( يهتم الرأي العام في هذه الأيام بمسألة الأرصدة الأسترلينية ، وما إتفق عليه في شأنها مع الحكومة البريطانية و " الثقافة " نفسح من صفحاتها للآراء المختلفة في هذا الموضوع حتى يتبين وجه الحق فيها . وقد نشرنا في العدد الماضي مقالاً تهيب فيه برجال الأقتصاد أن يدلوا بآرائهم في الموضوع ، وتنشر اليوم مقالاً لأحد المختصين في الشئون الإقتصادية يبدي وجهة نظره ، وترجو أن يتقدم غيره من المتخصصين في الموضوع لإبداء وجهات نظرهم خدمة للجمهور . )
ترتب على توقيع إتفاق الأرصدة إخراج مصر من زمرة البلاد المشتركة في الكتلة الأسترلينية ، وهي البلاد التى إتخذت الجنيه الأسترايني قاعدة لعملتها ، وجعلت عمليات المبادلة النقدية بينها وبينه ( أي الجنيه الأسترليني) حرة على أساس سعر رسمي محدد .
وكان إنضمام مصر إلي بلاد الكتلة الإسترالينية خلال الحرب العالمية الأولى من الإجراءات التي لجأت إليها السلطات المحلية لكي تمكن الحكومة البريطانية من الحصول على جميع ما تحتاج إليه من نقود مصرية للانفاق منها في مختلف الأغراض ، وذلك بأن تقدم للبنك الأهلي المصري سندات على الخزانة البريطانية تساوي قيمتها تلك النقود .
ففي ٢٧ سبتمبر ١٩١٦ قررت السلطات المحلية إتخاذ العملة الإسترلينية قاعدة للنقد المصري بدلا من الذهب . وأجازت للبنك الأهلي المصري أن يستعيض عن الذهب في غطاء النقود المتداولة (البنكنوت ) بسندات الخزانة البريطانية ، وبذلك صارت المبادلة بين الجنيه المصري والجنية الإنجليزي إجراء آليا علي أساس السعر الرسمي المحدد ، وهو ٩٧ قرشاً ونصف القرش .
فكان على البنك الأهلي المصري إذا أراد زيادة النقود المتداولة في مصر أن يودع في غطاء الإصدار ما يعادل هذه الزيادة من سندات الخزانة البريطانية ، ويسحب منها - في حالة خفض النقود المتداولة - ما يوازي قيمة الخفض .
ترتب على سهولة عمليات المبادلة بين الجنيه الإسترليني والجنيه المصري خلال الحرب الأخيرة أن إستطاعت السلطات البريطانية أن تجد في مصر مورداً لا ينضب لشراء ما يلزمها من السلع والخدمات عن طريق إصدار سندات على الخزانة البريطانية لاستعمالها في غطاء البنكنوت المصري دون الحاجة إلى عقد قرض مع مصر ، أو الدفع بالذهب وبعملات أخرى تحتاج إليها مصر ، أو تقديم سلع وخدمات لها .
وهكذا نشأت الأرصدة الأسترلينية وما هي في الواقع إلا ديون - لم يؤخذ رأي الدائن في شأنها - تجمعت لمصر تساوي الفرق بين قيمة مشتريات أنجلترا في السوق المصرية وقيمة مبيعاتها لها .
غير أن تجمع هذه الأرصدة قد لازمته ظاهرة مالية خطيرة ، هي إرتفاع مستوى الأسعار المصرية بسبب الزيادة المطردة في النقود المتداولة مع بقاء الإنتاج المحلى في مستوي لم يتغير كثيراً ، وتسمى هذه الظاهرة في لغة الفنيين بالتضخم المالي ، أو الهبوط في قوة النقد الشرائية .
ولما كانت نسبة الهبوط في القوة الشرائية للعملة تقاس بنسبة الإرتفاع في مستوى الأسعار ، فإن القوة الشرائية للجنيه المصري قد هبطت إلي نحو ٣٢ % مما كانت عليه في سنة ١٩٣٩ ، إذ أن مستوى أسعار الجملة إرتفع في غضون السنوات السبع الماضية من ١٠٠ إلى ٣٣١
وإخراج مصر من الكتلة الإسترلينية إجراء قصد به منعها ( أي مصر ) من إستخدام الجانب الأكبر من الأرصدة التى تجمعت لها في لندن ، وتقدر هذه الأرصدة الآن بنحو ٣٧٥ مليون جنيه .
ففي مقابل الإفراج عن مبلغ ثمانية ملايين جنيه من تلك الأرصدة ( وبعض المبالغ الآخرى التي حددت أغراض إستعمالها ) قبلت السلطات المصرية مبدأ التجميد ، وتجنبت الحكومة البريطانية ما كان يصيب سمعتها المالية من ضرر إذا لجأت إلى إعلان توقفها عن دفع ديونها دون موافقة الدائنين .
والأمر الذي يؤسف له حقاً أن مثل هذا الإجراء يتم في الظروف الحاضرة والأقتصاد المصري لا تزال تنقصه عناصر الإستقرار والنقد المصري تحف به المخاطر.
ولو أن مصر خيرت بين خفض جزء من أرصدتها ( في حدود ٥٠ مليوناً مثلاً ) وبين تجميد الأرصدة الذي جاء به الأتفاق الأخير لما كان هناك وجه للتردد في قبول الخفض ، إذ أن الإقتصاد المصري الآن في أشد الحاجة إلى دعمه وتوطيد أركان نهضته ، وأن الزيادة في المقدرة الإنتاجية التي كنا نتوقعها من إستخدام الأرصدة في إستيراد السلع الإنشائية كانت ستعوضنا عن الخسارة الناتجة من الخفض.
ولكن إخراج مصر من الكتلة الإسترلينية وتجميد الأرصدة قد حبس عنا الأنتفاع بها ، ولم يجنبنا بعد خطر خفضها أو إلغائها .
وقد تضمن تجميد الأرصدة الأسترلينية تجميد السندات البريطانية المودعة في غطاء البنكنوت المصري بما في ذلك الجزء الذي يعادل ما كان مودعاً في الغطاء في سنة ١٩٣٩ .
وإذا كانت قيمة الغطاء من الناحية العملية مرهونة بسهولة تحويله إلى عملات أجنبية فإن قيمة ما جمد من غطاء البنكنوت المصري قد إنعدمت وأصبح الجنيه الصري - من الناحية الفنية - عملة مكشوفة تحدد قيمتها في عمليات المبادلة النقدية الحرة على أساس الموازنة بين مستوى الأسعار المحلية ومستوى الأسعار في الخارج . ولو ترك الجنيه
المصري حراً لهبطت قيمته بالنسبة لبعض العملات ، وذلك على قدر الفرق بين مستوى أسعار السلع في السوق المصرية ومستوى الأسعار في السوق الأجنبية.
وإلتجاء الحكومة المصرية إلى بعض التدابير المتعلقة بالمحافظة على قيمة الجنيه المصري في الخارج - من فرض الرقابة على عمليات المبادلة والإستيراد ، ومن الإستيلاء علي الأرصدة المصرية في الخارج - إعتراف من جانبها بأن السعر الطبيعي لتحويل الجنيه المصري إلى بعض العملات الأجنبية أقل من سعر الصرف الرسمي .
ووجود هذا الفرق بين السعر الطبيعي والسعر الرسمي للصرف من شأنه أن يزيد التهافت على إستيراد السلع الأجنبية ويضاعف صعوبات تصريف المنتجات المصرية في الأسواق الخارجية ، وبذلك تتعذر الموازنة بين كفتي الميزان الحسابي . أي الموازنة بين الصادرات (منظورة وغير منظورة ) وهي التي تمثل الجانب الدائن من جهة وبين الواردات(منظورة وغير منظورة ) وهي التي تمثل الجانب المدين من جهة أخرى .
وستواجه السلطات المصرية في تنفيذ تدابير المحافظة على قيمة النقد المصري صعوبات إدارية ومشكلات لا يمكن التغلب عليها إذا ظل السعر الطبيعي للجنيه المصري أقل من السعر الرسمي .
وفي تجارب معظم دول العالم في السنوات الثلاثين الماضية عظات بالغات وعبر لا تنكر ؛ فما من دولة تمكنت بتنفيذ مثل هذه التدابير دون غيرها أن تحقق موازنة حقيقية بين كفني الميزان الحسابي . بل على العكس ، فإن هذه التدابير كانت سبباً في إستفحال الخطر وتطور الموقف من سيئ إلى أسوأ .
وإذا فرضنا أن السلطات المصرية ستوفق في تنفيذ تدابير المحافظة على قيمة النقد المصري إلى إيجاد موازنة مؤقتة بين كفتي الميزان الحسابي ، فإن من المؤكد أن مثل
هذه الموازنة لن تدوم طويلاً ، إذا إستمر التضخم المالي بدون معالجة شافية.
إن واجب الحكومة المصرية يحتم عليها أن تتخذ الإجراءات السريعة الحازمة لدعم الجنيه المصري وتصحيح مركزه إما عن طريق إمتصاص الفائض من العملة المتداولة أو عن طريق إعادة النظر في سعر الصرف الرسمي .
ففيما يختص بامتصاص الفائض من العملة المتداولة فإن هناك من الأساليب التي لجأت إليها دول كانت في مثل ظروفنا ما يحقق الغرض المنشود ؛ وأهم هذه الأساليب :
أولاً - أن تعقد الحكومة قرضاً محلياً تجمد حصيلته ثانياً - أن تجمد الحكومة جانباً من أرصدة الأفراد والهيئات في المصارف وتدفع عن هذا الجانب المجمد فائدة مخفضة لأصحاب الأرصدة.
ثالثاً- أن تزيد في الضرائب على الأرباح التجارية . رابعاً- أن تفرض أتاوة على ما يشتريه الأفراد من البضائع الكمالية على نمط النظام المعمول به في إنجلترا .
هذه أساليب سياسة الإنكماش المالي ، ولا تلجأ إليها الحكومات إلا مضطرة بسبب ما يترتب على إتباعها من خفض في إيرادات الدولة وتذمر من بعض طبقات الشعب .
وقد يتعذر على الحكومة المصرية أن تأخذ بهذه الأساليب في الظروف الحاضرة نظراً لما نراه من ضرورة الإسراع في تنفيذ المشروعات الأجتماعية التي ظلت معطلة خلال سنوات الحرب .
ففي هذه الحالة يجب أن نوطد العزم على إعادة النظر في سعر الصرف الرسمي وتقويمه على أساس السعر الطبيعي المبادلة بين الجنيه المصري وبين إحدى العملات الحرة ( المثبتة على قاعدة الذهب ) كالدولار الأمريكي.
ولن تضر المصالح المصرية بهذا الإجراء ، إذ أن الأسعار المحلية لن ترتفع إلى مستوى أعلى من المستوى الذى ستصله بعد بدء تنفيذ إتفاق الأرصدة ، ولكن بشرط أن
تحتفظ الحكومة بموازنة ميزانية الدولة ، وليست مصر دولة مدينة فتخشى الإرهاق من زيادة قيمة دينها الخارجية
ثم إن الحكومة المصرية إذا هي لجأت إلى إعادة تقويم سعر الصرف الرسمي فإنها لن تضطر إلى تنفيذ قيود المبادلة والحد من الإستيراد .
ومهما يكن من أمر فإن الأتجاهات الأقتصادية لا تتأثر بقيود مؤقتة ، خصوصاً إذا كانت هذه القيود لا تؤدي إلى معالجة الداء الأساسي الذي دعا إلى فرضها .

