كانت قاعة المحاضرات هذا المساء بمعهد التربية العلي بالإسكندرية لا تكاد على سعتها تسع المستمعين. وما إن جاء موعد المحاضرة حتى وقف صاحب العزة عميد المعهد يقدم السيدة أسماء فهمي بقوله: إنها كانت أول طالبة في الجامعة المصرية وقد سافرت إلى أوربا وتخصصت في التربية. وكانت أول عميده مصرية لمعهد التربية للمعلمات. ثم وقفت السيدة (أسماء فهمي) وأشارت إلى أنها ستعرض للاتجاهات ا لحديثة في إعداد المعلمين لا في مصر وحدها بل في أمريكا وإنجلترا وفرنسا. فقالت: لم تكن هناك مشكلة الإعداد للمعلمين فكان كل من أراد أن يتصدى للتعليم يجد أمامه السبيل ميسره. وفي سنة ١٨٧٢ أنشئت أول مدرسة لهذا الغرض وهي دار العلوم. وفي سنة ١٨٨٠ أنشئت مدرسة المعلمين؛ حتى إذا كان الركن الأول من القرن التاسع عشر أنشئت أول مدرسة لإعداد المدرسين للمدارس الأولية كانت تدرس فيها التربية بجانب المواد الأخرى.
ثم أشارت إلى الحالة في إنجلترا فقالت: وفي لإنجلترا حتى سنة ١٨٦١ ألفت لجنة لدراسة حال المعلمين، وأشارت إلى من كان يتولى التدريس في تلك العهود بقولها: فالخدم والعاملون وأصحاب المطاعم والفقراء والمصبون بالسل، كل هؤلاء كان يمكنهم التدريس في المراحل الأولى. أما التدريس في الثانوي فكان يستمد من الجامعات. وفي أمريكا قبل منتصف القرن التاسع عشر لم تكن هناك مدارس للمعلمين، حتى إذا ارتفع لسان النقد قائلاً: كيف لا نفكر في المعلمين وإذا أردنا إصلاح حذاء فكرنا فيمن يجيدون ذلك! وسرعان ما اتجهت بفضل هذا النقد إلى طرق إعداد المعلمين. وبعد الحرب العالمية الأولى نشطت الاتجاهات الإنسانية وتجلى ذلك في إعداد المعلمين ففي مصر اتجهت العناية بمدرسة المعلمين واهتموا بتعديل مناهج المدرسة السنية، ولم يكتفوا بمدارس المعلمين، بل قامت معاهد التربية. ثم تحدثت عن إعداد المعلم في أمريكا بقولها إن أهم الهيئات في أمريكا لإعداد المعلمين هي الجامعات، والكليات ومدارس النورمال؛ ففي الولايات يبلغ عدد الجامعات ٩٥ جامعة. وبأمريكا ١٧٠٠ معهد لإعداد المعلم وأمريكا مع هذا تشكو قلت المعاهد. وأهم ما يسترعي النظر أن الجامعة هناك تطلب إلى من يتقدم إليها للتدريس شهادة بحسن السير والسلوك وشهادة تثبت اهتمامه بالشئون الاجتماعية. وفي أمريكا يجمعون
بين التعليم المهني والنظري. أما في إنجلترا فالدراسة في الجامعة نظرية؛ وبعد الجامعة يتلقى الطالب التعليم المهني. وفي أمريكا لا يفرقون في الإعداد بين المدرس الأولي والثانوي فشهادتهما واحدة، وإن كان بينهما اختلاف ففي بعض المواد التي يقومان بتدريسها وتبدي أمريكا اهتمامها الشديد بمشاكل البيئة، فكل طالب يكلف ببحث عن البيئة التي يعيش فيها، ثم تقرأ هذه البحوث في اجتماعات خاصة ومن الاتجاهات الحديثة في أمريكا عمل دراسات صيفية يختلف إليها المدرسون في الصيف فتكون الجامعات في الصيف أشبه بخلايا. وهناك عيادات لعلاج عيوب القراءة أو عدم القدرة على النطق. وفي أمريكا خصصت الجامعات مراكز للإيضاح فيحصل المدرس على ما يريد من أشرطة سينمائية أو ملابس أو غيرها بواسطة الأخصائيين. ثم أشارت إلى أن الجامعات في أمريكا يقصدها الشعب من جميع الطوائف من أطباء وتجار وأصحاب مهن؛ فإذا ما اجتمع المدرس بهؤلاء كان عاملاً مهماً في توسيع دائرة فكره. ومن الاتجاهات الحديثة أيضاً العناية بسيكولوجية الطفل المباشر ولا يكتفي بالمحاضرات في علم النفس بل يطلب إلى الطالب أن يلازم بعض التلاميذ في إلى البيت والمدرسة وفي ألعابهم وفي غدوهم ورواحهم ويدرسهم على ضوء علم النفس دراسة موضوعية غير مفسرة، ثم تقدم هذه الدراسة إلى الجامعة.
ثم أشارت إلى الحالة في مصر بقولها: إلى أي حد يتمشى في مصر هذا النظام لقد تعددت فيها المعاهد دون ترابط: فهذه معاهد التربية ومدارس المعلمين والمعلمات الأولية والراقية. وإلى جانب ذلك يوجد عدد آخر، فلا شك أنها تشكيلة كبيرة، وهذا ينافي مبدأ الديمقراطية. ولا يزال الكثير منا يدين بالتفرقة بين مدرس المدارس الأولية والابتدائية والثانوية، ويذهب في زعمه إلى أنه لا حاجة بنا إلى إمداد مدة دراسة المعلم الأولى، فعمله لا يحتاج إلى كثرة المعلومات.
وهذا خطأ من الوجه السيكولوجية، فمهمة المدرس خطرة في كل مرحلة من المراحل الأولية أو الابتدائية أو الثانوية، ويجب أن يكون حاصلاً على أكبر قدر من الثقافة. وقد يكون لنا بعض العذر في قبولنا لهذا القدر الضئيل من الثقافة بالنسبة للمدرس الأولى لو كان الغرض هو إيصال المعلومات، ولكنه مدرس ومرب ومنشئ جيل. وختمت السيدة الفاضلة المحاضرة بالإشارة إلى حاجتنا إلى تقوية الوعي القومي في معاهد المعلمين، ثم
قالت: وعلى المعلم تقع أخطر المسائل، وفي عنقه أعز الأمانات، فإذا نجحنا في إعداد المدرس الصالح فلابد أن ننتصر على كل مشاكلنا التي تعترضنا في التربية والأخلاق.

