو معمل للبحث العلمى أو مدرسة أهلية نموذجية تساعد على التثقيف الصحيح ، أو، أو الخ . فإذا هي علينا الاهتداء إلى المشروعات المفيدة التى نصرف فيها هذه الدنانير ونستفيد بصرفها ، فلا أقل من ان نصور لنفسنا هدفا واضحا ، ونسأل أنفسنا سؤا صغيرا : ماذا شجعنا بهذه الآلاف من الدنانير ؟
فإذا كان ولابد لنا من أن نصرف هذه الألوف بغير قصد ، فلنمد إلى تقاليدنا القديمة الصريحة ،لنأخذ هذا الذهب الوهاج ، ونتجه به إلى ساحة مجمع فيها مئات الألوف من الأبناء ، ثم ننثرها عليهم كما كان (العرسان ) يفعلون من قبل ، فهذا علي الأقل يحيي لنا تقليدا مرحا ، وتكون قد عرفنا حقيقة ما نفعل ، إذ نكون قد عمدنا إلى شئ مقصود لذاته ، وهو إحياء سنة ( بدرة الملبس )

