وقفت ذات يوم بمعهد القدماء المصريين انظر إلي عمده وجدره وأبراجه ، وتملكني ما لابد يتملك من استشعار الروعة ، ومن الإعجاب بقدرة اولئك الجدود ، وصبرهم وبراعتهم . وفكرت في القوم وهم يرفعون قواعد هذا البناء ويمعنون في كل شبر منه نقشا ورسما وكتابة ، هل خطر لهم أي اجيال واجناس ستنظر ما صنعوا . . ؟! وفكرت فيما قد يتخلف عنا من آثار ، وما سنثيره في الأجيال المستقبلة من خواطر ، وما ستتطور إليه الحياة بعد الف عام أو آلاف .
وشغل فكري أكثر ما شغله هذا الشيء الذي نسميه الزمن ونقيسه بالأيام والسنين . ما مكان هذا الزمن بين ظواهر الوجود ، وما نصيبه من الحقيقة أو الخيال ؟ . . إن يوما قد يمر بالمرء وكأنه عام ، وعام يمر كأنه يوم ؛ والفترة من الزمن قد يراها الإنسان طويلة مرة ويراها قصيرة مرة أخري ؛ يتذكر شيئا حدث في العام الماضي فيقول كأنما حدث هذا أمس ، ويتذكر حادثا في العام الماضي أيضا فيعجب من أن لم يمض عليه إلا عام .
هذا في اليقظة ، أما في المنام والأحلام فأمر الزمن اغرب ، كذلك الذي رأي حوادث الثورة الفرنسية متتابعة ، ورأي آخر الأمر انهم ساقوه إلى المقصلة واهووا على عنقه ، فاستيقظ فزعا ، فوجد شيئا سقط على قفاه وهو نائم ؛ هذا الحلم الطويل مر جميعه بالعقل الباطن لذلك الحالم في اللحظة التي صك قفاه فيها ذلك الشىء !
فالزمن إذا ترك تقديره للنفس بمشاعرها وأثر الحوادث فيها ، لم يكن له معيار ثابت . وإذا كانت معايير النفس الواحدة تختلف فمعايير النفوس المختلفة امعن في الاختلاف . لذلك اصطلح الناس على قياس الزمن بظاهرة طبيعية ثابتة
لا شأن لها بمشاعر النفوس ، هي دورة الأرض حول نفسها ، ودورتها حول الشمس .
لكن هذه الظاهرة لا تعدو أن تكون اصطلاحا بين الناس لتقدير شىء لا يتاح لنفوسهم بفطرتها ان تتفق على تقديره ، كاتخاذهم الذهب مقياسا لقيم السلع ، أو كلمات اللغة حدودا للمعاني . فالإنسان في قرارة نفسه لا يتقيد في تقدير الزمن بدورة الأرض ، كما ان الذهب في ذاته لا قيمة له عنده ، والألفاظ لا تعنيه لو انفرد بنفسه واستقل عن المجتمع .
والآن لننظر إلي هذه الظاهرة الطبيعية ومدى ثباتها . إن الأرض حقيقة تدور حول نفسها وحول الشمس في انتظام لا يتخلف ، ونحن نعد هذه الدورات واحدة واحدة ، ونرقم كلا منها برقم ، ونقول سنة كذا بعد الميلاد ، وسنة كذا قبله ، ونسمى ما فات منها ماضيا وما سيأتي مستقبلا . هذا كله ثابت بالنسبة إلينا نحن الذين نعيش على الكوكب المسمى الأرض ؛ لكن لنفرض أن أحدنا رحل إلي كوكب بعيد ينتقل الضوء منه إلينا ومنا إليه في بضع سنين ، ويبتعد عنا بسرعة كبيرة تبلغ نصف سرعة الضوء ، فإذا فرضنا أن هذا الراحل لا يزال يرانا ونحن نراه ، فإنه يري أرضنا تتم دورتها حول نفسها في مدة هي في تقديرنا ٣٦ ساعة لا ٢٤ ساعة ، وتتم دورتها حول الشمس في عام ونصف مما نعد ؛ ثم إنه يري من أمورنا ما قد مضي عليه بضع سنين ، فهو يعيش في ماضينا . وهو من ناحيته يعيب علينا مثل الذي نعيب عليه ؛ فنحن نري دورة كوكبه حول نفسه وحول شمسه في مدة تساوي تقديره لها مرة ونصفا ، ونعيش أيضا في ماضيه ، فإذا لحق بهذا الراحل غيره من الناس ، ولم يكن بد من الاتصال بهم والتعامل معهم ، وجب أن نبحث عن ميزان ومقياس جديدين للزمن يتفقان وهذه العلاقة الجديدة .
وإذا حدث بعد ذلك ما نرجو ألا يحدث ، وانتقل واحد
إلي كوكب ثالث يقترب منا بسرعة كبيرة ، فإنه يري يومنا وعامنا اقصر مما نراهما ، ونري مثل هذا في يومه وعامه . فإذا لم يكن بد من التعامل مع الكوكبين معا فسيعيينا البحث عن مقياس للزمن يتفق وتقدير أهل الكواكب الثلاثة . ولما كان في الكون ملايين من الأجرام تفصل بينها سنون ضوئية ، ويقترب بعضها من بعض أو يبتعد بسرعة هائلة ، فإن أمر الزمن وتقديره وماضية وحاضره بالنسبة للكون في مجموعه إشكال أي إشكال . .
يقول الله تعالى : " وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون" ، هذه الآية الكريمة التي نزلت قبل الكشوف العلمية الحديثة بنيف والف عام تصرح بأن مقياس الزمن الذي درجنا عليه ليس المقياس الوحيد ، وأن عند الله مقياسا أو مقاييس اخرى. وفي آيات أن الله سخر لنا الشمس والقمر لنعلم عدد السنين والحساب ، وفي الحق أنه لولا ثبات هذه الظاهرة بالنسبة إلينا ، وصلاحها مقياسا للزمن نجتمع عليه ، لاختلط علينا هذا الأمر . . ثم " تعرج الملئكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين الف سنة" ، فهذا مقياس آخر ؛ ثم "الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام "، من الغباء الآن ان نظنها أيام الأسبوع ! .
ويذهب فرويد إلي ان العقل الباطن للإنسان لا يعرف الزمن وقياسه بالساعة واليوم ، ونعته بالماضى والحاضر او المستقبل ، وتسلسل الحوادث تسلسلا زمنيا ، فهذا كله اختراع قضت به ضرورات حياتنا الواعية . ولا شك أن العقل الباطن هو أقرب جوانب النفس إلى فطرة الوجود وحقائق الكون الجوهرية .
ثم يأتي علماء الرياضيات ويضربون ضربة حاسمة ، ويقطعون بأن الزمن كظاهرة مستقلة بذاتها لا وجود له ،
وأن ما له كيان حقيقي إنما هو مركب من الزمن مع الفضاء ، وأن لكل شىء ابعادا من الطول والعرض والارتفاع والزمن جميعا . هذه الطبخة الجديدة تجعل الرأس يدور ، ويبدو اننا فقدنا صاحبنا الذي نشطنا للكلام عنه إذ فقد هو ذاتيته واندمج في غيره ، فلنحاول تقصيه في مركبه الجديد ، فلا شيء ينعدم وإن تغير منه الشكل واللامح.
إذا كان لكل شىء امتداد في الزمن كما له امتداد في الفضاء ، فمن العسير أن نقول اي اجزاء الشىء يقع في الماضي وأيها في المستقبل ، إذ يتوقف هذا على النقطة التي نتخيرها من امتداد ذلك الشىء ونعتبرها حاضرا . إذن فقد الزمن كبرى مميزاته ، وهي تقسيمه إلي ماض وحاضر ومستقبل ، فهذا شىء اعتباري لا تحتمه الطبيعة . ومن هذه النقطة يمكن أن يثار سؤال خطر ؟ . . هل الأشياء جميعها وما يحدث لها تم خلقها من الأزل وطويت الصحف وجفت الأقلام على حد القول ؟ وهل كل شىء كائن قائم ونحن الذين نمر به ، مثلنا كراكب قطار يخال أن الأشياء تأتي وتذهب ، بيها هو الذي يحمل إليها ويغادرها ، او كشاهد خيالة يري في كل لحظة شيئا جديدا ولا جديد إلا في مخيلته وناظريه؟ ! . .
إن صح هذا فتحت علينا دنيا من الفكر في الفضاء والقدر ، والثواب والعقاب وما إليه ؛ وذلك بحوث غير التي قصدنا إليها لا يحتملها هذا المقال . فحسبنا ان نري كيف يقترب العلم الحديث من الفلسفات الروحية في بعض المواضع .
أما الزمن على الصورة التي تألف فإنه يختفي في هذه المرتفعات وتزول قيوده ، مثلنا منه كالسائر على الأرض لابد له من أن يلزم طريقا معينا ، فإذا صعد في الجو تحرر من قيد الطريق ، وضرب في أي اتجاه كان .

