الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 402الرجوع إلى "الثقافة"

بالبريد المستعجل :, إلى معالي وزيرالمعارف

Share

اقتربت أيام الدراسة وفيها يحل موسم عظيم من مواسم القلق في كل مكان . فكل والد كما تعودنا في الأعوام السابقة يريد أن يدخل ابنه إلى المدرسة الأميرية ، وأكثر الآباء من الفقراء - ولا راد لقضاء الله - فهم يسعون جهد الطاقة أن يتخففوا من أعباء المصروفات .

وقد تعودنا في كل عام أن نسمع صيحات الخائبين الذين ردتهم المدارس عن أبوابها وأن نرى دموع المحتاجين الذين يلتمسون كل الوسائل الممكنة وغير الممكنة للحصول على مجانية التعليم . وإذا كانت الأرض تدور من المغرب إلي المشرق ، وإذا كانت الشمس تشرق من الشرق في كل صباح فسوف نسمع هذا العام ما تعودناه من الصيحات وسوف نرى ما تعودنا رؤيته من الدموع - ولا حول ولا قوة إلا بالله ! ولا راد لقضاء الله ! .

ونسأل أنفسنا كل عام عن علة كل هذا الضجيح وهذا العويل ، ونحاول أن نلتمس السبيل إلى إقرار القلوب في الصدور ، فلا يزيدنا السعي إلا قلقا ، ولم نستطع إلى اليوم أن نستقبل الأعوام الدراسية في هدوء كما يستقبلها عباد الله الآخرون في الآقطار الأخرى . فما هو السر الذي ينطوي تحت هذا ؟

تعاقب الوزراء على وزارة المعارف واجتهد كل منهم في حل هذه المشكلة المتوطنة على طريقته . ولسنا نريد أن نبخس أحداً منهم حقه ، فإنهم جميعاً مشكورون على التفكير والسعي . وسنكتفي بتلخيص حلولهم على وجه الإجمال لعلنا نجد فيها ما يشير إلى تلافي المشكلة في هذا العام الحديد .

رأي أحدهم - ولا نريد أن نذكر هنا الأسماء - أن

المصروقات المدرسية كلها إذا جمعت من المدارس الابتدائية والمدارس الثانوية لم نكن سوى مبالغ ضئيلة إذا قيست بالأموال الطائلة التي تصرف على التعليم . فاجتهد في مواجهة المشكلة - وهو مشكور بغير شك على اجتهاده - ورأى أن يحثها بإباحة المجانية في التعليم الابتدائي جملة وبالتوسيع العظيم في مجانية المدارس الثانوية وهذا حل أرضى الكثيرين بغير شك ولا سيما وقد جاء في وقت كانت فيه الحرب الطاحنة تشعر الجميع بثقل وطأئها ، والغلاء الفاحش يجعل الأغنياء أنفسهم يطلبون الستر من الله .

ولكن هذا الحل إذا أرضى من فاز بالدخول في المدارس الابتدائية والثانوية فإنه لم يرض الذين لم تتسع لهم تلك المدارس . ولهذا انتقد البعض هذه السياسة لأنها أغفلت جانباً كبيراً من المشكلة ، وهو أن الأماكن في المدارس لا تتسع لكل طالبيها . والعدالة الاجتماعية تقضي بأن تزيد تلك المدارس حتى تكفي كل طلابها .

وقد أدى حرص ذلك الوزير الفاضل على التوسعة على الناس إلى أنه ( بحبح ) في دخول المدارس فاكتظت الفصول بالأبناء إلى حد أغضب المخلصين من رجال التعليم الذين رأوا أن الرغبة الحسنة في التوسيع على الناس قد أدت إلى إضاعة كثير من الفائدة المقصودة من التعليم .

فهذا الحل على ما فيه من حسنات لم يخل من وجوه النقد . ونحن نرى أن الوزير المجتهد قد نال مع ذلك أجر الاجتهاد ، وحسن القصد ، وإن كان التوفيق الكامل لم يتح إلا للمعصومين من الأنبياء .

وجاء بعده وزير آخر - ولا نريد كذلك ذكر الأسماء - فرأى أن يصلح ما ظهر له من النقص في سياسة سلفه فاجتهد ، وهو مشكور بغير شك على اجتهاده ، ورأى أن ينظم الدخول في المدارس مع الاحتفاظ بمجانية التعليم .

وحاول جهده أن يزيد عدد المدارس الابتدائية وينتشي الفصول الجديدة في المدارس القديمة ، واحتال بكل ما استطاع ألا يطرد طالباً عن مدرسة ثم أقبل على المدارس الثانوية فبذل جهداً جباراً في فتح أبوابها لطلابها ، ونظم قواعد المجانية فيها حتى يتمتع بها كل مستحق لها بحسب التقدير الذي أداه إليه اجتهاده ، فيسر بذلك فرصة التعليم الثانوية لألوف ممن كانوا لا يستطيعونه من أذكياء التلاميذ . ومعنى هذا أن الوزير اللاحق قد رأى سلفه يخطو خطوة جريئة فلم يتمكن منها ، بل حاول أن يسددها وأن يصلح من اتجاهها لتكون أكثر تحقيقاً لغاياتها .

فإذا كان الوزير الأول مشكورا على اجتهاده وحسن نيته فإن الوزير الثاني مشكور على اجتهاده وحسن نيته ، وليس في عمل الثاني إبطال لعمل الأول ، بل هو في صميم تهذيبه وتسديده على السنة التي ينبغي لكل وزيران يعمل عليها ، وهي سنة السير إلى الأمام والتطور وإكمال وجوه النقص التي لا تظهر إلا في أثناء العمل .

وقد زاد الوزير الثاني سنة جديدة ، وهي أنه فكر في وضع سياسة ثابتة للتعليم فنظر حوله إلى الميدان التعليمي نظرة شاملة وسمع من كل من يريد أن يتكلم من أفراد أو مؤتمرات أو مجموعات ، ثم عقد لجانا استشارية ثم تقدم مما هداه إليه اجتهاده إلى المجلس الأعلى للتعليم لكي يضع أساس السياسة الثابتة طويلة المدى التي طال الشعور بالحاجة إليها في مسائل التعليم .

فنحن الآن أمام عام جديد ننتظر فيه أن تواجهنا المشكلة ذاتها في صورة جديدة ، وليس يجدينا أن نستأنف تفكيرا جديدا ، بل ليس من مصلحة البلاد أن نعرج عن الطريق الطبيعي الذي دفعتنا إليه ظروف حياتنا العملية دفعا

وهذا الطريق واضح أمامنا نلخصه في ألفاظ قليلة ، فأما المجانية ففيها فتوتان قويتان تحتمان علينا الاحتفاظ بها : الأولى أن الأموال المحصلة من التلاميذ ضئيلة لا تستحق

كل الصيحات ولا كل الدموع التي تبذل في سبيلها .

والثانية أن من حق الجميع أن يتعلموا في المدارس الابتدائية ، وواجب الدولة العمل على توفير الأماكن الكافية لكل طلابها ، وأنه من حق الأذكياء أن يواصلوا الدراسة في المدارس الثانوية ، وألا يقف الفقر حائلا دون استمرارهم في الدراسة ، فحجر الزاوية في الخطة التي تقابل بها العام الجديد فيها يتصل بالتعليم الابتدائي هو العمل على توفير الأماكن اللازمة لكل طلابه ونعتقد أننا نرتكب غلطة كبرى إذا حاولنا الرجوع من المجانية بصورة من الصور .

وأما في التعليم الثانوي فقد اتجهت نية البلاد إلى أن تبيح لكل الطلاب الأذكياء الجديرين بهذا التعليم أن يجدوا أماكن لهم في المدارس . وقد وضع في أول السنة الماضية نظام يكفل إباحة المجانية لعدد وافر من هؤلاء الجديرين بالتعليم . فليس من المصلحة في شئ أن نبدأ بالإنحراف عن تلك السنة التي أرضت البلاد وليست هناك مصلحة تستحق أن نضحي في سبيلها بتلك السنة . فالأموال التي ينتظر جمعها من الطلاب لا تباع شيئاً إلى جانب الملايين التي تصرف على التعليم كما تقدم .

وحجر الزاوية في الخطة التي نقابل بها العام الجديد في التعليم الثانوي هو توفير الأماكن اللازمة لكل طلابه ؛ فأما الذين يستحقون المجانية فيفوزون بها في يسر بحسب القواعد التي رسمت ، وهي قواعد فيها تيسير ولم يظهر فيها ما يدل على فسادها .

وأما الذين لا يستحقون تلك المجانية فلهم أن يدفعوا المصروقات إذا شاءوا التعليم الثانوي ، وإلا كانت لهم عنه مندوحة بالدخول في مدارس التعليم الفني .

هذا ما يقضي به المنطق الذي يعترف بأن آتجاه الأمم في الإصلاح لا يكون سليما إلا إذا كان مطرداً غير معرض للانحراف والنكول بين حين وحين .

ونعتقد أن المصلحة تقضى بأن نسير على الاتجاه الذي

قضينا فيه هذه السنوات الأخيرة كلها بعد إطالة التفكير وبعد التمحيص الشديد الذي لم يحل من العنف في المراجعة في بعض الأحايين .

فالتفكير في تغيير الآتجاهات الأولى يعرضنا لخطر النزال والاصطدام بصعوبات جديدة لم تكن في حسباننا وحسبنا أن نتأمل الصعوبات التي قابلت الأسلاف ونعمل على تذليلها وإصلاح ما فيها من هفوات .

وهناك أمر آخر يجب علينا ألا ننساه ، وهو أن سياسة التعليم التي بدأت الوزارة في رسمها في العام الماضي جديرة بأن توضع موضع البحث الجدي ، فإذا وجدنا فيها نقصاً

أكملناه ، وإذا وجدنا فيها ميلا قومناه . ولكن علينا ألا نعدل إلى سياسة جديدة أخري إلا إذا حكمنا على تلك السياسة الأولى بالفساد واطمأننا إلى صحة حكمنا بالمنطق الصحيح .

فان أكبر ماكنا نشكو منه في التعليم وغير التعليم هو الإسراع إلى ابتكار الخطط الجديدة بغير أن نؤمن إيماناً واضحاً بفساد الخطط القديمة .

وإنا إذ نقول هذا القول نضمر في أنفسنا كل تقدير للنيات الحسنة التي لا نشك لحظة في توفرها في كل من ولي أمر وزارة التعليم .

اشترك في نشرتنا البريدية