الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

النقد الادبي في امريكا اليوم

Share

٢ - اللن تيت Allen Tate

" اللن تيت " شاعر ناقد يعد من اشهر الادباء الامريكين المعاصرين ، وهو جامعي يحمل درجات علمية ويشغل مناصب جامعية ، ولكنه يخالف اكثر الجامعيين في فهم الادب وفي طرق تدريسه . يسمي الذين يدرسون الادب على طريقة علماء الاجتماع " الصيادين " و " آلات العد والقياس " لانهم لا يرون في النص الادبي الا شواهد يصيدونها ليطبقوا عليها نظرياتهم ، ويخرجوا منها ارقاما واحصاءات ، ويرى ان نظريات التربية الحديثة ستجعل الامريكين شعبا من الاميين في الناحية الادبية . وان الادب قد ضاع بين كليات الآداب ومدارس ترشيح المعلمين التي جعلت العقل للعلوم والعاطفة للاداب . واشتغلت بالوسائل واهملت الغايات .

اما الجانب الايجابي من نظريات " تيت " فيمكن تلخيصه في ثلاث نقط : ١ ) ان الادب نوع خاص من المعرفة يختلف عن العلم ولا يقل عنه اهمية .

٢ ) ان الاتباع ضروري في الادب . وإلا كان الانتاج الادبي بناء على غير اساس وان الابتداع يكون بتعديل الاتباع لا يتركه والخروج عنه .

٣ ) ان العمل الادبي هو نتيجة التوازن الناشيء عن توتر ( Tension) يكون بين التجربة والاتباع .

ويمكن توضيح هذه النظريات بمقابلة قطعتين من الادب العربى المعاصر :

(١)

أهي النشوة ان يجرى الدم            ويظل الارض جو مظلم

حارت الاطماع فيما تشتهي         ظمأ ضار وجوف نهم

تبتغي الدنيا نضارا وقنى            عصبة اوهى حجاها السأم

كلما ضجت ثراء هاجها                 كلب يعوي على ما يلهم

وجنون شائن في عرفه                     ليس من حر سوى من يظلم

كل شعب عشق النور وما                هان للاذلال خصم ينقم

أمطروه من لظى الحقد ولم                 يتركوا في ارضه ما يغنم

جيشوا الدنيا على إفنائه                  فهو في شرع التحدي مجرم

فاذا بالفن ذوب لاهب                  واذا بكر المغاني رمم

واذا الاجساد نثر خافق                 وندى الارض انسكاب اقتم

رب طفل ناعم في مهده                باسم للحب فيما يحلم

وحيال المهد ظل حائم                  مقلة ترنو وقلب يرأم

ومناغاة ودنيا عذية                  عصف الهول بها لا يرحم

ذابت الاشلاء في قلب اللظى       فاذا وكر الاماني حمم

واذا بالجو - والدنيا ضحى -        ظلم حامت عليها ظلم

هرم من وطأة العمر انطوى           حار لا يدرك اين المجثم

دار والارض انتقاض ودم              تارة يحبو وطورا يكدم

يشتهي المسجى وهل من مرقد        في مدى ينهار او يضطرم

وأيامي مزقت أصواتها                  كل قصف ضج منه الصمم

ويتامي تنشد الملجأ وما              من حمى إلا الرماد الاسحم

كوم من بشر تغلي على             مشرف البركان والدنيا دم

نشت الارض نجيعا فارتوت          وشكا قلب الثرى ما يؤلم

ضاع رسم الافق في موج الفضا    وتوارت في الظلام الانجم

فكأن الكون مزج شائه           غارت الدنيا به والسدم

هي ذي الحرب وفي احشائها     مضمر ما نال منه الندم

جشع يلتهم الموتى وهل         تشبع الغيلان ام هل تحلم

(٢)

نشيد

رجل عزم على اقتحام صعاب المجهول طمعا في التقاط نفحة الابدية

يخاطب ضارب قيثار يجوب الآفاق باحثا عن طرب غير مألوف :

" أيها القينثار

رفرفت نشيدا هائما هلعا

فررت من اوكار

علقوا بها قصيدا رددوه في كعبة الوطن

أيها القينثار

أنت حس مصطفى

ينشد الثمار في سرائر طابت تحت شمس بكر

ما مسها حسبان

ايها المتمرد في وادهان غلقته أسوار صغار

أيها القيثار

يا أخي في الظما

رجع اهازيج انهار صدقت عندها الاساطير

غمرت حلم الاوتار فماجت حرة مرحة

تشيع جهادي في مهاوي قفار

نصبت فيها الاخطار نصيبي الخطير

القطعة الاولى اتباعية فى بنائها ونسيجها - وزن وقافية وتراكيب عربية مألوفة ، والقطعة الثانية ابتداعية في بنائها ونسيجها أيضا . لها وزن يدل عليه تقسيم الجمل وتسكين بعض الحروف في وسط الجمل ، ولها قافية هي الراء في " قيثار " و " اوكار " و " انهار " و " اوتار " الخ . واكثر تراكيبها غير مألوف في العربية . القطعة الاولى ليس لها عنوان وليس لها مقدمة ولا تحتاج الى شرح ، والقطعة الثانية لها عنوان ولها مقدمة وهي مع ذلك تحتاج الى الشرح . وتعليل ذلك حسب نظريات " تيت " - هو ان القطعة الأولى فيها توازن ناتج عن التوتر الموجود بين التجربة والاتباع ، والقطعة الثانية ليس فيها توازن لان التجربة فيها منفصلة منعزلة خالية من التوتر الذي يجعل التجربة معرفة والتعبير عنها شعرا . فى القطعة الاولى يوصف مجرموا

الحرب بأنهم " عصبة أو هى حجاها السأم " وفي ذلك نوع من المعرفة يختلف عن المعرفة الذي يقدمها علم النفس في الموضوع . ويشار الى الاستعمار والاستغلال بطريقة يوجد فيها ما لا يوجد فى العلوم الاجتماعية والسياسية ، وفي قوله :

رب طفل ناعم في مهده            باسم للحب فيما يحلم

وحيال المهد ظل حائم             مقلة ترنو وقلب يرأم

ومناغاة ودنيا عذبة               عصف الهول بها لا يرحم

تجربة اخلاقية لا يمكن التعبير عنها بأسلوب علماء الاخلاق . فالقطعة الاولى تعد من الأدب الرفيع حسب نظريات " تيت " لانها تحتوي على تلك الانواع من المعرفة الخاصة اي المعرفة الشعرية

مقدمة القطعة الثانية تحتوي على بعض العناصر المذكورة فلو كتبت على هذه الصورة :

رجل عزم على اقتحام صعاب المجهول

طمعا في التقاط نفحة الابدية

ضارب قيثار يجوب الآفاق

باحثا عن طرب غير مألوف

لكانت اقرب الى الشعر ، وليس كذلك " النشيد " نفسه . فمقدمة القطعة الثانية تعد من الادب حسب نظريات " تيت " اما القطعة نفسها فلا تعد من الادب لان خلوها من التوتر بين التجربة والاتباع جعل التعبير يظهر كأنه ترجمة حرفية عن لغة اجنبية وللسبب نفسه ضاع وزن القطعة او موسيقاها فلا يمكن ان يهتدي اليه القارئ الا اذا سمع القطعة من فم الشاعر نفسه ودله هذا على ما أراد .

اشترك في نشرتنا البريدية