الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

الديمقراطية

Share

تخضع سياسة الافراد والجماعات الى عناصر مختلفة منها التاريخي والجنسى والنفسى والاقتصادى .

وهذه العناصر تؤثر في مصير الشعوب والحكومات تأثيرا بالغ الاهمية حتى أننا لا نجد واحدا من اشكال الحكم التى عرفت حتى اليوم لم يستند قليلا او كثيرا على هذه العناصر .

وأكثر النظم احتراما لهذه العناصر واشدها اعتمادا عليها وابرازا لطبعتها هو النظام الديمقراطى . لا غرابة اذا ان يعتنى به علماء السياسة والاجتماع والقانون والفلسفة والتاريخ

وفي الحرب الكونية الثانية احرزت الدول التى تنتسب الى الديمقراطية على انتصارات باهرة واقامت لهذا النظام دعاية واسعة النطاق تركت الجماهير فى مختلف البلدان تطرب له وتستجيد معناه الذى هو " سلطة الشعب " فالديمقراطية تفرض ان " الشعب رشد وأهل لان يسوس نفسه بنفسه ويخط طريقه بمحض ارادته .

وضح الاستاذ مزالي فى كتابه هذه العناصر وبين ارتباط بعضها ببعض ولكن لا يوجد ولم توجد فى أى فترة من فترات التاريخ ولا فى اى بقعة من بقاع الارض دولة حكم فيها الشعب  (بمجموعة) نفسه بنفسه . ومن هنا تعين تأويل هذا المبدأ الفلسفي لكى يساير الواقع ، واختلف هذا التفسير تبعا للزمان والمكان وعلى سبيل المثال أذكر بعض التفسيرات التى يجد الانسان تطبيقا لها فى الدول المعاصرة :

فهناك الديمقراطبة المباشرة حيث يسير البالغون العقلاء من افراد الشعب أمورهم دون واسطة مجلس نيابي وهذا النوع موجود فى بعض المقاطعات

السويسرية حيث يجتمع " الشعب " مرة فى العام لتقرير مهماته الرئيسية وتكليف بعض الافراد لتنفيذ هذه المقررات

وهناك الديمقراطية الشبه مباشرة وهى التى ينتخب فيها " الشعب " مجلسا او مجلسين يسيران الامور نيابة عنه . وهذا النوع يختلف يختلف من بلد الى آخر نجده في انكلترا وفرنسا وامريكا مع التباين الموجود فى دساتير هذه الدول كما فى السويد وتركيا ويوغسلافيا بالرغم عن الاختلافات الشديدة التى تميز بين نظم هذه الدول .

والعراق وايران والفيليبين هى ايضا دول ديمقراطية لا يشك فى اصالتها الا من اشتاق الى زيارة سجونها

وهناك الديمقراطية الشعبية الموجودة فى رومانيا وبولونيا وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا والصين حيث تطلب الحكومة من الشعب أن ينتخب قائمة من مرشحي منظمات قوامها حزب الحكومة ومتجانسة معه

من هذا العرض الموجز تفهم ما جاء فى مقدمة الكتاب من أن الديمقراطية اشد الظواهر المعاصرة استعصاء عن البحث وتمردا على التحليل ، وهي - رغم ما يبدو من واضح مدلولها ومتعارف معناها ومتداول مصطلحها - مدعاة للالتباس ومجلبة لسوء التفاهم والاختلاف . ذلك أن معناها تغير بتغير الزمان والمكان ومفهومها تطور بتطور المعطيات الاجتماعية والاقتصادية " (ص ١٤ ) .

وإذا لم يجد القارئ الا تلميحا لهذه الانماط دون تعيين النمط الافضل الذي يليق بالشعب التونسي ويتمشى مع نفسيته وتاريخه ويلائم طبيعة بلاده ، ولم بجد ذكرا لعيوب هذا المذهب السياسى فذلك راجع الى أن الاستاذ مزالى اعتمد فى بحثه على المدلول العصرى لكلمة ديمقراطية بوصفها حالة فكرية وفلسفة عامة للحياة الانسانية والحياة السياسية بوصفها نظرية لا تستبعد اى نظام حكم سواء أكان ملوكيا أم جمهوريا بشرط الا يتنافى مع الكرامة الانسانية والحرية الشخصية

وعلى ضوء هذه الحقيقة نفهم شدة اهتمام المؤلف بالكرامة الانسانية والحرية الشخصية التى خصص لتوضيح معناهما وإبرازهما جل صفحات الكتاب . وقد اجاد في وصفهما اجادة تامة تأخذ بالمشاعر وتستهوى الاسماع خاصة عندما يترك لنفسه العنان للتعبير بحرارة عما يجيش فيها من تحرق واشتباق الى الحرية والعدل والاخاء : المهم هو ان نؤمن بقدسية جميع الوظائف الاجتماعية أى بقيمة جميع

افراد المجتمع . فما دمنا جميعا تقوم بعمل لفائدة المجموعة ، وما دامت حياة المجموعه مربوطة بعملى انا وما دام عملى انا لا يقل ضرورة عن عملك انت فلماذا يميز بعضنا على بعض ويتمتع بعضنا بما يحرم منه البعض الاخر . وهكذا تنبثق فكرة المساواة وتوضع دعامة من اهم دعائم الديمقراطية (ص ٧٩) .

فهل من العدل بعد ذلك أن نسند الى واقع ليس البشر مسؤولين عنه لتحكم على الاكثرية بالعجز ونسلبها الكفاءة وتنكر عليها القدرة ؟ اليس من الصواب ومن الانصاف للانسان ان نعالج هذا الواقع المؤلم حتى نرفع جميع اسباب التعجيز والظلم فنوفر للجميع الفرص ليتجاوزوا منزلتهم ويحققوا ما هو بالقوة فيهم ؟

ذلك ان معنى المساواة عندنا ليس التسوية بصورة حسابية آلية وانما هو توفير الفرص للجميع ، وتمكين الجميع من بلوغ أقصى ما يمكنهم بلوغه (ص ٨٣ )

" انما يهمنا فى بحثنا هذا أن تثبت قدسية الحرية وضرورتها للفرد والجماعة هى قانون يسيغه العقل ويفرضه الضمير ، فالانسان لا يبلغ تماما ولا يحقق ذاته ولا يكتسب انسانيته ولا يكون " هو " ما لم يتمتع بالحرية وممارستها بصورة فعلية فهى التى تسمو به عن تخرج به من دنيا السفاهة والعجز والقصور الى دنيا الرشد والقدرة والكمال . بها يشرف ويعظم ويتسامى . وبدونها بفقد صفته البشرية ، ذلك ما يعلل لنا توق البشر - جميع البشر - اليها وتعلقهم بها ونضالهم دونها

هناك شعور قوي عارم بأنا ولدنا أحرارا ولا يمكن لاية قوة مهما كان مصدرها - ان تسلبنا حريتنا ، ولا معنى للحرية ما لم يكن حظ الناس منها واحدا وما لم يتمتع بها البشر اجمعين حيث وجدوا وأنى عاشوا وأيا كان لون بشرتهم ونوع الدم الذي يجرى فى عروقهم

فالحرية شعور بالحرية إذن ولكنها أيضا شرط من شروط الحياة الاخلاقية اذ لا يمكن محاكمة الشخص ومجازاته على افعالها وشرها إن كان مسيرا خاضعا ، جمادا.

اما من ناحية الاجتماع والسياسة فهى فرض أولى لا يمكن بناء صرح اى نظام عادل من دونها " . ( ص ٨٥ )

ويختم المؤلف كتابه بالفات نظر الشعب الى اهم مقومات الحياة الكريمة مثل التعليم والشغل والعدل والطعام والامن التى لا توجد أى أمة من دونها ولا يمكن لاى انسان الاستغناء عنها .

اشترك في نشرتنا البريدية