هذا أول كتاب دونته باسمك ، وأودعته بعض ما أو حيته الى من رأى وعاطفة .
ولدى ! إن الدنيا تبتسم لي بثغر لما أعرفه لها ، ويشبه لى أنى أعيش حياة جديدة ، وما أرى إلا أنها دنياك ياصفوان حلت إلى جانب دنياى ، فصرت أحيا مرتين بآن واحد ، وتضاعف كل شئ لدى حتى كان نفسى أصبحت تحل فى جسمين ، وروحى تكمن فى نفسين .
عزيزى صفوان ! امعن النظر فى مهدك الذى ترقد فيه ، فأشعر بأن قطعة من نفسى عزيزة حلت فى هذا السرير ، فأتجه إليها ، وأعتز بها فرحا ، وأرقيها خائفا طامعا ؛ حتى إذا عرض لى عمل يقصينى عنها ، شاهدت نفسى تتجزأ ، فغبت وأنا حاضر ، وبعدت وأنا قريب . إن ذلك لتمدد الحياة وتضاعف الروح .
قلت لأمك : إنك فى هذا أريتنى العجب العجاب . فقالت ؛ لاعجب .أفليس الولد ريحانة النفس وفلذة الكبد ؟ ألا فاعلم يابنى أن النساء يؤمن بالمعجزات قبل الرجال ،
يرين فيها جمالا وإيحاء ، لا عجبا وإعجازا . ذلك أنهن يلدن ما يعجز المرء عن الإتيان بمثله ، لا بل عن محاكاة بعض أجزائه .
إن كل طفل إلا آية مما أبدع الله ؛أما أنت فإنك عندي آية سرور ومعجزة سعادة .
إني آمنت بالله قبل هذا ، وإنى الآن نؤمن به اكثر . ومالى لا أزداد إيمانا ، وأنت بجانبى تدل على الخلق ببديع تكوينك ، وتشير إلى الجنان بسعادة من حولك ، وتشعر بالنار من خشتيهم عليك . أى حبيبى صفوان ! إنك لى آية كاملة : فيها الإبداع والسعادة والخشية .
أولا أحبك بعد هذا حب المؤمن ؟ ثم ألا انظر اليك نظرى إلى المعجزة حبورا شفوقا راغبا .
على أن أمرى يتعدى الإيمان إلى أقصى الفخر والعزة ، فانك إن اشبهت غيرك بتكوينك وصوتك ونظرك ، لأنت عندى تفوق الشبيه ، وتعلو عن التكافؤ . ولعلى غير مذنب فيها أعتقد ، أفليست عاطفتى جاثمة عندك ، وأملى ممتزجا بكيانك ، وحياتي وديعة بطرفك ؟
إلا إنى أب جديد يقدم قسطه فى صرح العروبة والإنسانية ، وهو معتر فخور ، حتى إذا صلح زرعه ، وكثر قمه ، كان مصيبا وبفخره حريا .
ألا يارب مد فى عمرى حتى أرى صفوان شابا كما أرغب ، وأدمه حتى يصبح شيخا كما يبتغى ، وقونى على تربيته حتى اكون جديرا بالفخر يوما بعد يوم ، وحريا بالسعادة آنا بعد آن .
ألا يارب أدم حياة كل طفل حتى يشيخ ، ومد فى عمر كل أب حتى يرى طفله يافعا . إنك أنت الخالق ، وأنت على كل شىء قدير .
(دمشق)

