1
الف احد علماء الاجتماع هو (ج - بوتول G. Bouthoul ) كتابين عنوان الاول : " مائة مليون من الاموات " وعنوان الثاني : " ثمانية آلاف معاهدة صلح " وذلك يبعث على الاعتقاد بان الانسانية مصابة بجنون يدفعها تارة الى الحرب وطورا الى السلم . فهل كتب علينا ان نخضع دائما لتلك الحركة المستمرة التى تشبه حركة الرقاص وهل الحرب قدر محتوم ؟ ان ما يغمرنا من عاطفة الخوف عندما نتساءل تلك الاسئلة يضطرنا الى ان نعى ظاهرة الحرب ونتفهمها .
وحتى لا نطيل البحث عن تعريفها يمكن القول بانها صورة من صور العنف الجماعي الشرعى يكون فيها قتل النفس واجبا اجتماعيا
والذي يميزها عن مجرد القتل الاجرامى هو ان الجندي في ساحة الوغي لا يهلك عدوه بوحى من نفسه بل تحت تأثير ضرب من التقدير يفرضه عليه المجتمع فرضا حتى اذا ما وقعت الهدنة تعذر عليه التمادى فى عمله .
والذى يجب ان نبحث عنه الان هو سبب الحرب . على ان عامة الناس ينكرون علينا هذا السؤال بدعوى انه لا يوجد حرب واحدة تتجدد بل هناك حروب كثيرة ولكل واحدة اسبابها يكفى ان تتصفح كتب التاريخ او ان تراجع وثائق اعلان الحرب لتعرفها .
وجواب عالم الاجتماع على ذلك هو ان سبب الحرب كما يتصور البشر لا يثيرها حتى توجد رغبة الى ذلك فى الامة المهاجمة او على الاقل فى نفوس زعمائها . وهذا ما جعل (بوتول) يقول : " قد تعتبر امة نفسها مهضومة الجانب عندما تريد ان تحتل (الاماكن المقدسة) او حينما ترى انها فى حاجة الى منفذ
في بحر معين او تنقصها آبار النفط وقد تشعر بانها لا تطيق مجاورة دول تختلف عنها نظما سياسية ومعتقدات فان تعدد تلك الاسباب يجعلنا نؤمن بانها مجرد تعلات او مناسبات لشن الحرب . ان ذلك مخادعة متعمدة " (راجع كتاب الحرب - ص ٧٢ من سلسلة : ما اعرف ؟ )
ومن خلال ذلك يتبين لنا انه لا يوجد تناسب بين حقيقة الحرب وغايتها من جهة وبين ما يعتبر مدعاة اليها من جهة اخرى "
ذلك ما عبر عنه (فولتير) بقوله : " فى الوقت الذى اخاطبكم فيه يقاتل مائة الف من مجانين نوعنا (البشرى) المقبعين مائة الف من المتعممين وذلك من اجل جثى من طين لا تتجاوز مساحتها العقب . فليست المسألة سوى معرفة هل سيملكها شخص يدعى السلطان ام آخر يدعى قيصر . ولا يوجد واحد فقط من بين تلك الحيوانات المتحاربة راي ولو مرة الحيوان الذي من اجله يقاتل.."
وهذا القول يحمل فى طياته استدلالا كثيرا ما اعتمده انصار السلم فيما بعد وهو اظهار التفاوت الموجود بين ثمن التضحية التى يقدمها الجندى وتفاهة الغاية وذلك ما يجعلنا ندرك ادراكا اوضح من ذى قبل اهمية المشكلة فنتساءل : ما بقي اليوم من لويس الرابع عشر او من نابليون ؟
ان الشعب قد نسى تماما جميع ما قاساه وكابده من اجل المجد الذى حصل لذينك الملكين ولكن المفكر يعتبر ذلك المجد عديم الاهمية فاقد القيمة بالقياس الى الام الشعب ذلك الشعب الذى كان شقيا فى حدودا الضيقة الاولى وبقى شقيا فى حدوده الموسعة الثانية .
وهكذا نخرج شيئا فشيئا من دائرة المعقول الى دائرة الخيال ودنيا الاساطير ذلك ان الاسطورة تكون متى اصبح العالم المحسوس المدرك خاضعا للعالم الخيالى ومكيفا به ، ومتى اعتبر الناس دنيا الاوهام واقعا ملموسا . والذي يهمنا هنا هو ان القوم لا يشعرون شعورا كاملا بآثار الحرب تحت تاثير كائن وهمى هو المجد اى (حكم قيمة) ايجابي يعتقدون ان الاقوام الاخرى تصدر لفائدتهم . فاكتشاف هذه العقلية المتائرة بالاوهام والمتصلة بالعقلية الحربية يدعونا الى البحث عن الدعاء القوية التى ترتكز عليها الحرب وتستمد منها معني وجودها .
وموقف المفكرين ازاء الحرب يتغير بحسب نتائج بحوثهم فى هذا الصدد فمن الباحثين من يعلل الحرب باعتبارات نفسية واخلاقية .
وعندهم ان الحرب نتيجة طبيعية لما جبلت عليه نفس البشر من الشر فميول الانسان خاضعة كلها لغريزة البقاء التى تجعله دائما انانيا فهو مدفوع بحكم قانون الحياة الى اعتبار غيره واسطة لا غاية فالحرب ان هى الا صورة من ناموس الطبيعة ، والحياة ان هي الا الحرب .
والعلاج يكون بالتاثير على طبيعة البشر بواسطة التربية الاخلاقية وبتغيير ما بنفس الانسان بواسطة الثقافة
ما قيمة هذه النظرية ، انها تبدو من غير شك - صائبة فى شكلها لان العامل النفساني يؤثر فى مرحلة من المراحل لكن لا ننس ان هذا العامل نفسه "متضامن" مع سبب خارجى آخر فالحرص على تنمية الكسب مثلا ظاهرة نفسانية ولكنها تنتشر وتتضخم فى مجتمع يؤمن بشرعية الملكية الفردية . وهكذا يتضح ضعف النظريات السيكولوجية الكلاسيكية فهى تعتبر الفرد مستقلا وترى بالتابع ان الميل الى الحرب ظاهرة عالقة بطبيعة البشر لاصقة بغرائزه التى تحمله على التجارب حملا . وكان يجب ان يتساءل اصحاب تلك النظريات هل ان هذه " الطبيعة " مكيفة بالبيئة البشرية والطبيعية ام لا . . وهل الغرائز " فطرة " ام هى مجرد استجابات عادية مالوفة لمعطيات الوسط الاجتماعى والطبيعى الخاصة ؟
ومن هنا يتبين كذلك العلاج المقترح اى " التربية الاخلاقية " فأصحاب النظريات السيكولوجية مقتنعون بان النفس الامارة بالسوء لا تتأثر بالاسباب الخارجية - البتة ولهذا لم يهتموا بالتأثير فى الظروف الخارجية التى تكيف الانسان وانما طالبوه بان يغير ما بنفسه تغييرا بفضل عزيمته . وعلى ضوء ذلك نفهم لماذا لم تنقص المذاهب الاخلاقية العديدة من كثرة الحروب . ان اقصى ما يمكنها ان تفعله نيل بعض نتائج فردية وحمل بعض الاشخاص على ان يكبتوا موقتا غرائزهم واذا كان هؤلاء الاشخاص من جنس غير جنس الابطال الافذاذ فانهم سرعان ما ينغمسون من جديد فى مجتمعهم الذي يفرز السم بلا انقطاع .
ويمكن ان نوجه نفس الاعتراضات الى نظرية " اللاعنف " وبصفة عامة الى
جميع الظريات التى تؤمن " بجاذبية القيم العليا " فان اصحابها ينصحوننا بعدم الصمود امام العنف وبمقابلة الحقد بالمحبة التامة لان " الماهية البشرية " فى نظرهم فوق هذه الحوادث الارضية ولان " مدينة الفكر " فى " الفكر المطلق " ولان مقاومة الحقد كذلك تضاعف الحقد بينما المحبة تضعفه وتدعو إلى المحبة . . فاذا هاجمك شخص أظهر له قداستك ولتبرز " القيمة " بفضلك وفي شخصك فان ذلك " يجذبه " فيلقى سلاحه ! ذلك ان "القيمه الاخلاقية " لا تحتاج الى ان تفرض وجودها بالقوة بل يكفيها ان "تظهر" لتؤثر ، فهى سلبية كالمثال
ونحن اذ نعجب بروعة هذه النظرية لا يمكن ان نغفل عدم نجاعتها فلكى يكون لنظرية اللاعنف تاثير ما يجب ان يعمل بها عدد كبير من الاشخاص اى ان يبلغ قسم كبير من البشر مستوى عاليا من الاخلاق الا ان ذلك يقتضى - كما قلنا . تغيير البيئه من الوجهة الاجتماعية والشرائعية تلك البيئة التى لا يعترف اصحاب نظرية اللاعنف بتاثيرها .
وهكذا فان علاج " مرض الحرب " بدواء الاخلاق - ان صح التعبير - يكون نافعا الا في مجتمع اخلاقى اي فى مجتمع يكره الحرب ويرغب عنها
ويمكن ابداء نفس الملاحظات في شان النظريات التى تعلل ظاهرة الحرب بالاستناد الى علم النفس التحليلى
هناك تحليل نفسانى لدوافع الحرب " ينتهى الى انها نتيجة مركبات معروفة نخص بالذكر منها : مركب الخيبة والشعور بالدونية فتحدث تلك المركبات في النفس حاجة الى التعويض وذلك بتكوين عقلية " هجومية " اذ ان كل شخص شعر بالدون يعتقد ان الناس يحطون من قيمته ومن ثم ينشأ ميل الى التنقيص من شأنهم واعدامهم فيكون الاستعداد للهجوم
والحرب هى ذلك المتنفس المطلوب لتلك العقلية الهجومية حالما يتصف بها الجمهور
وقد لوحظ ما تقوم به الحروب من ترفيه عن النفس وتصعيد لما كان مكبوتا فالبدائيون يغتنمون فرصة نشوبها ليرقصوا ويستهتروا ويستبيحوا ما كان محظورا في حاله السلم . كل ذلك يسر القبائل البدائية فتعتبر الحرب " عيدا " وقد سجل
" نيتشى " قلب القيم " الذي يقع اثناء الحرب وما يستتبع من تعويض " الانا العادي " ب " الانا المكبوت " بحيث يستباح ما كان محجرا . فالجندى الاسلم تربية ينقلب حينما تطأ رجلاه ارض العدو لصا ! ولذا نجد رتبته فى - سلم القيم الصينى تلي رتبة قطاع الطريق . وبذلك يتضح ان الحرب وعلاجها من مشمولات علم النفس المرضى .
ان جميع تلك الملاحظات صحيحة والذى يزيدها صحة شعور المقاوم بخطر الموت في كل لحظة من حياته ، فهو كما يقول هقل - مثل العبد - عرف سيده: الموت ، فارتج في كيانه فما قيمة كل ما ينتسب الى ميدان (الكسب) اذن ؟ ان جميع القيم الطبيعية والحضارية معدمة فى نظر الجندى فيتعلق بمذهب اللذة ، ذلك كما يقول (كونستان) B. Constant "ان الزمان يفقد معناه بالاضافة الى من يعيش كل دقيقة على حدة وكل معركة على حدة . وحينئذ تصبح التعويضات الموعودة خيالية وتنفرد لذة اللحظة الحاضرة باليقين فكل متعة حاصلة يمكن اعتبارها انتصارا على (العدو).
واذن فان هذه الاعتبارات النفسية تلعب دورا حقيقيا فى نشأة ظاهرة الحرب الا انها تبقى مجردة وغير ناجعة ان هى لم تسر فى تحليلها الى النهاية . فما هو مصدر تلك المركبات جميعا ؟ اليست ناتجة عن الظروف التى يعيش فيها الفرد فى وسطه العائلي وبئته الاجتماعية
لقد اثبتت الدراسات ان الشعور بالدونية مثلا يظهر فى مجتمعاتنا حيث تسود الفردية ويقع التنافس ويضرب نظام الطبقات اطنابه .
نستنتج مما تقدم اذن ان العناصر النفسانية هي ايضا ناتجة عن معطيات اجتماعية وانها تغتنم فرصة الحرب لتلعب دورها الذي هو تصعيد لما كبت طويلا فتكون وظيفة الحرب شبيهة بوظيفة الاسطورة : يرفه المقاوم فى ساحة الوغي عن نفسه كما يخفف الوثنى من وطاة الشعور باللذة بعبادة الاوثان
الا ان انصار الحرب سيحتجون على هذا التاويل المزري فوجب ان نمعن النظر في حججهم وسنختار من بينهم اثنين ذاع صيتهما وهما " نيتشى " و " هقل " ونبسط نظريتيهما فى فصل مقبل .

