قال الفيلسوف للمرأة الحزينة التي أتته باكية شاكية : ألا تدرين يا سيدتي أن ملكة الإنجليز ابنة هنري الرابع قد تحملت من المصائب اكثر مما تحملت أنت ! إذ طردت من مملكتها ، فهامت وسط البحار تكاد تهلكها العواصف ، ثم شاهدت سكين المقصلة وهي تهوي على عنق زوجها الملك ؟ . .
فقالت السيدة : إني أرثى لحالها . . ولم تفك تندب حظها وتبكي .
قال الفيلسوف : تذكري ياسيدتي قصة ماري ستيوارت التي أحبت موسيقياً جميلاً رقيق الصوت فنكبت في حبها بسبب غيرة زوجها . ثم اقتيدت إلي المشنقة بسبب أطماع أختها ... .
أجابت المرأة : إنها قسوة ليس لها من مثيل !... وواصلت النحيب .
قال : إذا فلأقص عليك ما جرى لأميرة عظيمة تلقت عنى الفلسفة . كان لتلك الأميرة عشيق ، شأنها في ذلك شأن سائر الأميرات العظيمات وباغتها أبوها ذات ليلة في مخدعها مع عشيقها ، فاضطربت الفتاة وقفزت من نافذة حجرتها فكسرت ساقها ، أما الفتى فقد قتل شر قتلة . ولقد قابلت الأميرة بعد ذلك في سجنها فلم تكن تحدثني إلا عن مصائبها .
قالت المرأة : لماذا إذا لا تريد أن اتحدث أنا في مصائبي ؟ ...
فأجاب الفيلسوف ؛ لأنه يجب أن لا تفكري فيها . فلا يليق بك أن تتفجعي وتيأسي وأنت ترين أشجان كل هاتيك السيدات العظيمات . .
ولم يصبح صباح اليوم التالي إلا وقد مات للفيلسوف ابنه الوحيد . فكان حزنه عليه عظيما . وكانت الفجيعة أن تودي بحياته هو الآخر .
وعلمت السيدة بالخبر . فبعثت إليه بورقة قد دونت فيها أسماء جميع الملوك الذين فقدوا أولادهم . وتلقاها الفيلسوف ، وقرأها ، فوجدها في غاية الدقة ، ولكنه لم يزدد إلا حزنًا . .
وبعد مضي ثلاثة أشهر على هذه الأحداث ، تلاقى الفيلسوف والسيدة . فكانت دهشة كل منهما عظيمة ، إذ رأي صاحبه لا تبدو عليه دلائل الحزن واليأس ، بل على التقيض من ذلك يطفح وجهه مرحاً واستبشاراً . . وعرفا يقظتهما السبب في هذا التغير ؛ فأقاما الزمان تمثالًا جميلاً ، ونقشا على قاعدته هاتين الكلمتين : " إلى السلى " !. .

