أحقا انقضت تلك الحقبة الطويلة من حياتي وأنا غافل ؟ كلا ! ما كنت بغافل أبدا . لقد مضت تلهث وأنا الهث معها . لقد كانت رحلة طويلة مرهقة مبكية ، غاصت قدماي في رمالها المحرقة أكثر من مرة ، فإذا حاولت السماء أن تمطر لتلطف من حدة الحرارة أبرق البرق تخطف مني البصر ، وأرعد الرعد فأصم مني الأذن ، فأمشى - أنا التائه الضليل الذي هلهلته تقلبات الجو المحيط به - نحو الأفق الذي يبدو قريبا ، وهو في الواقع بالنسبة لي أبعد من الشمس أو القمر ، وتستمر الرحلة بين سهولة وعسر ، وانقباض ويسر ، والنهاية لا تأتي أبدا ، ولا يعزي عن تأخرها سوي الأمل !
نعم ! لا زات أذكر يوم أول أكتوبر عام ١٩٣٩ عندما البسوني رداء أبيض وأعطوني سماعة في يدي وقالوا : انطلق أيها الشاب الممتلئ غرورا واذرع علاء خطاك طرقات مستشفى قصر العيني ، لأنك الآن طبيب امتياز ، بعد ان كنت منذ شهرين فقط طالبا عاديا ينظر إلي لابسي الرداء الأبيض من أطباء الامتياز والنواب في إعجاب وأمل
وكان من حظي وقسمتي ونصيبي أن تسلمني الدكتور ابراهيم بك شوق عميد كلية الطب الحالي . كان إذ ذاك رئيسا لقسم الاطفال . وهناك بدأت دورتي كطبيب امتياز ، وهي تستغرق في العادة سنة بالتمام ، تقسم على أربعة أقسام ، كالجراحة وأمراض الأطفال والأمراض الباطنية وأمراض النساء مثلا ، فشاءت الظروف أن تبدأ دورتي
في قسم الأطفال فكأنني دخلت بمحض الاختيار الذي يؤدي بالمتقلب بين أركانه إلي الصقل والنضح . كنت إذ ذاك عجينة غير مجربة قصورها كما شاء هواه . علمني فأحسن تعليمي وضرب لي كل يوم بل كل ساعة بل كل دقيقة ، في عظمة الرجولة مثلا . بقيت بجانبه منذ ذاك الوقت ، فقد وقع اختياره على نائبا ثم مدرسا ثم أستاذا مساعدا له ، وها هو قد مهد لي السبيل اخيرا إلى جيل الأستاذية الأشم فشكرا لله وله
علمني هذا الرجل فلسفة الرئيس الذي ينسي ! فهو يكون عن مرؤوسه فكرة ويصدر عليه حكمه ، فإذا اقتنع بصلاحيته شفع له هذا فيما يجد في المستقبل من ظروف . فهو يدعوه مثلا إلى مكتبه ويأخذ في تفريعه في عصبيته المعروفة على ما يعتقده تقصيرا ، فإذا كثر الجذب والشد بين المتناقشين تكهرب الجو ، وبدا الأستاذ وكانه على وشك الوصول إلى قرار خطير ؛ ولكنه يوقف المناقشة بعد أن يكون قد أوسع مرؤوسه لوما ، ويطلب منه في هدوء أن يذهب إلى عمله - وبينما هو على هذه الحال من الثورة المكبوتة يدخل عليه الكاتب ليعرض عليه بريد اليوم ، فإذا بين الأوراق واحدة تخص صاحبنا بطل القصة ، يطلب فيها من رئيسه الشفاعة له في بعثة دراسية أو درجة مالية ، فيتحمس في التعليق على طلبه معددا فضائله وحسناته ومتناسيا سيئاته التي أهاجته إحداها منذ دقائق قلاائل هذا هو النسيان العادل الذي يجب أن يتحلى بفضيلته كل رئيس
ولذاكرته ميزة فريدة ، فهي تطرد الصغائر في أنفة عجيبة ، فهو لا يحمل لمرؤوس ضغنا ما دام ما بدر منه لا يتعارض مع مصلحة العمل . فأنت تدخل عليه لتعتذر له من سخف بدر منك منذ أيام قلائل ، فتجده قد نسيه تماما وينظر إليك متسائلا : متى حدث هذا ؟ أما ما يتعلق
بالعمل فهذا لا ينساه أبدا ، والويل لمن بتراخي في هذا السبيل ، فإنه يصدر عليه حكما لا يغيره أحدا مهما شفع له مرور الأيام ، وهو كبير الأخلاق جبار الذهن . يغدق العطف على مرؤوسيه دون أن ينتظر منهم كلمة ثناء . فهو يرد على أحدهم فيقول مثلا : لقد أرسلتك في بعثة لان مصلحة العمل بالقسم تقتضي ذلك ، ولقد اتفق وجودك في نفس الآونة التي تقررت فيها هذه البعثة ، فالمسألة لا تعدو مجرد المصادفة . أما قدرته على رؤية البعيد المنظور وغير المنظور فقد جعلتني أومن انه يري المستقبل قبل الشخص العادي بخمس سنوات على الأقل . لذا كنت أرقب دائما الثورات التي تقوم ضد بعض ما يصدر من قرارات فأقول لنفسي : سوف يفهمون صواب ما فعل بعد خمس سنوات .
حقا لقد كان لوجودي بحانب هذه الشخصية الجبارة أكبر اثر في حياتي . إنها دراسة قلما تتاح إلا لن سعد بمراقبة تفاصيلها عن كثب .
ومرت الأيام في بطء والقدر يرقب ويبتسم . فهو يرخي العنان حينا ويقبض عليه حينا آخر . كل صفعة جديدة تنسيك الم سابقاتها ، وانت تحتمل املا ان تكون هذه أو تلك آخرة الصفعات . وكما لاح من بعيد بربق الأمل غشيته فجأة تباشير ظلام مفاجئ ، فتتمتم لنفسك قائلا : رباه أين المستقر ! ثم نحاول أن تنشد الراحة والاستقرار ، ولكن هيهات ! إن أطماع ابن آدم لا تقف عند حد ، والأمل حلم جميل ! كل يوم بأمله ، بل كل دقيقة بأملها ، والأمواج تملوحينا فتتمرك ، وتنخفض حينا فيبدو منها رأسك بمينيه المتوسلتين المستيقنين ، ولا من مغيث ، ويمضى الموج في همسه لرمال الشاطئ قصته نجوا المتين أن تنتهيا إلا إذا انتهى الزمان ، وانت محاول الإنصات فلا تسمع شيئا إلا هدير الأمواج ودبيب قدميك على الشاطئ المجهول
نعم كانت لكل يوم اماله وآلامه . فعند ما انتهت مدة الامتياز تملقت بأمل النيابة ، فلما نلته تطلعت إلي السفر إلي الخارج في بعثة حكومية لأستكمل ثقافتي الطبية ، ولما ثم لي ما أردت ووصلت إلي بلاد الإنجليز ذاب مني الشحم واللحم في سبيل الحصول على درجة العضوية لكلية الأطباء الملكية بلندن ، ولما أعلان الحاجب الإنجليزي الفارغ العود اسمي بين الناجحين خيل إلى إذ ذاك انني قد جلست على قمة الجبل العالمي وظننت أن مصر كلها سوف ترقص عند ما يبلغها خبر نجاحي . ولما استيقظت في الصباح وأطلعت على جرائد اليوم شعرت أن خبرا هاما ينقص العمود الأول من صفحتها الأولى ، وهو بالطبع خير نجاحي .
ولما عدت إلي القاهرة لم أجد علي رصيف المحطة سوي اخوتي وبعض أقاربي ، وكان الجو قاتما وكان القاهرة تعمدت بأن تذل من كبربائي فوصلت إلي منزلي بعد أن دافت السيارة في شوارع العاصمة التي بدت أنوارها ضئيلة بالنسبة لمدائن النور التي ارتدتها إبان زياراتي لعواصم أوربا اثناء عودتي إلي الوطن . ولما ذهبت إلي مقر عملي في صباح اليوم التالي بدت أمام عيني الحقيقة التي لا مفر منها : لقد عدت إلي حيث يجب ان نفيد مما درست وحصلت ، فشمر عن ساعد الجد أيها البطل
وشمرت عن ساعد الجد فعلا ، لولا أن الحكومة كانت قد أعدت لي مفاجأة استنفذت كل مجهوداتي الجسمية والذهنية في سبيل إحباطها . فقد حددت لي مرتبا يقل بضعة جنيهات عما بتناوله زملائي ، فقضيت أشهرا اذرع طرقات وزارة المالية مترددا على مكاتب بعض إخواننا الموظفين ارجو منهم الشفاعة واتوسل إليهم في سبيل إيجاد مخرج من هذا الظلم المقصود او غير المقصود . وتبخرت امالى عندما وجدت نفسي اتضاءل أمام أحمد افندي وحسن أفندي وعلى أفندي من موظفي الدرجة التاسعة ، فصممت
على فتح عبادة تغنيني عن هذا التوسل في سبيل الحصول على جنيهات قليلة ، وترغم الحكومة عندما يعلو صتني أن تدفق على ما أريد دون أن أطلب منها ذلك . وكان المرحوم الدكتور عبد العزيز باشا اسماعيل يقول لنا دائما : ارفع صيتك بين الناس يرتفع قدرك عند أولى الحل والربط وأنت لا تدري .
وقد حصل فعلا ! وها إذا ثمانية عشر عاما من ارتدائي المعطف الأبيض أجد نفسي علي رأس قسم الأطفال بكلية الطب الجديدة بالعباسية وفي جيبي الأيمن أعلي الدرجات المالية ، وفي جيبي الأيسر براءة الأستاذية اسمحوا لي أن أركع لأتمم صلاة شكر له ، فإنه والله شكر واجب

