الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 863الرجوع إلى "الرسالة"

الوعد الحق للدكتور طه حسين بك

Share

لقد تفرد الدكتور طه حسين بك بهذا الأسلوب القصصي في  عرض حياة هؤلاء الأرقاء. وأعطانا صورة رائعة من الجو النفسي  والاجتماعي في مكة في فجر الإسلام. وما تعرضوا له من ألوان البلاء.  وضروب الإيذاء في صبر، وجلد، وشجاعة، ما تركهم نماذج فريدة  في سجل التضحية والفداء. ولقد عرض الدكتور هذه الصورة قوية،  حية. مؤثرة. مثيرة. . . ولكن لا حاجة إلى إطراء فن الدكتور  في هذا العرض ومقدار ما يبلغه من إشاعة الحياة في صوره.  وتأثيرها. ولا إلى القول بأنها لون جديد في أدبنا الحديث نعتز به.  بل خير للناقد من هذا أن يأخذ بيد القارئ حتى يبلغ به أعتاب هذا  المعرض ويخلي بينه وبين طرائقه وبدائعه حتى يتهيأ له أن يأخذ  لروحه وعقله ما فيه الغناء. أنظر كيف يصور الدكتور ما قاسته  أسرة ياسر، من شدائد وأهوال، وكيف صبت عليها المحن صبا  فلم يتزعزع إيمانها. ولا خانها صبرها. ولا تخلى عنها جلدها.

ولا فقدت أمهلا في الله: (. . . أقبل أبو جهل ومعه أصحابه. فرأى  الناس أنطاعاً من أدم يسع كل نطع منها رجلا وقد ملئت  ماء. ورأوا ناراً مؤججة. ومكاوي قد أغمي عليها. ورأت تلك  الأسرة قد شد وثاق كل منها. وألقى ثلاثتهم في جنب من الطريق  كما يلقى المتاع غير ذي الخطر. فلما بلغ أبو جهل وأصحابه مكان

العذاب أمر غلمانه فوضعوا بين يديه ياسراً. وزوجته. سمية وابنه  عماراً. . . وألسنتهم لا تفتر عن ذكر الله. فألهب أجسامهم  بالسياط ثم أذاقها مس النار ثم صب عليها قرب الماء ثم عاد فيهم  سيرته مرة ومرة ثم أمر بهم فغطوا في الأنطاع التي ملئت ماء  حتى انقطعت أنفاسهم أو كادت ثم ردهم إلى الهواء. وانتظر بهم  فغطوا في الأنطاع التي ملئت ماء حتى انقطعت أنفاسهم أو كادت  ثم ردهم إلى الهواء وانتظر بهم حتى أفاقوا وتسمع لما ينطقون به  بعد أمثاب إليهم شيء من قوة فإذا هم يذكرون الله ويثنون على محمد  قال أبو جهل لسمية وقد بلغ منه الغيظ أقصاه: لتذكرن  آلهتنا بخير ولتذكرن محمداً بسوء أو لتموتن. تعلمي أنك لن تري  مساء هذا اليوم إلا أن تكفري بمحمد وبه. قالت سمية  بصوت هادئ متقطع قليلا: بؤساً لك ولآلهتك! وهل شيء  أحب إلي من الموت الذي يريحني من النظر إلى وجهك هذا  القبيح! هنالك تضاحك عتبة وشيبة أبناء ربيعه وأخرج الحنق أبا جهل عن طوره فجعل يضرب بطن سمية برجله وهي تقول في  صوتها الهادئ المتقطع: بؤساً لك  ولآلهتك، وتجن جنون أبي  جهل فيطع سمية بحربة كانت في يده فتشهق شهقة خفيفة. ثم  تكون أول شهيد في الإسلام: يقول ياسر قتلتها يا عدو الله!

بؤساً لك ولآلهتك. ويقول عمار: قتلتها يا عدو الله بؤساً لك  ولآلهتك! ليمتلئ قلبك غيظاً وحنقاً فإن رسول الله قد ضرب لها  موعداً في الجنة. قال ياسر: أشهد أن وعد الله حق. ولكن أبا  جهل لم يمهله وإنما يضربه في بطنه برجله فيشهق ياسر شهقة  خفيفة ثم يصبح ثاني شهيد في الإسلام. قال عتبة بن ربيعه:

فينبغي أن تطلق هذا الرجل وأن تخلي بينه وبي الحرية ليواري أبويه). هذا لون من الألوان الدامية المريعة التي كانت مكة تذيقها  أسرة ياسر وبلال وصهيب وخباب ولم تستطع برغم هذا  أن تبلغ منهم ما أرادت وباءت بالهزيمة وفازوا هم بالنصر والخلود. لقد استطاع الدكتور أن يخرج لنا من هذه الأطراف المبعثرة  المشققة من الأحاديث عن هذه الشخصيات وهذا العهد كائناً حياً  بكل خصائصه وسماته. فيا حبذا لو اتخذ أدباؤنا صنع الدكتور  قدوة فنظفر بهذا التاريخ مجلوا ناصعاً حيا.

اشترك في نشرتنا البريدية