منذ خمسة أشهر أو يزيد طلبت منى إحدى المجلات الكبرى التى تناطح عمارتها الجديدة واطئ السحاب . أن أكتب موضوعا علميا يفيد منه الجمهور، واشترطت على كتابته بلغة سهلة مبسطة يفهمها رجل الشارع، وموجزة بحيث لا تشغل أكثر من صفحتين . قال لى مندوها هذا الكلام، وقد غلب عنه ان الإيجاز أصعب من الإسهاب، ولعله لم يسمع بقصة أحد رؤساء الجمهورية الفرنسية الذى كان فى شبابه سكرتيرا لاحد كبار الموظفين، فطلب هذا منه ذات مساء أن يعدله مذكرة عن موضوع ما، بحيث تكون جاهزة فى صباح اليوم التالي . فأجهد الشاب نفسه طول الليل . وقدمها إلى رئيسه فى الميعاد المحدد ، وكانت المذكورة مطولة مسهبة، ورغبة منه فى تغطية موقفه ارفق بها إشارة اعتذار بسيطة، قال فيها : معذرة من الإسهاب، فلم يكن لدي وقت للإيجاز!
أخذت أقدح زاد فكرى لكى أصل إلى حل لهذه المعضلة . وقد هودنى قارئ الثقافه أن يتقبل من المستوى المالى فى الموضوعات العلمية بصدر رحب، وعين واعية : صدر العالم وعين الباحث وراء تثقيف النفس بأي أسلوب يقدم له، فيحاول أن يشب على قدميه ولو قليلا إذا ارتقى نوع الكتابة، أو ينزل إلى مستوى الكاتب فى رفق، ودون ان ترتسم على شفتيه ابتسامة إشفاق أو سخرية.
وكان الدافع لى على إجهاد الفكر والكتابة لهذه المجلة أن أحد أفراد أسرة الثقافة قد جذب إليها جذبا ليفرغ فيها عصارة الفكر والتجارب التى عرف بها، فقلت لنفسي (يا عيب الشوم ) ! أرفض المساهمة بمجهود متواضع ورجلنا هناك بتوقع من بقية أفراد الاسرة الميمونة
أن يلقوا بدلوهم، وقررت الزحف إلي جزيرة الكنز مع من زحفوا قائلا لنفسى : هيا إلى حيث البريق واللمعان . ارتفع بهامتك فى الأفاق العالية من بلاد الهجرة، واترك آثار أقدامك فى موطنك الأصلى كمجرد دليل على وجودك، فالثقافة ام حنون ستغفر لك، وستنتظرك فى اشتياق عند باب دارها المتواضعة بعد أن تزهد عيشة القصور، وتماف نفسك الثانية التى استهوتك ! وسوف ترتمى من جديد بين ذراعها المتين لا تملان أبدا، وعندما تشعر بالحنان والدفء القديمين لن تمدم الثقافة بعدها من يهتف فى أذان بقية أبنائها قائلا : عودوا إلى قواعدكم، فهى هناك تنتظركم عند عتبة الدار.
أخذت أرسم عنوان المقال رسما، قلت لنفسى : نرى ما الذى رضى هؤلاء القوم . لقد أخذ الهمس يدور حول ساحر جديد اسمه الستربتوميسين، وقيل إذ ذاك إنه يز البنسلين فى بعض النواحى . فرأيت ان اجمل منه موضوعا لمقالى، وبدأت فى رسم العنوان كما أسلفت، فجعلته فى بادىء الأمر : ساحر جديد . ولكنى خشيت أن تؤوله سذاجة القارئ، التى يتخيلونها فى أذهانهم فقط إلى ان موضوع المقال يتعلق بالساحر هو دينى، أو الدكتور محب النوم المغناطيسي، فأضفت إلى العنوان الفا فى بدايته، فأصبح : أساحر جديد . ثم أردفته بعلامة استفهام كبيرة، قصار : أساحر جديد ؟ ثم أعقبته بتفسير يشير إلى صميم الموضوع، إذ كتبت تحت العنوان : الستربتوميسين بعد البنسلين .
واستهللت المقال ببراعة مشيرا إلى مرض صدقي باشا رئيس الوزارة المصرية إذ ذاك، وكيف عجز الساحر القديم أي السلفاناميد وزميله الحديث، أى البنسلين، عن الإتيان بمعجزة الشفاء . وأبقت كيف أن ذلك كان بسبب إصابة الرئيس بجرثومة لا يؤثر فيها البنسلين، وهي باسلس
القولون، واهتزت الأسلاك كما قلت، وسمم الأهل والأصدقاء الانصار على الاحتفاظ بهذه العبقرية النادرة، وشاءت الخليفة ان تجامل، فبعثت بطائرة خاصة إلى منطقة الاحتلال بألمانيا، واحضرت بضع زجاجات ثمينة تحوى من الساحر الرضيع الذى بدا يددب على الأرض فى طريقه إلى أضواء المسرح، ما كان كافيا لشفاء الرئيس، وعرف الناس منذ ذلك الحين اسم الستر بتوميسين ، وانتابتهم كالعادة حمى التعلق بكل جديد، فبداوا يتساءلون عنه، ولم يمنعهم من ملهلته سوى غلاء ثمنه، وإلا لكانوا حقنوا أنفسهم به . بمناسبة وبغير مناسبة، كما فعلوا مع البنسلين.
وأذكر أننى استدرجت القارئ بعد هذا إلى سرد الأمراض التى ينفرد الستربتوميسين بملاحها دون غيره من الآدواء، فهو يكاد يكون الدواء الوحيد الفعال ضد جرثومة الانفلونزا والسل الرئوي ويلسلس القولون، وشفيت بواسطتة بعض حالات التيفود الميثوس منها . ولكنه بخلاف البنسلين - دواه وسم فى نفس الوقت . فالبنسلين - الله يحفظه لنا على مدى الأعوام - يفيد ولا يضر .
أما الستربتومبيسين فقد ثبت بصفة قاطعة أن تأثيرا سيئا على الكليتين . فهو يسبب أحيانا احتباسا بوليا مضلياً، وقد يحدث التهابا فى عصب السمع وعصب البصر، فيصاب المريض بالصمم والعمى المؤقتين؛ وتنهى الأعراض غالبا بعد بضعة أسابيع، بعد أن تسبب المريض واهله عذاباً وقلنا هائلين .
وكنت قد ذكرت فى صدر المقال العتيد الحائر، أن العفن الذى اشتق منه الستربتومبسين عثر عليه مصادفة فى حلقى كتكوت، وبينما كان صديقى - وهو أحد كبار محررى الدار - يستعرض المقال معى، خطرت له فكرة قذة . إذ قال لى : انا أرى أن نضع فى صدر المقال صورة كتكوت ينقر بمنقاره فى الأرض، لكى نقرب المقال زيادة وزيادة إلى ذهن القارئ، فوافقته على فكرته الموفقة
وقلت : يا لها من ساحرة ! واتفقنا على تفاصيل الموضوع . وطريقة عرضه على القارئ ، وبدا كأن المقال قد حاز القبول التام ، وخاصة بعد ان وافقت على صورة الكتكوت .
وأخذت انتظر صدور العدد التالى لأحظى برؤية الكتكوت فوق المقال واسم صاحبه، فلم أعثر له على أثر، ولكن تبين لى أن أحد محررى الدار - وهو بعيد كل البعد طبعا عن الطب وأهله - اقتبس سطرين أو ثلاثة من مجلة أجنبية عفن الستربتومبسين، فاستغنى بها عن مقالى دون كلمة اعتذار أو رده إلى مع الشكر الرسمى المزيف .
أنا لست موتوراً ولا متضايقاً، بدليل أننى نشرت بعض آرائى فى تلك المجله او اخواتها بعد حادثة الكتكوت . ولكنى أردت يا قارئى العزيز أن أتفكه معك ولو قليلا، بينما أحدثك عن موضوع جاف قد لا يروق لك بغير هذه الطريقة .
ألم يلقنى هؤلاء الأصدقا ، درسا فى التبسيط لن أنساه مدى الحياة ؟

