ليس من الحكمة أن نتقى بالناس الذين لم يتعودوا ترصين أعمالهم وإحكامها ، ومهما تحسن نواياهم وتخلص مقاصدهم . ويكثر اجتهادهم ، فإنهم غير امناء حقا وذلك لأن رأيهم على عدم استيفاء الأشياء والتوغل إلى أصولها واستيعاب دقاتقها ، لابد أن يطغى على أقوالهم وبلاغتهم من حيث لا يشعرون ، ومثل هؤلاء الناس قل أن يقام لهم وزن فى المجتمع الإنسانى ، بل قل أن يكون لهم خطر فى محيطهم فلئن كانوا من أهل السمت الذين اشتهروا بمجال السيرة ، إلا أنهم ليسوا ممن يمكن أن يعتقد فى أقوالهم ، أو يعتمد على حكمهم وإجراءاتهم . فإذا قاموا فى القوم خطباء ، انصرفت عنهم الوجوه ، وتقادت عن سماعهم الأذان ، لأن جل بضاعتهم حنجرة صلبة وألفاظ تغنى بشقشقتها الثقة ، وتضيق من دونها أصمخة التثبت
والتحقيق . وإذا تكلموا فوق منابر الوعظ ليردوا شارد الأهواء ويقودوا حرون الشهوات ويقوموا زيغ النفوس - أعرضت عنهم القلوب وانقبضت عنهم الصدور وسئمت أشخاصهم الأبصار ، وكانوا فى كل حال على حد منكب مع الجميع . أما إذا مثلوا فى دار العدالة ، واتخذوا موقف الشهود ، فإن القضاة يتقبلون شهادتهم بكثير من الحذر والتحفظ . وكيف يمكن أن تلقى مقاليد الأمور أو يرجع فيها إلى قول رجل محراج أرجل أعفك ، وكان فى حركاته وسكناته خفيف الهام سفيه الأحلام تزفا لغما
حقا أن الفرق عظيم بين السلوك فى الطريق السوى المستقيم . وبين الأنحراف القليل عن جادته . ومن المعلوم أن الناس الذين لا يعرفون للاستيقاء والدقة معنى ، هم الذين لم يستهلوا رحلة حياتهم استهلالا صائبا . وفانهم أن يدركوا أن الذى نضعه فى بدء حياتنا يتغلغل فى جملتها ويستمر إلى نهايتها ، بل إن كل شئ فيها يكون له أصل من هذه البداية وإن حصاة نضعها فى المجرى الصغير ، من شأنها أن تغير مسلك النهر الكبير . وكذلك بفعل عدم الحرص على الدقة فى الإتقان ، وكذلك يحول الأحراف من النظام دون نجاح كثير من الرجال ويغير مجرى حياتهم . إن الدقة فى مزاولة الأعمال والقدرة على تهذيبها واستكمالها ، وإكمالها على أحسن وجه مستطاع من أهم ما ينبغى أن يتعلمه الوليد فى صدر أيامه ، لأنها من أعظم مقومات خلقه وميزات أمانته ؛ ولسنا ننكر أن الرجال الذين كان يمكن أن يبلغوا ذروة النجاح ، بما أوتوا من الكفايات والمؤهلات ، قد أمسوا من النكرات وغدت المهن التى يحترفونها رخيصة كاسدة ؟ بل إن لم نقل إن إنتاجها تدرك إلى الحضيض ، لأنهم اعتادوا أن يبلغوا فى إنجازها إلى منتصف الطريق ، كما اعتادوا الغلو والإغراق فى رواية الأخبار . فلنتنبه ولنشحذ العزائم للأمر الخطير فى هذا الزمن الذى يدعو الوطن المفدى إلى المجد ، والمجد فى طوق الرجال المؤيدين النظارين فى الأمور ، المدققين فى الأعمال والأقوال .

