الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد الثالثالرجوع إلى "الرسالة"

الأدب والعلم

Share

مرت كلمة الأدب والعلم فى اللغة العربية فى أدوار عدة، استعملوا  كلمة الأدب أحيانا فيما يرقى الخلق ويهذب النفس واستعملوها  أحيانا بمعنى أوسع حتى عدوا أفحش شعر لجرير والفرزدق والاخطل أدبا، وعدوا خمريات أبى نوأس وغلمانياته أدبا كما يعد الفنان بعض الصور فنا وان كانت صورة لوضع مستهجن أو فعل فاضح، وكذلك الشأن فى كلمة العلم، كانوا أحيانا لا يستعملونها إلا  فى العلم الدينى، ثم توسعوا فى معناها حتى شمل كل ما ينتجه العقل والفن.

وفى العصور الحديثة فرقوا بين الأدب والعلم ورسموا لكل دائرة،  ومن ثم كانت الصحيفة أو المجلة أحيانا أدبية، وأحيانا علمية، وأحيانا أدبية علمية، وأصبح من المضحك أن نقول علم الأدب لأن العلم غير الأدب، وأصبح لدينا من يسمى (أديبا) فلا يكون عالما، وعالما فلا يكون  أديبا، وقد يكون أديبا عالما ولكن كلمة "عالم" الأزهرية انما اشتقت  من العلم بالمعنى الواسع الذى يشمل الادب والعلم معا.

وبعد فما الفرق بين العلم والادب، وما الذى يجعل الادب أدبا  والعلم علما؟

الحق أن كلمة الأدب والعلم من الألفاظ الغامضة التى نفهمها نوعا من الفهم فاذا أردنا تحديدها حرنا فى أمرها، كالجمال والعدل والخيال والحرية والعبودية، واذا سألنا - حتى الخاصة - فى معناها  أجاب كل حسب ميوله وأغراضه وحسب طبيعة فهمه للكلمة.

هناك أشياء لا نشك فى أنها علم أو أدب، فلو سئلت عن نظريات الهندسة وقانون اللوغارتمات وقوانين الحساب والطبيعة والكيمياء  فذلك علم بالبداهة، وأذا سئلت عن قصائد بشار وأبى نواس والمتنبي ومقامات الحريرى فذلك أدب لا علم، ولكن ما حدود الادب وما حدود العلم؟

قد عودتنا الطبيعة أن الاضداد تفهم ما تباعدت، فاذا ما تقاربت حدودها صعب فهمها، ما أسهل ما تقول أن هذا ظل وهذا شمس، ولكن عند تقارب الظل من الشمس تجد خطوطا يصعب أن تقول أهى ظل أم شمس، وما أسهل ما تقول أن هذا الماء حار أو بارد اذا اشتدت حرارته وبرودته ولكن ما أصعب ذلك اذا أخذ الحار يبرد والبارد يسخن فانك تصل لا محالة الى درجة يعسر عليك الحكم  فيها بالحرارة أو البرودة.

أكبر ظاهرة فى التفريق بين الادب والعلم أن الأدب يخاطب العاطفة، والعلم يخاطب العقل، فاذا قلت ان زوايا المثلث تساوى قائمتين فانك تخاطب العقل ولا تمس العاطفة واذا قال المتنبي: خلقت ألوفا لو رحلت الى الصبا    لفارقت شيبي موجع القلب باكيا

فهو يمس العاطفة أولا، ومن أجل هذا كانت الجملة الاولى علما وبيت المتنبي أدبا.

العالم يلاحظ الاشياء يستكشف ظواهرها وقوانينها وعلاقتها بأمثالها وما يحيط بها، على حين أن الاديب لا ينظر اليها إلا من حيث أثرها فى عواطفه وعواطف الناس، ينظر النباتى الى شجرة الورد فيدرس كل جزء منها والتغيرات التى تطرا عليها من وقت بذرها الى وقت فنائها، ومن أية فصيلة هى، وما علاقتها بالفصائل  التى تقرب منها، أما الأديب فينظر الى أجزاء الشجرة منسقة متناسبة ويرى أنها لم تخلق إلا لزهرتها الجميلة، وأن بين الزهرة وقلبه نسبا.  يعجب بحمرة لونها على خضرة أوراقها ويذهب خياله فى ذلك كل  مذهب. أما النباتى فيبحث لم كانت الزهرة حمراء وأوراقها خضراء.

عالم الحياة لا يرى فى الفتاة المحبوبة إلا انسانا خاضعا لكل ابحاث البيولوجيا أما الاديب فيرى فى محبوبته شيئا وراء كل ما يبحث عنه العالم هى، الحياة وهى الدنيا وهى النعيم إذا وصلت والبؤس اذا  صدت، أو يقول مع القائل: ويلاه ان نظرت وان هى أعرضت    وقع السهام ونزعهن أليم

فالكلام اذا لم يثر عاطفة لم يكن أدبا فأذا هو خاطب العقل  وحده كان علما، واذا أمعن فى اثارة العاطفة كان أمعن فى الادب. وليس الأدب وحده مر لغة العاطفة فقد تفوقه فى هذا الموسيقى فهى  قادرة على أن تضحك وتبكى، وتسر وتحزن، وتسر سرورا حزينا،

وتحزن حزنا سارا، وتؤلم ألما لذيذا، وتلذ لذة أليمة، وتثير الشجاعة حتى لتدفع الى الموت، وتنفث الخمول حتى لتدعو الى النوم، تقدر الموسيقى أن تفعل كل ذلك فى العاطفة، وهى أقدر من الأدب لأن الادب يخاطب العاطفة بواسطة الكلام ومن طريقه أما الموسيقى فتخاطب العاطفة وجها لوجه من غير وسيط، تؤثر فيك أدوار  العود والقانون والبيانو ولو لم نصخب بكلام ولو لم تفهم أى معنى منها، بل قد تكره أن تفهم الا النغم وحلاوته والتوقيع وعذوبته.

أما الأدب فلما اعتمد الكلام والكلام انما يفهم بالعقل،  كان لابد للقطعة الادبية من قدر من العقل ومن المعانى تستثار بها  العاطفة وتهيج منها المشاعر.

وارتباط العاطفة بالأدب هو الذى منح الادب - لا العلم-  الخلود، فالنتاج الأدبى خالد أبدى لا النتاج العلمى، فقصائد امريء القيس والنابغة وجرير والفرزدق وبشار وأبى نواس والمتنبي كلها خالدة تقرؤها فتلتذ منها كما يلتذ منها من كان فى عصرهم، فأن أحتاج إلى شيء فتفسير ما غمض من الألفاظ والمعانى، وهو بعد يشعر بشعورهم ويسر كسرورهم، ثم القطعة الادبية لا تمل، تقرؤها ثم تقرؤها فتسر منها فى الثانية سرورك منها فى الاولى، بل تحفظها ثم  تتعشق تلاوتها وتكرارها، وليس ذلك هو الشأن فى العلم فحقائق العلوم خالدة ولكن منتجات العلوم غير خالدة فما فى كتاب أقليدس  من نظريات هندسية خالدة ولكن الكتاب لا يقرؤه الآن الا من أراد أن يرجع الى تاريخ الهندسة، وكل كتاب فى الهندسة يموت  بمرور سنين عليه ولا تعود له قيمة الا القيمة التاريخية مهما حوى  من نظريات جديدة وترتيب جديد، وكذلك كتب الحساب والجبر والطبيعة والكيمياء والفلك ليست خالدة وان كانت الحقائق التى  فيها خالدة، بل الطبعة الثانية من هذه الكتب تقضى على الطبعة الأولى بالفناء اذا دخلها تغيير، وليس طالب علم الآن يرجع الى ما ألف  من خمسين عاما الا اذا أراد أن يؤرخ العلم ولكن طالب الأدب  يرجع الى ديوان المتنبي الآن ليتذوق أدبه ويلذ مشاعره كما كان ذلك منذ ألف عام، وقد حفظت بعض قصائده ولا أزال أستمتع بترديدها ولكن أن أنت قرأت كتابا فى الرياضة وفهمت ما فيه لا تستطيع بحال أن تعيد قراءته الا على مضض.

والسبب فى هذا - على ما يظهر- أن عواطف الناس لم تتقدم  كما تقدمت عقولهم، قد ترقى العواطف شكلا فترى ان الاحسان الى  الفقير بأعطائه درهما ليس خيرا ولكن خيرا منه بناء مستشفى وانشاء ملجأ ونحو ذلك، ولكن العاطفة هى هى فى أساسها، وقد ترقى  عاطفة الحنو الأبوى فلا ترى مانعا من دفع الاولاد الى حرب الحياة

وجوب الافطار، ولكن العاطفة فى أساسها واحدة. أما العقل فوثاب دائما راق أبدا، فى الشكل وفى الاساس يرى حلالا اليوم ما كان  حراما بالأمس ويرى حقا الآن ما كان باطلا من قبل ويخترع كل يوم جديدا ويصوغ حياته وفق الجديد. ومن أجل ذلك لا يلذ له أن يقرأ عقل السابقين الا كما يقرا تاريخهم ولكن عواطفه هى هى  ركزت وثبتت فتلذذ اليوم بما يمثل عواطف الاقدمين وان كرت عليها  الدهور وتوالت العصور، وليس الامر بهذا القدر من السهولة فى الفصل بين الادب والعلم. فهناك أنواع يصعب الفصل فيها حتى على الخاصة اادب هى أم علم، هناك أدب "معلم" وهناك علم "مؤدب"  هناك تاريخ صيغ صياغة أدبية فلا يكتفى بسرد الحقائق وتعيين  زمن وقوعها وإنما يضع ذلك فى قالب يثير شعورك للاحتذاء والقدوة  أو للحب أو الكراهة. وهناك فلسفة صيغت فى قالب قصة، وهناك  طبيعة وكيمياء صاغتها يد صناع ماهرة فى الفن تحمل قلم أديب  فأخرجت منها موضوعات شيقة تثير عاطفة الجمال وتستخرج  الأعجاب بما فى هذا العالم من ابداع وفن.

هذه الموضوعات وأمثالها ليست أدبا خالصا ولا علما خالصا  وإنما هى علم أدبى أو أدب علمى، هى أدب بمقدار ما تثير من عاطفة،  وهى علم بمقدار ما فيها من حقائق.

العلم لغة العقل، والأدب لغة العاطفة، ولكن لابد فى هذه الحياة أن  يلطف العلم بالادب، والادب بالعلم، فالعقل اذا جمح استخف بالشعور  وجعل الحياة ثمنا للعلم، وهو اذا مزج بشيء من الادب مس الحياة ورفه  على الناس، والعاطفة اذا شردت كانت ثورانا وهياجا. ألا ترى  التعجب يزيد فيكون نباحا، والعشق يهيم فيكون جنونا ،

اشترك في نشرتنا البريدية