الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 448الرجوع إلى "الثقافة"

الهند ونظام الدومنيون

Share

فى الأنباء الأخيرة أن قانون استقلال الهند قد تم صدوره، وأصبح قانونا نافذا من قوانين الإمبراطورية البريطانية . وهذا القانون هو الذى يتوج الوضع الدستوري الجديد الهند، وتقسيمها إلى " دولتين جديدتين " هما : دولة الهندوستان، ودولة الباكستان وكل منهما تتخذ صفة " الدومنيون " داخل جماعة الأمم البريطانية (الكومنولث ) على نسقى كندا، واستراليا، وجنوبى أفريقية، وغيرها من وحدات الدومنيون .

وهذا الوضع الدستورى الجديد للهند، وتحولها من ملك أو مستعمرة للتاج البريطانى إلى نظام الدومنيون " أو الأملاك المستقلة هو النتيجة العملية لتصريح البريطانى الذى ألقاء مستر اقلى فى مجلس العموم فى فبراير الماضى، وذكر فيه : " أن الحكومة البريطانية قد اعتزمت بصورة نهائية ان تتخذ الإجراءات الضرورية لتسليم السلطة فى الهند إلى أيد هندية مسئولة، وذلك فى موعد لا يتجاوز شهر يونيو سنة ١٩٤٧ " . وكان المفروض أن يتم هذا التغيير على أسس النسوية الدستورية الجديدة التى قدمتها اللجنة الوزارية إلى الهند فى العام الماضي، والتى تقوم على إنشاء دولة هندية أتحادية ، تضم الهند البريطانية والإمارات

المستقلة مع اختصاص مشترك فى شئون الدفاع والمواصلات والشئون الخارجية .

وقد بدئ بالفعل بتنفيذ الدستور الجديد، وأقيمت حكومة هندية مؤقتة، كما أقيمت جمعية تأسيسية لتضع دستور الهند الجديد على الأساس المتقدم . ولكن هذه المحاولة لقيت معارضة شديدة من الرابطة الإسلامية التى تنطق باسم الكتلة الإسلامية، لان المشروع الجديد يستبعد إنشاء الدولة الإسلامية المستقلة (الباكستان ) التى تطالب بها أغلبية الكتلة الإسلامية، ومن ثم فقد انهار المشروع منذ البداية، واضطرت الحكومة البريطانية إلي أن تبحث عن حل جديد لهذا الموقف المعقد، فبثت إلي الهند باللورد مونتبائن، وبعد مباحثات ومحاولات جديدة نجح اللورد فى التفاهم مع زعماء حزب المؤتمر، ممثل الأغلبية الهندوسية، وزعماء الرابطة الإسلامية، ممثلة الكتلة الإسلامية، وانتهى الأمر بالاتفاق على تقسيم الهند إلى وحدتين سياسيتين كبيرنين، هما : " الهندوستان " أى دولة الهندوس والباكستان " أو الدولة الإسلامية المستقلة .

وقد ظن الكثيرون حينما صدر تصريح الحكومة البريطانية باعتزامها نقل السلطة إلى الهنود، بأن الهند

سوف تنال استقلالها التام، وسوف يجلو عن أرضها آخر جندى بريطانى، وتترك لمصيرها بصورة مطلقة؛ ولكن هذا التفسير كان مبالغا فيه، وقد قرنت الحكومة البريطانية يومئذ تصريحها بأن تحقيق هذا الوعد منوط باتفاق الهنود أنفسهم، وان الهند سوف تكون حرة فى البقاء داخل الإمبراطورية او الخروج عنها، ولكن المرجح انها ستفضل البقاء داخل الإمبراطورية وقد كانت هذه التحفظات عنوان المروتة المأثورة التى عرفت بها السياسة البريطانية، وكانت فى مجملها تدل على أن بريطانيا لم تفكر فى التخلى نهائيا من ألمع جوهرة فى التاج البريطاني .

وقانون الهند الجديد يعترف بقيام دولتين جديدتين فة الهند هما: الهندوستان والباكستان، وينص على تقسيم مقاطعتى البتغال والبنجاب الحاليتين، وضم القسم الشرقى للبتغال، والقسم الغربى من البنجاب إلى دولة الباكستان، وعلى أن يكون لكل من الدولتين الجديدتين حاكم مستقل، إلا إذا اتفق المجلسان التشريعيان للدولتين على أن يشغل هذا المنصب شخص واحد . وقد عين حاكما الدولتين الجديدتين بالفعل، فعين لورد مونتيانن آخر نائب الملك الإمبراطور فى الهند، حاكما لدولة الهندوستان، وعين السيد محمد على جنة زعيم الرابطة الإسلامية حاكما لدولة الباكستان؛ وسيكون تنفيذ القانون الجديد، ومباشرة كل من الحاكمين لمهامه كحاكم مستقل للدومنيون، متسذ يوم ١٥ أغسطس سنة ١٩٤٧.

وسيطبق على دولتى الدومنيون الهنديتين قانون وستمستر الصادر فى سنة ١٩٣١ بتنظيم علائق وحدات الإمبراطورية البريطانية أو الكومنوات مع التاج البريطانى ؛ ومؤداء أنه يحق لبرلمان الدومنيون أن يلغى أو يعدل أى قانون انجليزى يسرى على الدومنيون، وأنه ليس للبرلمان الإنجليزى أن يسن قانونا ويطبق على أى بلد من بلاد الدومنيون، ما لم ينص فيه على رغبة هذا البلد فى تطبيق

القانون. ويعتبر ملك انجلترا وفقا لنظام الدومنيون، هو السلطة العليا فى كل " دومنيون " كما يعتبر الحاكم العام الذى يعينه الملك ممثلا له، ويكون مركزه الدستورى فى الدومنيون كمركز الملك فى انجلترا، فلا يعمل إلا بواسطة وزرائه المسئولين أمام الهيئة التشريعية؛ ومع ذلك فإن الدومنيون يتمتع بحريات واسعة من حيث التمثيل السياسى، وعقد المعاهدات التجارية ووضع الأنظمة الجمركية وغيرها .

وأما الإمارات الهندية فموقفها لا يزال غامضا، وهى تعتبر من حيث الوضع الدستورى متمتعة باستقلالها الداخلى بعيدا عن حكومة الهند، ومرتبطة بالتاج البريطانى بمعاهدات خاصة . وقد غيرت فى النظام الجديد أن تقرر الانضمام وفق مشيئها لأى الدولين الهنديتين الجديدتين : الهندوستان أو الباكسنان . ولكنها حتى اليوم لم تقرر مثل هذا الانضمام، والأمر بالعكس، فقد أعلن بعضها الاستقلال مثل ولاية كشمير، وكان المفهوم أن ولاية حيدر آباد أكبر وأغنى الولايات الهندية المستقلة ستقرر انضمامها إلى دولة الباكستان الجديدة، ولكنها لم تفعل مؤثرة التريث والانتظار. يبد أنه يلوح لنا أن الولايات الهندية ستؤثر آخر الأمر أن تبقى على وضعها الدستورى الحاضر، وعلى صلاتها الوثيقة بالتاج البريطاني .

وهكذا تغدو الهند على نسق كندا وأستراليا وجنوب أفريقية وحدة من الأملاك المستقلة أو الدومنيون . وهذا الحل الجديد لمشكلة الهند هو نتيجة لوعود السياسة البريطانية المتكررة للهند يمنحها الاستقلال الذاتى . وقد صدر آخر هذه الوعود أثناء الحرب العالية الثانية، إذ تعهدت الحكومة البريطانية بأن تمنح الهند بعد الحرب نظام " الدومنيون "، والهند تغدو اليوم فى عداد وحدات الدومنيون تحقيقاً لهذا الوعد . ومن الواضح أن الهند وإن لم تحصل بهذا الوضع على استقلالها التام تكتسب حقوقاً

وحريات جديدة واسعة، وتتحول من مستعمرة للتاج إلى وحدة سياسية ذات استقلال ذاتى، ولكنها مع ذلك تعتبر جزءا لا يتجزأ من مجموعة الأمم البريطانية " الكومنولت " وتعتبر من حيث الوضع الدستورى خاصة لسلطة التاج البريطاني؛ ومصيرها سواء فى الحرب أو السلم، ما يزال مرتبطا بمصير انجلترا والامبراطورية أو الكومنولت البريطانية

وقد  ترتب على هذا الوضع الدستورى الجديد للهند أن تقرر إلغاء "الإمبراطورية" الهندية التى أنشئت منذ سنة

١٨٧٧ أيام الملكة فكتوريا، وأصبح ملك انجلترا بمقتضاها يلقب بالامبراطور، ويلقب حاكم الهند " بنائب الملك وألقى هذا اللقب من بين القاب ملك انجلترا، ولكن الهند مع ذلك كله تبنى وحدة من وحدات الكومنولت البريطانية؛ ويبقى ملك انجلترا هو صاحب السلطة العليا عليها، وفى ذلك تبدو براعة السياسية البريطانية ومرونتها العجيبة، واعتدادها المأثور بالحقائق العملية، ولو اقتضى ذلك تضحية الصيغ والمظاهر النظرية.

اشترك في نشرتنا البريدية