الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 647الرجوع إلى "الثقافة"

التعريف والرياضة

Share

ما هو التعريف السليم لعملية حسابية بسيطة كعملية ضرب ٢*٣ . . مثلا ، أو بتعبير آخر : ما هي الدلالة المنطقية لهذه الإشارة * قد يقال بأن عملية ضرب ٢*٣  إنما هي مضاعفة العدد ٢ بنسبة العدد ٣ . ولكن لو صح هذا القول - مؤقتا فيما يتعلق بالأعداد الصحيحة فإنه لا يصدق على الكسور لأن ١|٢  * ١|٢ مثلا يساوي ١|٤ فالمضاعفة إذا ليست جوهر عملية الضرب الحسابي . هذا إلى أن التعبير " بالمضاعفة و " بالنسبة إلى " ليس غير وصف خارجي للعملية لا يكشف عن مضمونها الباطني . وقد يقال كذلك بأن عملية الضرب هي تكرار عدد بالنسبة إلى عدد آخر . والتعريف هنا بين النقص . فهو لا يكشف كذلك عن مضمون عملية الضرب ، بل ويستند إلى عملية حسابية أخري هي عملية الجمع . خاصل ضرب عدد في عدد آخر يساوي كما نعرف تكرار أحد الأعداد - أي جمعه إلى نفسه بمقدار العدد الآخر . وهكذا نجد أن ذلك القول الثاني إنما يعرف عملية الضرب بالإشارة إلى أن نتيجتها تشابه نتيجة عملية أخري هي عملية الجمع . فهو لذلك لا يبين عن طبيعة عملية الضرب نفسها ولا يكشف عن طابعها التجريدي الخاص

ولقد انتهي إلي أن ذلك القول الثاني هو ما ارتضته إحدي لجان المجمع اللغوي منذ أيام تعريفا لعملية الضرب ويذكرنا في الحقيقة بتعريفات قديمة لحسابي العرب فلقد عرف بعضهم الضرب بأنه طلب عدد ثالث إذا قسم على أحدهما خرجها العدد الآخر . وهو تعريف - كما نري - يرتكز على عملية القسمة ، وهو كذلك يعرف الضرب بنتيجة العملية ، ويشبه في ذلك تعريفا آخر لعملية الضرب بأنها تحصيل عدد ثالث نسبته إلى أحدهما كنسبة العدد الآخر إلى الواحد . فالعشرون هي مضروب الخمسة في الأربعة والعكس ، ونسبة العشرين إلي الخمسة كنسبة الأربعة إلي الواحد . وكما أن العشرين أربعة أمثال الخمسة فكذلك الأربعة أربعة أمثال الواحد . ويتبين لنا من تلك التعريفات وغيرها

أنها - كما قلنا - تعرف الضرب إما بنتيجته أو بمشابهته بعمليات حسابية اخرى كالجمع والقسمة دون أن تمس عملية الضرب نفسها كعملية قائمة بنفسها ، وليست هذه النتيجة التي جلس إليها حكما بفساد تلك التعريفات ، وإنما بأنها ناقصة لا تستوعب الجوانب المختلفة لعملية الضرب .

والحق أن تعريف عملية الضرب يثير أمامنا مشكلات ثلاثا . أولاهما مشكلة التعريف نفسها وتطبيقها على العمليات الرياضية عامة والحسابية خاصة . فالتعريف عملية منطقية فكيف يجوز لنا أن نطبقها على الرياضة . أما المشكلة الثانية فتتعلق بعناصر عملية الضرب وهي الأعداد . ثم معنى العدد وما دلالته . . ولا شك في أنه لا سبيل إلى معرفة طبيعة عملية الضرب دون أن نعرف حقيقة العدد . أما المشكلة الثالثة فمشكلة عامة تتعلق بعملية التعريف من حيث هي ، لا من حيث تطبيقها على الرياضة . فما معنى أن نعرف الشئ . . وما دلالة هذا التعريف وما قيمته .

أما المشكلة الأولى مشكلة التعريف المنطقي للرياضة ، فليست في الحقيقة إلا جانبا صغيرا من قصة قديمة هي قصة الأزدواج بين المنطق والرياضة ، وهي قصة بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر ، وما حلت السنوات الأولى من القرن العشرين حتى تجمعت حدود وأسس نهائية أمكن أن يقام عليها ما يسمي بالمنطق الرياضي أو المنطق الرمزي . سنكتفي بالإشارة إليه هذه الإشارة العابرة . ولكن يهمنا هنا أن نذكر أن الرياضين المناطقه أو المناطقة الرمزيين ، قديما لجوا كافة العمليات الرياضية ووضعوا تعريفات لعمليتى الجمع والضرب سنعرض لها . إلا أننا لن نستطيع ذلك قبل مواجهة المشكلة الثانية وهي مشكلة العدد ، ذلك لأن تعريفات الجمع والضرب  إنما تقوم على فهم منطقي معين للعدد .

وللعدد كذلك قصة طريقة للغاية تتوزعها الفلسفة والرياضة وعلم الأساطير ، إلا أننا سنقف هنا عند حده المنطقي فحسب . فما هو العدد . . هل هو تكثر يقاس بالوحدة كما يقول أرسطو ، أو هو الكمية كما يقول بعض مناطقة

العرب ، أو هو ما به يجاب على السؤال بكم كما يقول بعض حسابي العرب كذلك ، أو هو ما تحصل عليه بعملية العد ؟ الحق أن العدد سابق على كل تحديد من تلك التحديدات . فالوحدة والتكثر الى يقول بها أرسطو صفات تعرف بالعدد ولا يعرف العدد بها . وكذلك شأن التعريف بالكمية وبأنه ما به يجاب علي السؤال بكم . أما فيما يتعلق بعملية العد فهي تستلزم كذلك معرفة سابقة بالعد ، ثم إنها لا تصلح تحديدا للأعداد اللانهائية التي لاسبيل إلى عدها

والحقيقة اننا ثم نعرف دلالة العدد معرفة منطقية قبل أواخر القرن التاسع عشر نتيجة لأبحاث فريجه . العدد عند فريجه لا ينتسب إلى حال نفس ذاتى كما انه لا يشير إلى وقائع خارجية ، وإنما هو في منطقة وسطى بين هذين . . تلك هي المنطق . فالعدد حد كلي . فهو ليس صفة لأشياء واقعية وإنما صفة للحدود الكلية . فهو يشير إلى مجموعة من الأشياء أو ما نسبه بالأصناف ، ولكنه في الوقت نفسه لا يشير إلي صنف معين وإنما إلى كل الأصناف التي تشابه هنا الصنف . العدد إذا صنف الأصناف . فالعدد خمسة مثلا صنف لكل الأشياء الخماسية ، والعدد ( ٢ ) صنف لكل الزوجيات ، والعدد ٣ صنف لكل الثلاثيات . . وهكذا العدد الرياضي على تعبير رصل صنف الأصناف المشابهة .

وقد يتعرض هذا التحديد المنطقي للعدد لدفوع كثيرة توافق على جانب منها ، ولكن لاسبيل إلى ذكرها هنا . وإنما نكتفي بالإشارة إلى أنه على هذا الفهم المنطقي للعدد أمكن إقامة تعريفات منطقية لعمليات الجمع والضرب وغيرها من العمليات الحسابية .

ففي حاصل جمع حدين مثل ب،ق مثلا يقال بأن ب،ق هو الصنف الذي ينتسب إليه كل فرد من أفراد ب،ق فهو صنف يشتمل على كل أفراد الأصناف الداخلة فيه . أو بتعبير آخر : حاصل الجمع المنطقي لصنفين هو الصنف الذي يندرج فيه كل منهما كما أنه مندرج في كل صنف يندرجان فيه . أما حاصل ضرب صنفين فهو الصنف المندرج في كل صنف فيهما والذي يندرج فيه كل صنف مندرج في كل منهما كما يمكن القول بان حاصل ضرب صنفين هو اكبر صنف يتضمنهما معا أما حاصل جمعهما فهو أصغر صنف يتضمنهما معا .

ومن هذا يتبين لنا دون أن ندخل في تفصيلات اصطلاحية أن ما وصل إليه التعريف المنطقى للضرب والجمع

الرياضي لم يتخلص من العيوب التي وجهناها إلى التعريفات السابقة ، فهو اولا تعريف يتم بأن العملية إلى مذهب معين في العدد ، فهو إذا تعريف برد المعرف إلي مقررات سابقة . هذا إلى أن تلك التعريفات لم توضح طبيعة العملية قدر ما اقتصرت على وصف نتيجتها وصفا تحليليا والحق أن القصور راجع إلى عملية التعريف نفسها ، والتعريف المنطقي الرياضى بوجه خاص .

التعريف الرياضي لا يرد المعرف إلى عناصر أولية بسيطة بينة بذاتها ، وإنما يكتفي بأن يقيم نسبة بين المعرف وبين مجموعة من الأشياء متفق عليها . . هي ما تسمى باللامعرفات أو الثوابت المنطقية أو المبادىء . فتلك المبادئ حدود يتم التعريف بأن ينسب إليها ما يراد تعريفه ؛ وعلى هذا فالتريف في الرياضة لا يكشف عن المضمون وإنما يكتفي تحديد نسبة ثابتة إلى مقررات محددة .

والتعريف بوجه عام سواء أكان فلسفيا أو لغويا لا يفضل ذلك التعريف المنطق الرياضي ، فهو عملية مقفلة دائرية لاجدة فيها ولا تكشف . وينقلنا هذا إلى المشكلة الثالثة مشكلة قيمة التعريف ودلالته

الحق أنه لو جاز التعريف في مجال الرياضة والمنطق فأنه لا مبرر ، بصفة جدية في غيرها من المجالات العرفانية ؟ فالتعريف في حقيقته علاقة تحليلية بين أسماء لا تتصل اتصالا مباشرا بالتجربة الخارجية ، ولا تشير إلى واقع حقيقي . فهو إن تعلق بكلمة جمد من دلالتها الحية ، وإن تعلق بموقف حد من حركته الوظيفية . هذا إلى أن كل تعريف إنما يستند إلى معرفة سابقة مقررة ، كالتعريف في الرياضة سواء بسواء ؛ ولهذا فهو لا يخفي إلى معرفة جديدة ، بل هو بطبيعته قوالب تجمد بينها الجديد من المعارف ، ولكننا قد نعرف الشئ لا بأن تقيم علاقة تحليلية بين عناصر الشئ المراد تعريفه ، وإنما بأن نضعه في إطاره العام وتقيم الابعاد التي تربطه بغيره وتتتبع الوظيفة التي يتحرك بها وفيها كجزء في كل وككل في جزء أما ذلك التعريف التحليلى فقطع واقتطاع ومجانية للتغير والتداخل والاستمرار التي هي صفات الواقع

لقد جعل أفلاطون كل محاورة من محاوراته مجالا لتحديد مشكلة من المشاكل تحديدا يقضي إلي تعريف أخير لها . وفضيلة أفلاطون الكبرى أنه لم يكن يصل أيضا

( البقية على الصفحة التالية )

إلى تعريف أخير حاسم ، وإنما كان يكشف عن الجوانب المتعددة المختلفة المتناقضة للموضوع الواحد ؛ ولهذا بقيت محاوراته حتى اليوم حية خصبة متطورة مع الزمن . أما أرسطو فكان على غير ذلك تماما ؛ فلقد كان هدفه الأكبر أن يحصل على التعريف الجامع المانع ، أو على حد تعبير فلاسفة العرب ( القول الشارح ) ، وكتبه تزخر بالتعريفات النهائية الجامعة المانعة ؛ فالتعريف عند أرسطو كان كلة السر التي تكشف عن كل دفين مستغلق . والحق أن نظرة عميقة إلى تعريفاته المتعددة لتكشف لنا أنها لم تكن غير محاولة دائبة لرد كل شئ إلى مسلمات ومقررات أولى وضعها هو منذ البداية ، وأراد أن ينسب كل شئ إليها ؟ ومما يؤسف له أن أرسطو ظل مسيطرا على العقلية الإنسانية عدة قرون

حتى تجمدت تلك العقلية وأصبحت المعرفة عندها مجرد تعريفات تصاغ وقوالب تحدد . وإن تاريخ الفكر الحديث - سواء في العلم أو الفلسفة - ليبدأ في الحقيقة عندما أخذ يتحلل من التعريف الأرسطي الجامع المانع ويطل على الحقائق من نوافذ اخري غير التعاريف .

وما أحرانا دائما في تعريفنا للأشياء أن لا تقف عند حدود تلك التعريفات المبتسرة والتحديدات المتسرعة والاستخلاصات المنصفة . . وإنما تحرص دائما على أن نتتبع تاريخ حياة الشئ المراد تعريفه . . تتبعا يستنفد كافة جوانبه دون أن يوصدها في وجه التغير .

فبهذا وحده يمكن أن تجعل ، من التعريف معرفة ، وليس من المعرفة تعريفا .

اشترك في نشرتنا البريدية