الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 359الرجوع إلى "الرسالة"

الشمس

Share

ما أحمى الشمس النارية! ... قد أحرقت زرع أراضينا الخصبة

جف التراب ومات الزرع ... فافتخرت الشمس النارية

ليتني أجد سهم يي ... فأرميك به حتى تسقطي في أعماق البحار

وليتني أجد سيف يان ... فاقطعك به حتى تموتي وراء الجبال

لكن السهم والسيف ليسا معي ... وإنما أذرف الدم من عيني دموعاً على الجبال

ما أطول النهار! فمتى يحين الليل؟ ... ومتى الهدوء والنهاية؟

انتظرتني السيدة الكريمة حتى أتممت قراءتها كتاباً كتاباً  ثم قالت لي بصوت هادئ حزين: -  لعلك قد عرفت القصة بوضوح أيها الضيف الكريم؛  فقد مات أبني الوحيد في تلك الليلة المشئومة، ليلة ١٦ يونية.  وقد جاءنا في ظهر اليوم التالي راهب صغير وقدم لزوجي رسالة،  فخرج من فوره، وكنت أظن سيدنا استدعاه لأمر مهم فإذا به  يعود بعد منتصف الليل متعباً سكران، ثم لم يلبث أن جاء طارق  يطرق بابنا، فلما فتحته وجدت اثنين من الرهبان فصاحا قائلين: -  واحزنا أيتها السيدة الكريمة! لقد قتل ابنك الكريم! فلما سمعت كلمتهما أخذتني رعدة شديدة. وخرج زوجي فجأة  من الغرفة كأنه قد سمع ما أخبراني به، وصاح قائلاً: -  أواه! لقد غلطت في القتل! لقد غلطت في القتل!  ثم خرج من الباب مسرعاً!

وذهبت إلى المعبد عَدْواً، فلما دخلت الحجرة التي ينام فيها  ولدي، وجدت على مكتبه رسالة مكتوباً فيها:   (إلى أمي المحبوبة  من ولدها يين) . فأخذتها ووضعتها في جيبي، وأسرعت  إلى المكان الذي يزدحم فيه الناس حول القتيل، فرأيت ابني  يين مخضباً وجهه بالدماء وقد سكن قلبه وبرد حسه، فسقطت  على الأرض مغشياً عليَّ

ولما افقت من الإغماء وجدت السماء صافية والشمس  ساطعة، ظننت أني كنت في حلم مخيف، وحدقت فيما حولي  فوجدتني نائمة في حجرة الفتاة الصغيرة، ووجدتها ساكتة  بجانبي؛ ولما رأتني قد أفقت أحنت جسمها وأخذت تعزيني،  فازداد بذلك حزني وبكائي، وبكت الفتاة معي

وبعد قليل دخل السيد مين وزوجته السيدة لي وقال لي السيد:    (يجب أن ندفن ولدنا يين؛ فلماذا لم يظهر أبوه إلى الآن؟) لما سمعت ذلك عرفت أن زوجي لم يجئ إلى المعبد قط، ثم  تذكرت الكتاب الذي تركه ابني على مكتبه فطلبت من الفتاة  أن تخرجه من جيبي وتقدمه إلى والدها ليقرأه؛ فما كاد يتناوله  حتى سقط من يده كتاب آخر، هو الكتاب السري الذي  كتبته السيدة لي إلى زوجي، فلما رأته السيدة لي خرجت مسرعة  وأخذ السيد يقرأ كتاب ابني، وخرجت الفتاة الصغيرة فقدرت  أنها ذهبت لتأخذ اليوميات من درج المكتب. وقرأ السيد

الكتاب السري فازداد غضباً على غضب وسكت برهة ثم انفجر  باكياً وصاح يقول: (ولدي يين، ولدي يين! لقد كنت أرجو أن  أراك رجلاً حتى تجاهد في سبيل وطنك، لكنك قد مت من أجلي  وأجل فتاتي آه! آه! أين أجد بعدك لذة الحياة؟!. . .

ودخلت الفتاة الصغيرة مسرعة وهي تقول في ذعر: إن  السيدة لي قد أزهقت نفسها وانتحرت في غرفة يين. . . خَفَتَ ضوء المصباح لقلة الزيت، فقامت السيدة الكريمة  فغمرته بالزيت ثم رجعت لتتم حديثها: قبر ابني يين، والسيدة لي، كلاهما في المعبد، وقد قضيت  أسبوعاً هناك مريضة. ولم أسمع خبراً عن زوجي منذ تلك الليلة  فلا أدري أهو حي أم ميت! وكنت أود أن أبقى في المعبد بعد  ذهاب زوجي وأخدم السيد مين وفتاته، لكنه رفض وترهب،  وبقيت الفتاة وحدها تخدم والدها وترعى الغنم التي كان يرعاها  أبني من قبل. . . ذلك سبب ما سألتني يا بني. . .

أليست فتاة مسكينة أيها الضيف الكريم؟ وكثيراً ما تلقاني  فتقول لي: إن الغنم بعد ما فارقها راعيها امتنعت عن الأكل وقد  نفق أكثرها هزالاً، وكلما مات واحد منها بكته الفتاة بكاء

شديداً وأقامت له قبراً بجانب قبر ابني؛ فلذلك لا أظن ابني يين  يشعر بالوحشة والانفراد، ولن يشعر بهما أبداً!

أمسيت أتقلب على السرير بعد ما سمعت قصة السيدة مضيفتي  فلم أنم إلا بعد ساعات. ولما أغمضت عيني رأيت كأني قد ذهبت  إلى ذلك المعبد الرهيب، ورأيت ذلك القبر المكتوب على حجره    (قبر الفتى يين)  ورأيت حوله قبور الغنم ورأيت أيضاً تلك الفتاة  التي رايتها في النهار فوق الجبال جاثية أمام القبر تدعو لصاحبه

ثم لم يلبث أن تحول منظر القبور إلى مسرح جميل في وسطه  فتى وفتاة عاريان يرقصان ويغنيان وحولهما قطيع من الغنم واقف  وقفة الناس يرقص معهما ويغني، وثمة كثير من الأسد والنمور  وصنوف من الحيوان. . . وفجأة أبصرت إنساناً يدنو، وفي يده  سيف قاطع، يهم أن يقتل به الفتى فأخذت عليه الطريق فأهوى علي  ثم استيقظت، ولما هدأت نفسي وزال اضطرابي جلست في فراشي  أترقب مطلع الصبح حتى أستعد للسفر؛ فما لي طاقةٌ بعدُ على البقاء  في هذا المكان!

اشترك في نشرتنا البريدية