الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 176الرجوع إلى "الثقافة"

الصحافة والأدب فى أسبوع :

Share

هذا رأيى وعلى تبعته وحدى . فمن سره فهو لى صديق ، ومن ساءه فليس أحب إلى من أن يحلو لى رأيه ويعرض برهانه ، لتصحيح رأى ، أو تعديل فكرة ، أو تحقيق خبر وإن من الفضيلة ألا نثبت على الرأى إلا بمقدار ما نؤمن به .

دبلوماسى !

هل قرأت " رسالة الحج " للقاضى الدبلوماسى ، الأستاذ حافظ عامر بك قنصل مصر السابق فى جدة ؟ .

إن كنت قرأتها فقد كفيتنى مئونة التعريف وإلا فهاك البيان والخبر :

أما " رسالة الحج " فكتيب لطيف الحجم ، جليل الموضوع ، أخرجته المطبعة العربية منذ سنين ، وليس عليه من اسم مؤلفه إلا كلمة (دبلوماسي) فاستقبله الأدباء وأهل الرأى استقبالا حميدا ، وأكبروا موضوعه وواضعه ، وقدروا جلال موضوعه وجمال معرضه وبيانه

واستوثق صاحبه من رأى الخاصة والعامة فيه ؛ فأخرجه فى طبعته الثانية منذ قريب ، وعليه اسمه " حافظ عامر وأضاف إليه ما أضاف من تقاريظ كرام الأدباء ، وثناء أهل الرأى والنظر . .

هذه هى " رسالة الحج " وأما كاتبها فهو الأستاذ حافظ عامر المحامى والقاضى والسياسى " الدبلوماسى " . وحسبك بها من ألقاب !

ثم ماذا ؟ . . ثم لا شئ إلا ما كتبه الأديب " حسين نصيف : جدة " فى العدد ٤٦٠ من الرسالة ، وإن فيه لمجالا للعجب والدهشة والتأمل . .

يقول : إن " رسالة الحج " ليست للأستاذ حافظ عامر وليس له أن يدعيها ، لا بحق التأليف ، ولا بحق الترجمة ، ولا بحق البيان ؛ أما مؤلفها فهو السيد عبد الله

الدهلوى المكى ، وقد نشرها منذ سنين باللغة الأردية باسم " اسرار حج " ، وهى قائمة مشهورة ؛ وأما مترجمها إلى العربية فهو تلميذ من تلاميذ المؤلف بتكليفه ورأيه وشهادة جلسائه ؛ وأما حائك بردتها وصاحب بيانها فهو المرحوم مصطفى صادق الرافعى كما يزعم راويته وصاحب خبره فى كتاب " حياة الرافعى " .

قلت : فاذا صح هذا الذى يزعمه الأديب " حسين نصيف ؛ فماذا بقى من رسالة الحج " للأستاذ حافظ عامر . .

ولكنى لا أميل كثيرا إلى تصديق ما يزعمه الأديب الجدى ، وأراه تهويلا من التهويل على كبير من رجالنا " الدبلوماسيين " له خطر وجلال : فهل عند الأستاذ حافظ عامر بك ما يدفع به ويرد أسباب الشك ؟ وهل يملك الأديب حسين نصيف ان يبعث إلينا بالنسخة الأردية من رسالة الحج ، أو أسرار حج - كما يسميها - لنقرأ ونوازن ونحكم ؟

أهل الفن :

يحلو لكثير من القراء أن يتتبعوا ما بين النظراء من أهل الفن من أسباب وعلل ، ليثيروا بينهم ألواناً من الخصام والجدل والمنافسة يجدون فيها متاعا ولذة ؛ ولست أعرف مأتى ذلك ، ولكنى أحسه فى نفسى أحيانا ؟ فكم سول لى الشيطان أن ألتمس مدخلا بين اثنين من الأدباء لأشهد معركة من معارك الفن والأدب ؛ وإنه ليخيل إلى أحيانا أن هذه المعارك مظهر من مظاهر النشاط ويقظه من يقظات الفكر ، وإن كانت عند طائفة من أهل الأدب لونا من ألوان العداوة والبغضاء ينبغى أن يتنزه عنها الأدباء وأهل الفن

وقد خيل إلى الأستاذ توفيق الحكيم فى بعض " شطحاته الصوفية " أن من واجبه أن يقوم بعمل ما لإصلاح ذات البين وتوثيق رابطة المحبة والسلام بين المشهورين من أدبائنا ، فكتب كلمة . . ورد العقاد . .

واستحالت الابتسامة تكشيرة، وبدرت بوادر المعركة . فى سبيل السلام !

ما أحب إلى أن تحتدم المعركة ويشتد أوارها ؛ فتفتح الأغلاق ، وتفض الأقفال ، وتنثر الأغلاق المخبوءة من بنات الأفكار وبنيها ؛ ولكن للأدب ، وفى سبيل الأدب ، بعيدة عن ( أنا وأنت) وشخصى وشخصك ، وحقى وحقك ، ليكون فيها للقارئ المتاع واللذة ، وللأدب المكسب والفائدة

أم كلثوم وعبد الوهاب :

وثمة معركة أخرى حاولت أن تشبها " آخر ساعة ؛ فطلبت إلى الموسيقار محمد عبد الوهاب أن يتحدث إليها عن الآنسة أم كلثوم . . وكتب عبد الوهاب:

" . لا يصح ولا يعقل أن يكون بيننا حساب للتصفية ، بل لا يجب أصلا أن تكون بيننا منافسة .

" ذلك لأنى والآنسة أم كلثوم يكمل كل منا الآخر ؛ فاسمى واسمها ، وجنسى وجنسها ، وفنى وفنها ، وصوتى وصوتها - يؤديان معا وبالتضامن والاشتراك رسالة موسيقية )  " .

هذا طرف من حديث محمد عبد الوهاب عن أم كلثوم ، وإنه لنموذج من أدب الحديث وأدب الفن يدعو إلى الاعتبار .

ترى ماذا كانت تقول أم كلثوم لو أجاب عبد الوهاب عن سؤال ( آخر ساعة ) بغير هذا الأسلوب الرشيق ؟

وددت لو كان الحديث غير ما قرأت ولو أغضب توفيق الحكيم وأم كلثوم ؛ إذا لاستمتعت فى الغناء بلحن جديد لن يتاح لى أن أستمتع بمثله حتى تثور المعركة من جديد بين عبد الوهاب وأم كلثوم !

وفاء ....!

فى استفتاء وجهه المصور إلى قرائه: صديق علم أن زوجة صديقه تخونه : أيخبره بخيانتها أم يسكت ؟ " .

وانهالت أجوبة القراء على المصور ، وأجاب طالب فى الجامعة :

" أعتقد أن هذه الزوجة لا تخون زوجها إلا بدافع حب قديم كامن ، وبذلك تسكت أنت ؛ لأنه إذا كان ثمة خيانة ، فهناك أيضا وفاء !: "

أرأيت ؟ طالب يعد نفسه لحمل تبعات الرجولة فى غد ، يسمى خيانة الزوجة وفاء لأنها بدافع حب قديم كامن

أين الحب من الخيانة ؟ ولماذا رضيت أن ترتبط إلى رجل برباط الزواج وفى نيتها أن تخونه ؟ . . على أى وجه يفهم هؤلاء الشباب المتبطلون معانى الحب والزواج ، وحدود الوفاء والتضحية ، وتبعات الإثم والخطيئة ؟

وهذا الشاب الغر ، بأى ميزان يزن رأيه ؟ . . أتراه يحكم حكمه فى حالة بخصوصها ، أم هو يلقى حكمه عاما شاملا كالشرك فى طريق الصيد ، ليقول لكل امرأة تعترض سبيله - أو يعترض سبيلها - : ( إلى يا حبيبتى ولا تخشى معابة ، فان لنا ماضيا عريقا فى الاثم والخطيئة

ليتنى أعرف ذلك الغلام فأهمس فى أذنه بالكلمة التى لا استطيع أن أقولها هنا ، فيحمر وجهه خجلا !

المغازلة التى لا أنساها !

ويسأل سائل : من أين لفتياننا وفتياتنا هذه الخواطر الخبيثة تتسلل إلى عقولهم وقلوبهم ، فتجعلهم شيئا غير أبناء آبائهم ؟

وأجيبه بمقال طويل فى العدد ٤١١ من مجلة الاثنين عنوانه " المغازلات التى لا أنساها ، تتحدث فيه طائفة من غوانى هوليود عن ذكرياتهن، وإنها لذكريات . .

ماذا أقول ؟ . . لقد أحسست وأنا أقرأ ذلك المقال كأنما عدت القهقرى بضع عشرة سنة من عمرى ، ودب نشاط " ابن العشرين " فى دمى وفى أعصابى ، وتمثلت لى أمانيه وأحلامه ، وتجسدت أمام عينى

صور من الأوهام . .

ويحى ! : لقد كدت أصبأ بعد مشيب !

معذرة لك أيها الفتى ، ومعذرة لك أيتها الفتاة ؛ ولكن لا عذر لأبيك وأخيك ، ولا عذر للدولة التى تسمح بأن تكون مثل هذه الصحائف تحت عينيك وعينى أخيك الفارغ المتبطل

ثروة !

قرأت فى " الصباح " :

" عرفت رجلا من إخواننا أبناء الملة الثالثة ، يعيش بطريقة شريفة ، وفذة ، وسهلة ؛ فهو يذهب إلى محل بائع السجاير أو الحلوى فى نقطة كثيرة المرور ، فيتفق مع صاحبه أن يركب له آلة تليفونية باسمه - أى باسم صاحب المحل - ويدفع الأول اشتراكها السنوى ،

ويضع عليها غطاء لجمع قروش من يستعملون التليفون من المارة ، ويعطى صاحب المحل فى مقابل ذلك خمسة عشر قرشا شهريا ؛ وقال لى الرجل إن له عشرين آلة فى محال مختلفة ، ودخله اليومى من كل منها خمسون قرشا فى المتوسط ، أى أنه يربح يوميا من هذه العملية السهلة عشرة جنيهات وهو جالس على مقعده "

قلت : ومعنى ذلك أن صافى إيراده السنوى يقرب من ٣٥٠٠ جنيه ، على حين لا يزيد رأس ماله على ٢٠٠ جنيه ؟ فهل فكر كثير من شباننا المتعطلين فى استغلال مثل هذا العمل الهين ؟ وهل امتدت أحلام أحدهم يوما إلى تحقيق مثل هذه الأمنية ؟ . .

. . ولكن لشباننا المتعطلين مما يشغلهم عن مثل ذلك أشياء وأشياء

اشترك في نشرتنا البريدية