الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

اثر ابن خلدون فى النهضة الفكرية للتاريخ الحديث

Share

كان ظهور ابن خلدون في اواخر القرون الوسطى حدثا له اعتباره الخاص لانه كان من الشخصيات القلائل التي يؤثر ظهورها في مجرى التاريخ تاثيرا جوهريا ينقطع به ذلك الركود الذي يسيطر احيانا على منابع الحياة الفكرية دهرا طويلا فلا يرتفع الا بظهور عبقرية خارقة للعادة تفور بها المنابع الغائرة وينقلب سير المجاري الى تيارات لم تكن تندفع نحوها من قبل .

فقد امتاز ابن خلدون بنزعته الشخصية و اسلوبه الذي لم ينسح على منوال سابق . فكان التراث الذى خلفه لنا من علمه وبحثه مثالا موجها للاساليب والنظريات التى استنارت بها عقلية العصور الحديثة .

تكون ابن خلدون تكونه الثقافي في القرن الرابع عشر بجامعة تونس الاسلامية الكبرى الزيتونة على الطريقة التى تكون بها امثاله من اعلام الثقافة الاسلامية بالمغرب - طريقة ابن رشد التي تقيم التربية العقلية على ثلاث قواعد متوازية - الدين الاسلامي ، والادب العربي ، والفلسفة التعليمية الجديدة ، التي شيدها الفلاسفة المسلمون على أصول فلسفة ارسطو اليونانية ثم ان ما تمكن لابن خلدون من المشاهدات التي يعز تكرر امثالها في التاريخ وما استفاد من تلك المشاهدات من العبر وما اكتشف من دخائل السياسة ومكائد القصور في نظم الحكم التي مارسها بتونس والجزائر والمغرب الاقصى والاندلس قد بعث انتباهة الى ملاحظة الوضع السيء الذي كانت عليه الدول الحاكمة والوضع الاسوإ الذي عليه المجتمع المحكوم . وكلما انتقل من قطر الى قطر رجاء الظفر بالمثال الصالح تبين له بما يجابهه من الخيبة ان نظم الحكم في تلك الاقطار قد كانت من فساد الوضع بحيث لا يفضل بعضها بعضا . هنالك استقر حكمه على ان للدول والمجتمعات صورة مثالية صالحة ينبغي ان يبحث عنها في النطاق الخارج عن واقع عصره . فاتجه الى الصورة الاصلية للحكم الاسلامي الواضحة في ذهنه استمداد

من عناصر ثقافته واتخذها بمقتضى يقينه في العقيدة الاسلامية ، المثال الاكمل للدول والاضمن لصلاح المجتمعات المحكومة به

ولما قارن تلك الصورة النظرية بالصورة الواقعية تبين له البون الشاسع بينهما فهاله وكون في نفسه دوافع قوية لسبره وضبط مداه فدفع به ذلك الى اجراء طريقة من التحليل للوضع الاسلامي في ما يرجع الى الدولة والسلطة وحق الحكم ووسيلته ، وخطط تلك الطريقة التحليلية على مباديء المنطق في ترتيب المقدمات واستخراج النتائج ، ثم قارن بين الصورتين المبدئية والواقعية على قاعدة " القياس الاستثنائي " فاتضح له مقدار الاختلاف بينهما مضبوطا محدد المواقع . ودفع به ذلك الى طلب الاسباب التي قضت بالاختلاف فاخذ يصنف مواقع الاختلاف بارجاع بعضها الى بعض واخراج الاوجه الجامعة بينها ويستنبط لكل صنف من اصناف الاختلاف علة كلية مستمدة من استقراء الجزئيات وتعميم الحكم عليها ، يشرح بها ان الجزئيات المتكررة ما هي الا مظاهر لقاعدة عامة ناشئة من الطبع الانساني باعتبار مظهره " الفردي تارة وباعتبار مظهره الجماعي تارة اخرى . حتى صارت تلك القواعد العامة في نظره قوانين طبيعية يسير عليها تطور المجتمعات البشرية من حيث علاقتها بنظام الحكم وتلك القوانين هي التي تتسبب بحسب ملابسات الظروف فى اخراج صور التاريخ على نحو ما هى عليه .

وبهذا كانت " القوانين الطبيعية " التي قررها ابن خلدون في مقدمته متولدة عن تفكيره الخاص وبحثه الشخصي لانه لم يتح لاحد قبله ان يدرس المجتمع الانساني على الطريقة التي درسه هو بها من اعتبار صورة مثالية كاملة لاريب فيها من جهة واعتبار مظاهر واقعية منحرفة عن تلك الصورة من جهة اخرى وتطلب القانون الطبيعي الذي قضى بذلك الانحراف . فجاءت " المقدمة " المتضمنة لتلك القوانين وضعا جديدا مبتكرا من اوضاع الدراسة التاريخية كما شعر هو نفسه بذلك وصرح به فى تقديم مقدمته .

وعليه فان ابن خلدون بهذا الصنيع المبتكر يعتبر السابق الى فتح مناهج البحث فى حقيقة الاجتماع الانساني وتقرير الاساليب لتعليل التطور التاريخي على طريق لم يطرق قبله . وبفضل ابن خلدون في فتح ذلك الطريق تأتى للعصر الحديث ان يسلك المناهج العلمية التي بدا فيها بروز علم الاجتماع وعلم

الايتنوغرافيا وتقدمت عليها المباحث التاريخية والجغرافية . وفوق ذلك كله ازدهار " المنهج " العلمى الذي اختصت به النهضة الفكرية فى اوروبا منذ القرن الخامس عشر واشتد به ساعد الحكمة التجربية فى القرون اللاحقة .

واذا كان للقرن التاسع عشر ان يفتخر بظهور علم الاجتماع وبما لا مثال " اوغست كومت " و " هربرت سينسر " من فضل فى تقدمه فان فضل اولئك الاعلام مدين لابن خلدون بما وضع بين ايديهم من اصول علم الاجتماع الذي كان هو واضعه الحقيقي .

فليس في آثار الحكمة السابقة لظهور علم الاجتماع على يد اوغست كومت من اثر يتناول موضوع الاجتماع الانساني بطريقة فلسفية غير اربعة كتب - هي كتاب الجمهورية لافلاطون وكتاب السياسة لارسطو طاليس وكتاب آراء اهل المدينة الفاضلة للفارابى والمقدمة لابن خلدون . ولكننا اذا قارنا بين هذه الكتب تبين لنا ان ليس فيها ما يتناول الاجتماع بالبحث عن اصول تكونه وعوامل تطوره  ونواميسه الطبيعية غير مقدمة ابن خلدون . فان افلاطون والفارابي قد عنيا بالجهة الاخلاقية المثالية بدون نظر الى الواقع الخارجي ، فلم يصفا طبع المجتمع ولم يعللا لماذا كان كذلك ولم يكشفا عن القوانين المقضية لاختلاف اشكاله واطواره وتفاوت نسبتها قربا وبعدا من المثل الصالح ، وارسطو طاليس تناول السلطة الحكمية من حيث مسالك الرشد واسباب النجاح وواجبات الصلاح في طوره توجيه تربوي عملي . ولكن الوحيد من بين هؤلاء الذين تناول ماهية الاجتماع وعوامل التوحد الاجتماعي وعلل اختلاف اشكال المجتمعات وتطوراتها بصورة تتلاقى مع الغاية التي توخاها كومت في محاضراته انما هو ابن خلدون وحده حتى ان كلمة الطبيعة الاجتماعية Physique Socialeالتي حدد بها اوغست كومت موضوعه ، هي عين الكلمة التي اخترعها ابن خلدون ورددها وضبط بها غاية بحوثه " طبيعة العمران " .

وان ملاحظة الظروف التي كانت تعيش فيها الحركة الفكرية باروبا في القرن الرابع عشر وما بعده لتدلنا على ان بحوث ابن خلدون الاجتماعية لم تكن بعيدة عن الاتصال بمجاري التطورات العلمية والادبية ولم تمر غير مشعور بها . فقد صدرت مقدمة ابن خلدون في العهد الذي كانت فيه المدارس العلمية باروبا شاعرة اتم الشعور بماهية الثقافة الاسلامية ومنبهرة انبهارا عجيبا بتقدم المسلمين في

الرياضيات والطبيعيات وبخاصة في الكيميا وكان "  رحي بيكن "Roger Bacon قد وجه مدرسة اكسفرد واروبا كلها الى اهمية مذهب ابن رشد في الحكمة التجريبية كما كانت المترجمات الهامة للكتب العربية في الطبيعة والكيمياء والجبر والفلك قد انتشرت انشارا وصل بين مسالك التفكير الاسلامي وبين اتجاهات اليقظة العقلية في اروبا زيادة على نشاط حركة الاستعراب وتكاثر عدد المستعربين الذين بداوا يرتادون البلاد الاسلامية وخاصة المغرب العربي للبحث عن شؤونها ، وعلى ما كان من اشتداد حركة النزاع بين الاسلام والنصرانية في اسبانيا وما نتج عن ذلك من تكرر المفاوضات والمهادنات وتبادل السفارات بين قصور الملوك المسلمين في غرناطة وفاس وقصر الملوك المسيحيين فى قشتالة ، وقد كان ابن خلدون بنفسه متوليا بعض تلك السفارات .

وكل هذا يظهر لنا ان مقدمة ابن خلدون بمجرد بروزها في بلاد الاسلام قد لقيت تيارا قويا من الجاذبية اخذ بها وبما فيها من النظريات نحو الغرب المسيحي فكان ذلك فتحا لابواب من المعرفة وطرقا لمناهج من البحث تأثرت بها النهضة الاوروبية في تطور الاساليب وانتاج القضايا العلمية والنظريات الحكمية بما بدت اثاره في تطور المنهج الجغرافي والمنهج التاريخي وتولد علم الاجتماع ثم تولد علمي طبقات الامم ( ايثنوغرافيا ) وطبائع الامم ( انتروبولوجيا ) .

وان ما اصبحت عليه مناهج الدراسات التاريخية الان من اختلاف تام عن مناهجها القديمة حتى في مدلول كلمة " التاريخ " لمرتبط كما كان لابتكارات ابن خلدون في اسلوب الدراسة التاريخية من التأثير فى حركة التطور الفكري في القرن الخامس عشر . فقد كان التاريخ قبل ابن خلدون " حكاية وعرضا للاحداث فاصبح عند ابن خلدون نقدا وتمحيصا لدراسة الاخبار واعمالا لطرائق البحث الفلسفي لاستخراج صور الحياة الماضية بالقياس والاستنتاج واستنباط القوانين العامة من مقارنة صور الاحداث . وتلك هي الطريقة التاريخية الجديدة التي بدات تنتشر في اروبا اواخر القرن الخامس عشر بظهور " ميكافيلي " في ميدان الادب الايطالي ثم ازدهرت واشرقت بعد ذلك بما تعاقب من التطور في القرن السادس عشر والسابع عشر فى عامة الاداب الاروبوية حتى ظهر عام التاريخ في صورته الفلسفية الرائعة في القرن الثامن عشر بامثال مونتسكيو حيث اصبح علما ذا دراسة موضوعية وثيقة واتصل بالعلوم التي اصبحت مسائلها مقدمات له فصار

من جملة " العلوم التجريبية " واتخذ لنفسه هالة من علوم عدة اصبحت " العلوم التابعة للتاريخ " ومن هذا الشكل الجديد الذي اصبح عليه علم التاريخ تولدت نظريات عامة اتخذت قوانين لتعليل الاحداث فاصبحت هي بذاتها مادة لدراسات تطبيقية امتدت بها تلك النظريات على صور الحياة الاجتماعية واطوارها فتولد منها علم الاجتماع في منتصف القرن التاسع عشر . بعد ان ترجمت مقدمة ابن خلدون بنصها الى اللغة الفرنسية وطبعت في باريس سنة ١٩٣٤ . فان دراسات اوغست كومت التي تعتبر تاسيسا لعلم الاجتماع في صورته الايجابية لم تبرز الا بعد تسعة عشر عاما في سنة ١٨٥١ بكتاب " مذهب السياسة الايجابية " Systeme de Politique Positive وان الذي يقرأ قول ابن خلدون في نقد مناهج المؤرخين القدماء انها :

" حوادث لم تعرف اصولها . . . محافظين على نقلها وهما او صدقا "

ثم عندما

يصف طريقته الخاصة بقوله

" ابديت لاولية العمران عللا واسبابا . . . وسلكت

مسلكا غريبا واخترعته من بين المناحي مذهبا عجبا

شرحت فيه احوال

العمران والتمدن وما يعرض في المجتمع الانساني من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكائنات واسبابها " يتبين له ان هذه الخطة هي التي سار عليها كومت بالضبط وكذلك الذي يرى ابن خلدون يمهد الى الكلام على المجتمع الانساني بتفصيل الجغرافيا ويعلل اختلاف الامم باختلاف طبائع الارض وطبائع الجو وبما بين الابدان والاخلاق من التفاعل يدرك ان ابن خلدون قد وجه علم التاريخ الى اعتناق علم الجغرافيا وشوق الناس الى معرفة الجغرافيا بما حرك فيهم من غريزة التطلع الى معرفة انفسهم . وبذلك صار لعلم الجغرافيا مظهر فلسفي انساني هو الذي ارتفع به الى المنزلة التي بلغها في عصر النهضة وظهر بها علم " الجغرافيا العامة " في المانيا في منتصف القرن السادس عشر .

اما نظريات ابن خلدون في مظاهر الحضارة الفكرية والصناعية وقوانينها وارتباطها بالطبائع الارضية والاحوال الاجتماعية والاوضاع الاقتصادية وفي اطوار الانسانية الطبيعية من البداوة والحضارة وقانون تنقل الغلبة وما يرتبط بذلك من الاحوال الجغرافية فذلك هو الذي يدل على ان ابن خلدون قد بدا يشير الى اندراج من البحث في الدراسات الانسانية لها من القيمة الاصلية والغرابة ما كان

سامحا لها بالظهور في مظهرها الاستقلالي الذي بدت فيه بعلم الانتروبولوحيا والايتنوغرافيا .

فابن خلدون هو مصدر تيار قوى جديد من الروح التجريبية والايجابية والنظر العلمى الواسع الافق تهذبت به العلوم الانسانية وتوسعت وتفاعلت واكتسبت من المعلومات المخترعة والملاحظات الطريقة ما دخل بها في ادوار جديدة واظهر فى دائرتها علوما مستقلة ناشئة .

وبذلك كانت له يد طولى على ابتداء العص الحديث بما امتاز به من النهضة الفكرية والادبية وربما حتى حركة الاصلاح الديني بل ان تلك اليد امتدت آثارها حتى مست بتطور العلوم الانسانية في القرن التاسع عشر فكان ابن خلدون استاذا مباشرة لكومت في فلسفته الايجابية وآثاره في العلوم الانسانية واستاذا بواسطة لدور كايم في مذهب تاصيل القيم الاجتماعية .

اشترك في نشرتنا البريدية