الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

بحث الشهر ، تمرد الشرق الادنى على الحضارة الغربية

Share

اذا ما تصدينا (١) للبحث فى المعارضة التى يبديها الشرق الادنى ضد الثقافة الغربية بالرغم من ان هذه المعارضة لا تزال بريقا ضئيلا فى الافق البعيد - وجب أن نحذر مغبة ارتكاب خطأين متقابلين : اولهما أن نظن ان المعركة الراهنة لها وجه شبه بالمعركة الادبية التى دارت رحاها فى القرون الوسطى ، بين الثقافة العربية والثقافتين الفارسية واليونانية ، وان هذين الامرين المختلفين هما فى صعيد واحد ، وثانيهما ان نهمل العبر التى علينا ان نستخلصها من الماضى؛ فالتاريخ لا يفتا ناصبا فخين اثنين: احدهما فى طريق المؤرخ ، والآخر فى طريق من يدير اشغالا هامة . ذلك انه يعسر على المؤرخ ان لا يتأثر بعيد التأثر بحوادث الماضى ، الى حد ان لا يرى الحوادث الراهنة إلا من خلالها ؛ أما رجل الاعمال ، فانه سرعان ما ينسى الماضى، ويكتفى بالدرس السطحى لما يعترضه من مشاكل .

فاذا رمنا الاقتناع بأن ما يسمى استقرار الحضارة الغربية فى بلاد الشرق الادنى ، هو امر لا يمت بصلة الى الصدمة التى استهدف لها التفكير الاسلامى في القرون الوسطى ، عندما هاجمته الثقافتان اليونانية والفارسية فحسبنا ان تثبت في

إيجاز وفى غير تبسط فى الجزئيات ، قائمة المؤثرات الرئيسية التى اكتسحت ميدان المؤسسات العتيقة في المجتمع الاسلامى .

أولا : الناحية الاقتصادية

- الميدان الفلاحى : التخصص في النباتات الصناعية ؛ انتشار الري المستمر.

- الميدان الصناعي : ادخال الاساليب الفنية العصرية ؛ تشجيع الدولة للصناعات اليدوية الجديدة .

- ميدان وسائل النقل والمواصلات : تجمع اعتمادات ضخمة من استثمار موارد النفط ؛ وبالنسبة للمستقبل ، ايجاد حل لمشكلة الطاقة المحركة للصناعات الكبرى ؛

ثانيا : الناحية الاجتماعية

- ميدان القوة العمومية : اعادة تنظيم الجيوش واساليب الدفاع والنظام العسكرى ؛ ضبط قوانين الشرطة ؛

- الميدان العدلى : إدخال القوانين الغربية ؛ انشاء مجالس عدلية وانظمة فى درس المسائل العدلية ، مقتبسة من النمط الغربى ؛ انشاء سلك للمحامين المحترفين ؛ المطالبة بحق التشريع لفائدة الدولة.

- ميدان التعليم العمومى: فكرة تعميم التعليم على نفقة الدولة ، وتحت مراقبتها ، إنشاء مدارس ابتدائية ، ومعاهد ثانوية ، وجامعات على الطريقة الغربية ؛ اقرار مبدأ تعليم ابتدائي اجبارى لجميع الاطفال - الذكور منهم والاناث - وفي الوقت نفسه ترك التعليم الفنى الذى بدأ يفوز بالحظوة شيئا فشيئا هذه الايام .

- ميدان التنظيم الاجتماعى: احلال الفردية الغربية محل الوحدات المهنية التى كانت تضم سكان المدن والقرى والجهات ، والتى كانت تربط بعضها ببعض ؛ انحلال العلاقات الاجتماعية والتقاليد الاجتماعية والعائلية ؛ الحريات التى اخذت النساء يتمتعن بها (وكذا الشبان من كلا الجنسين) فى الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ويطالبن بها فى الحياة السياسية.

- ميدان العمران بصفة عامة: ازدياد عدد السكان ازديادا مطردا ، سريعا، بل مشطا من حيث نسبة الولادة ، وذلك لحسن تنظيم مصالح الصحة العمومية ،

والاهتمام بالوقاية الصحية فى المدن ، والاحتياط من الاوبئة الفتاكة ، حتى نتج عن هذا مشكل تضخم عدد السكان (فى مصر خاصة ، حيث يتضاعف عدد القاطنين كل خمسين سنة)؛ انتشار المدن المطرد وامتدادها ، وارتفاع نسبة المقيمين فيها ؛ زيادة الوضوح فى الفروق الاجتماعية الجلية بين المدن والارياف ، كذلك المشكل الذي نتج اخيرا عن تجمع العملة فى المدن التى تضم المعامل الكبرى ، وعن الجهود المندفعة الى تكوين نقابات العمال.

انشاء المهن البرجوازية أو تطويرها، وما تحدثه او تبعثه او تشجعه من مؤثرات، نخص بالذكر منها الصحافة، اذ يتمتع نتاجها بتأثير - يبالغ فى الاشادة به احيانا من يجهلون مدى المقاومة الداخلية عند الشعوب الشرقية - كان، بدون شك ، عاملا على توسيع الآفاق الاجتماعية ؛ فترات الاستراحة والالعاب ، والتلهى ؛ كرة القدم ، والحركة الكشفية ، والاذاعة ، والسينما بصورة خاصة ، اذ تبين أنها ابعد المؤثرات الغربية ، جميعها ، صدى في النفوس.

ثالثا: الناحية السياسية

جلب الاساليب الدستورية التى تطورت باوروبا الغربية تحت تأثير الفلسفة الحرة والثورة الفرنسية ، والمبادئ الاخرى الناشئة عن هذا المصدر بالذات ، نخص بالذكر منها اشتراك جميع المواطنين فى الحقوق والواجبات ، بقطع النظر عن معتقداتهم وفرقهم الدينية . وكذلك تساويهم امام القانون ؛

نشأة الفكرة الوطنية ، اعنى اعتبار الدولة هى الوطن ، المتمتع بسيادته واستقلاله ، وكامل السلطة داخل حدوده المرسومة ، والمطالب بالنفوة القانونى على جميع سكان البلاد.

لقد كان للفرس واليونان تأثير على المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فى العالم الاسلامي ، ما فى ذلك شك ؛ الا ان العناصر التى كنا بصدد تعديدها تدل واضح الدلالة على ان الامر - فيما بعد - سوف لا يقف عند مؤثرات - قد تكون قصيرة المدى - بل سيتحول الى انقلاب اجتماعى .

فهل يمكن ان نذهب الى مثل هذا القول فيما يخص المؤثرات الثقافية المحض: نعنى المذاهب الغربية الفلسفية، والادبية، والجمالية ؟ ما كان نصيب الشرق

الادنى من هذا الهيكل برمته، المتوارى تحت مظاهر الحضارة الغربية ؟ وما كان نصيبه من جوهر هذه الافكار التى نسقت اشكال الغرب الخارجية ؟

انه ليبدو من العسير علينا ان نتبين الامر في وضوح ، لما يوجد من التلاصق ؛ بل ومن التلاحم ، بين الفكرة وصورة بروزها ، وانه لمن العسير تماما كذلك ان نتمكن من جيد التفصيل للمؤثرات الغربية في بلاد الشرق الادنى، وان نحسن التميز بين المؤثرات المادية والمؤثرات الثقافية . فادخال المؤسسات الجديدة الاقتصادية ، والاجتماعية والسياسية ، وقلب المؤسسات العتيقة او تحويرها ، كل ذلك ينطوى على مضمون يؤثر فى الافكار ، والمواقف ، والقيم ؛ الا انه من الواضح ان بعد مدى هذه التاثيرات لا يقاس بوفرة عددها فحسب ، بل بعميق مفعولها على الخصوص ايضا .

وهب ان الامر متعلق بمؤسسات متينة الصلة باحد هياكل القيم الايجابية ، كالقانون العام مثلا ، او القانون الدستورى ، او مصالح الصحة العمومية ايضا ، فانه من المستحيل ان نعتقد انها طيبة المفعول فى اى بلد من البلاد ، اذا لم تصاحبها في ذلك الانتقال - سرا او علانية - افكار ثقافية تهئ لها البروز في مظهر شرعي، وتسهر على حمايتها .. لذلك فازت القيم الغربية ، في صفوف المثقفين واصحاب المهن ، بانصار مخلصين ثابتين فى اخلاصهم . ومما زاد هذه القيم رسوخا فى انفسهم ، اقامتهم ودراستهم فى بلاد الغرب واحاطتهم - على تفاوت درجاتهم - بالادب الغربى .

الا ان لهذه الصورة جانبا معاكسا لا يقل وضوحا وجلاء . فالعناصر الاقتصادية ، والاجتماعية والسياسية التى تعتنقها أمة من الامم ، لا تلبث ان تتأثر بما لهذه الامة من قيم ثقافية ؛ هو مشكل الغايات السرمدي يبرز هنا ! وانه يبدو ، طيلة وقت قد يطول وقد يقصر ، ان النشاط الخارجى ، والاعمال الفردية منعزلة عن كل مذهب اخلاقي ، لا تمت اليه بسبب ؛ الا ان النتائج لا تلبث ، على مر الايام ، ان تنطبع بما للقيم من خصائص ، فتكون هى الدالة على قيمتها الحقيقية ؛ ذلك ان القيم الاخلاقية والثقافية هى المقيدة للبواعث ، والبواعث هي المقيدة للغايات.

قد يبدو لك ما كنت بصدد ذكره امرا عاديا ، مفروغا منه لا يستحق

الذكر ، ولكنى أبرر موقفى بالاشارة الى ان عددا وافرا من المهتمين بشؤون الشرق ، ومن رجال الصحافة خاصة ، يعتقدون ان المؤسسات الغربية تحتفظ بطابعها الاول حتى بعد نقلها الى بلاد الشرق .

ونحن ايضا من الذين يميلون الى الاعتقاد ان إدخال الفنون المهنية الغربية ، له دائما ، فى اى مجتمع من المجتمعات ، نفس النتائج التى نشأت عن الثورة الفنية فى المجتمع الغربى وتبعتها ، فليس فى الامكان ان ننفى إمكان ذلك . إلا انه لابد من الاشارة الى ان هذا الزعم يرتكز على مقدمة قد تكون على نصيب من الخطا ، إذ ليست الثورة الفنية فى ذاتها هى التى هيأت اسباب التطور في المجتمعات الغربية ، بل الفلسفة والرشد الباطني هما اللذان وجها استغلال الاكتشافات والفنون الجديدة ؛ إني لا أعتقد ان الظفر بالاساليب الفنية يكون حتما عديم الصلة بهذه الفلسفة الغربية ؛ الا ان الامر الوحيد الذى فى وسعنا التسليم به ، هو ان هذه الفنون هى الباعث على احياء الجهاز الاجتماعى كله في بلاد الشرق ، وهى التى ستحدث تغييرات فى المؤسسات الاجتماعية ، وتوزيعا جديدا للقوى الاجتماعية .

فالقول الفصل إذن ليس للمؤسسات والاساليب الفنية المجلوبة من الغرب ، بلغت من الكثرة ما بلغت ، ولا للتطور الخارجى في القرن الماضى ؛ ولكنه لرد الفعل الداخلى ضد القيم الثقافية التى تطلب الاستقرار فى المجتمع الاسلامى في ظل تلك المؤسسات الغربية المستعارة . إذن يتوقف حل المشكل على مدى قدرة المجتمع الاسلامى للذود عن قيمه وتقاليده الثقافية وحمايتها من هجمات الغرب ، فان هو أخفق فى هذا الدفاع ، كان نصيبه الفناء من حيث هو مجتمع اسلامى ؛ فيستحيل الى نسخة من المجتمع الغربى ، لا يمتاز فى كل ذلك الا بمظاهر ثانوية خاصة بطبيعة البلاد واللهجات المحلية . إنك تقول احيانا إن هذه النهاية ستصبح امرا طبيعيا ، وانهما مظهرا الحضارة الغربية يلتئمان من جديد ؛ انه لمن الصواب - لاشك - ان مدنية الشرق الادنى ومدنية العالم المسمى "بالغربى " تنتسبان الى بعضهما بعض أشد الانتساب ، إذ أتيحت لهما فرصة التفاعل قبل ازدهار الاسلام وبعده ؛ فلقد كرع اليونان من مناهل المعرفة الشرقية ، ثم ردوا البضاعة التى كانوا اخذوها ، بعدما صاغوها فى قوالب بلغت من الطرافة ما جعلنا لا نهتدي الى

هذه البضاعة وقد ردت الينا ، كى نصهرها في الجهاز الفكري لحضارة الشرق الادنى . وكلنا يعلم جيد العلم ما طرأ على هذه الحضارة من عناصر اخرى ومؤثرات ، تأتت من هنا وهناك ، فلقد كانت صلات الترابط الروحي والعقلي وثيقة بين المسيحية والاسلام فى القرون الوسطى ، لما اشتركا فيه من ارث ومشاكل .

بيد انه يتحتم علينا ان لا ننسى ان العالم العربي . مع اعترافنا انه كان جزءا من العالم الغربي بالمعنى الاوسع ، بقى دائما قطعة مستقلة ، وانه اقتبس من الملك المشترك ما رغب فيه او ما كان فى حاجة اليه ، ثم صهره صهرا مع مبادئ ثقافته الخاصة .

الا ان موقف المسلمين كان واضح المخالفة لموقف الغربيين ازاء عنصرين على الاقل من العناصر التى قلنا انها المكونات الرئيسية للمجتمع ، وهى : فلسفته الفنية ، تفكيره العقلي الخالص (او ما يمنحه الى اعضائه من حرية قصد مواصلة البحث العلمي)، اعتقاداته الماورائية المعبر عنها بواسطة الدين ، (او قل الفكرة التى يتصور الناس عليها علاقاتهم مع الكون)، والتقاليد الاجتماعية المشتركة التى تربط هذه العناصر بعضها ببعض.

كثيرا ما تملكنا الاندهاش اذ راينا العرب يعرضون عن الفن والادب الفني اليونانيين . وانى ازعم بان اهم سبب في هذا الاعراض هو ارتكاز الفن اليوناني على تصوير الانسان ؛ فالانسان ، هذه الهنة الضئيلة بالمعنى المطلق ، هو محور الكون لهذا الفن ؛ ان الفن اليونانى ، فى مستوياته العليا ، مشبع بالروح الانسانية ؛ الا اننا نعجب من قلة تأثيره (رغم وجود الافلاطونيين) بالحدس الفلسفى للمحرك الاول للكون ، وبما ينطوى عليه العالم من جمال بديع واسرار ؛ اما تأثره بمعنى المصير الانساني فيما وراء المرئيات والمحسوسات ، فهو قليل ضئيل ، في حين ان التفكير الاسلامى كان قائما على هذه المعتقدات ؛ ولاشك في ان العرب لم يكونوا اقل تاثرا بالعادة من اليونان فى حياتهم اليوم اليومية ، الا انهم ادركوا ان الانسان ليس مقياس كل شئ ، اما من ادركوا هذه الحقيقة من اليونان فقليل . ولم يكن هذا الموقف الذى ينعت "بالدينى" ناتجا عن الدين فى حد ذاته . وانه لمن العدل ان تقول ان الدين هو الذى هيأ الشكل ووطد قوة كل ثقافة ازدهرت فى الشرق الادنى ، وكل مذهب فى الحياة نتج عنها . ان التغيير الذى كنت بصدد تخطيطه ، ما فتئ هو التمييز الجوهري القائم

بين المجموعة الاسلامية والمجتمعات المسيحية الغربية ؛ ولقد شاطرت الكنيسة المسيحية ، وهى المخلصة لاصولها الشرقية . هذا الموقف المميز للشرق الادنى ؛ الا انها شنتها حربا شعواء متواصلة وفى الجملة ميؤوس منها ، عندما كانت فى اوج عظمتها في العهود الوسطى ، على الاتجاهات الانسانية التى برهن عليها رعاياها الغربيون .

وزاد هذا التباين وضوحا فى ثلاثة احوال على الاخص : لقد شهدنا ، اولا ، بقايا القانون اليونانى الرومانى في الغرب بما فيه من اشكال تجريبية صرف ، في حين ان الشرق الاسلامى ضرب عنها صفحا مع امكان ادماج بعض الجزئيات فى الاحكام الدينية او المنزلة ؛ اما العنصر الثاني لهذا الاختلاف ، فهو ما عمد اليه النظام المسيحي - بجميع درجاته - وهو الحكم فيما غمض من الامور وصاحب الارث الامبراطورى الرومانى ، من انشاء اشكال تأسيسية قوية النفوذ ، قضت على الفكرة الدينية بأن لا تحيد عن طريقها من ناحية ، وادمجت جميع درجات الحكم ذاته فى بيئتها الزمنية من ناحية اخرى ، اما الاسلام فانه على عكس ذلك ، لم يسمح قط بانشاء مؤسسات تنظم الحكم بصورة مطلقة ، وارتبط فى جل الاحيان بنفود هيئة من ثقات الفقهاء ، ليبقى فردية الضمير الدينى فى الحدود العقلية للتوحيد القرآنى .

اما الاختلاف الثالث ، وهو في وضوحه أبين وفى فائدته اعم ، فراجع الى ما يوجد من الفرق - فى نتاج الفكر الفنى او قل ان شئت حياة المخيلة - بين البواعث ونتائجها ؛ فلقد تمكن البعث الجمالى - فى العالم المسيحى فى القرون الوسطى - من ان يبرز واضح البروز فى الفن المعمارى الدينى وفى الرسم بصورة خاصة ، وهيمنت خصائص الفن المعمارى على الادب الخيالى ذاته فى هذه العهود نفسها ؛ وانه ليخيل الى انى ارى ، من خلال هذه الدعوة الى معانى التناسب فى الهندسة المعمارية وفى الادراكات البصرية ، الدلائل الاولى لازدهار الاتجاهات التى قد لاحظناها فى الفن اليونانى ؛ اذ هي ما فتئت تحت سلطان الكنيسة ومذهب الكنيسة ؛ وهى الى تصوير ذات الله فى صورة انسان اكثر منها ميلا الى تصور كل شئ بالقياس الى الانسان ؛ ولكنها شرعت فى الاستعداد بعد ، حسبما سيبرهن عن ذلك نموها فى عصر النهضة ، لاسترجاع مكانتها الاولى ، كوسائل افصاح الفكر الانساني ، لها استقلالها ولها حريتها الذاتية.

اما فى العالم الاسلامي العربي ، فقد ظفرت المعانى الجمالية بطرق مكنتها من الاندفاع نحو أشكال وعواطف اكثر دقة : وذلك بالدأب اولا على الفن

اللفظي ، والبحث على الانسجام فى التعبير انسجاما يؤثر في الخيال على طريق السمع ، وبالسعي ثانيا فى التعبير عن وحدة العالم الروحانية ، وبالظفر بمطابقة الله ، كما يتجلى فى القرآن ، لا للمبدا الكامن وراء كل شىء فحسب ، بل الكامن داخل كل شي ايضا ؛ ان التصوف فى الاسلام يقابل الرسم في الغرب : فكلاهما محاولة ترجمة عن سر الالوهية ، هذا السر الذى لا يدركه العقل الا في ضعف وغموض ، والذى ليس للحواس الا ان تحيط به احاطة اجمالية ، دون ان تتعرف على كنهه ، بيد ان كلا منهما تصدى للمشكلة بطرق متباينة ؛ فالرسم يعمد الى استعارات بصرية تحدد الموضوع وتسبغ عليه لونا إنسانيا فى حين ان الاسلام يصور هذا الموضوع ، كلما ازداد ابتعادا عن حالة الحس الخالص ، باستعارات لفظية تحفظ له سره ، وترفع قدرته التى فاقت قدرة البشر ، وهب انه وجد بالغرب متصوفة ، وبالشرق مهندسون معماريون ، فهذا عنصر ما كان ليحط من قيما هذا الحكم الاجمالى ولا من بعد مداه . وان كل ما حاولنا بلوغه في هذا الصدد، ينحصر فى اماطة اللثام اماطة كاملة عن المذهب التاليفى الاسلامى في القرون الوسطى المميز عن المذهب التاليفى الغربى الاوروبى : ولكنه يجدر بنا ان لا ننسى ان هذه المظاهر التمييزية التى حددناها تتبعث عن جوهر ثقافي مشترك .

وحوالي او آخر العهود الوسطى ، شهد كلا المجتمعين تحولا في التوازن  بين العناصر المكونة لهما ؛ وانطلق كل منهما فى الطرق التى كانت تجديه اكثر من غيرها ، ليسير فيها منعما فى السير ؛ فلقد وفرت النهضة فى الغرب ، بفضل استخدامها العقل ، كل الوسائل التى مكنت النزعة الانسانية من ان تتحرر من العقال التى فرضتها عليها الكنيسة فرضا ! وهكذا سرعان ما اعرضت النهضة عن الاهتمام بالحقائق التى تتجاوز حدود الانسان ، وتتعدى قدرته ، مثلها في هذا مثل العقل العربي نفسه ؛ اما فى الشرق الادنى ، فقد جمعت الثقافة الاسلامية بين العناصر العقلية والجمالية فى الحياة الانسانية ، وادمجتها فى جهاز تفكيري ينقصه ارتكاز خارجي قوى لو وجد لاورثه بعض الخشونة ، ولكنه يكون قد حفظه مما يحف به فعلا من تهلهل ؛ وهكذا فان ما ورثته هذه الثقافة من تفكير جمد ، فجف، فخلا من كل حركة ، لم يبق قادرا على كبت الخيال الجامح ولا على حفظ توازنه العقلي ؛ وضاع التفكير ، لشدة ذاتيته ، في الهذر الناشئ عن عمد وعن غير عمد ، فزاغ عن سواء السبيل ، وباء بالضلال ، حتى صار محبذوه المخلصون رجالا ضعفاء فى عالم اليوم ، غير قادرين على ان يميزوا الواقع (ان عنينا حوادث مادية)

والصحيح (ان عنينا القيم) مما كان نسيج الخيال ، ومحض افتراض ، بل وتضليلا ايضا ، فلقد امسى العالم العربى خلوا من التفكير فى لغة علمية مشخصة ، قائمة على مبادئ واضحة البرهان ، موثوق بصحتها ؛ فضؤلت دقة ادراكه الحدسي ، وكان الضلال نصيب حياته التخيلية والروحية .

وما هي إلا ان تظهر الحركة الوهابية - في اواسط القرن الثامن عشر - فترسلها ، على حين غفلة ، صيحة إنذار مدوية ضد هذا الانحطاط في العالم الاسلامي العربي ، وضد هذا التواكل القومى ؛ على انه من العسير ان نبالغ في الدور الذي لعبته هذه الحركة إذ هى اخلت الميدان من رواسب العسف المتراكمة على مر القرون ، وازاحت ما تكدس على الاسس من ادران ، قصد تشييد التفكير الاسلامي من جديد ، ولكن قبل ان تتمكن الحركة الوهابية من انهاء مهمتها ، كانت الاساليب الفنية الغربية ، من عسكرية واقتصادية وعلمية ، تهاجم الشرق الادنى دفعة واحدة ، كما اسلفنا القول فى ذلك

يزعم الكتاب الشرقيون فى عصرنا هذا ، او قل يخيل اليهم ، ان المؤثرات الغربية وما نتج عنها من تغييرات ، فرضت عنوة على بلاد الشرق ؛ ولكن نصيب هذا الرأى من الصحة محدود ضئيل ؛ إذ ان جل التغييرات التى ادخلت في هذه البلاد قد بلغت نهايتها على احسن وجه ؛ ولا تزال الجماعات ومختلف الطبقات من أبناء تلك البلاد نفسها تحتفظ حتى اليوم بتلك المؤسسات الجديدة ، لحاجتهم إليها ، او انجذابهم بها ، ومعنى ذلك أنهم فهموا ان الافكار الجديدة تفوق فى قيمتها الافكار التقليدية

فقصور المجتمع القديم على إبداء معارضة فعالة ضد هجوم المؤسسات والقيم الغربية ، لما يدل واضح الدلالة على ضعف كامن فى المجتمع الاسلامي نفسه ؛ لقد أفلحت الحضارة الاسلامية فى الشرق الادنى ، فى ان تنشئ خلال السنين الطويلة ، توازنا اجتماعيا يدعو الى الاعجاب من جميع الوجوه ؛ الا أنها لم توفق أبدا الى تشييد وحدة ثقافية حقيقية مكتملة ؛ ان أولى الامر يسلكون في المؤسسات الحكمية - منذ دهور - سلوكا اخلاقيا قيمه مستوحاة من قديم التقاليد الامبراطورية فى آسيا الغربية ، بعيدة البعد كله عن القيم الاسلامية .

ولقد كافح ممثلو الثقافة الاسلامية - دون ما جدوى - كفاح المستميت ضد هذه "الثقافة المنقلبة رأسا على عقب" ؛ وبالجملة فان العيوب التى لا يألو النقاد

الشرقيون جهدا فى التشهير بها فى العالم الغربى، وفي نعتها "بالمادية"، كانت قد استقرت بعد وثبتت عند الطبقات الحاكمة بالعالم الاسلامى ، وفازت بالحظوة لدى عدد وافر ممن ينتمون الى الطبقات المتوسطة من كبار التجار وحتى من رجال التشريع ايضا .

وهكذا ألفينا مجتمعا خاصيته هذا التنافر الداخلى الذى ماكاد يبرز للعيان حتى وجد الغرب من خلاله سبيلا الى الدخول ؛ أما الطبقات الحاكمة فانها لم تكتف بالاحجام عن بذل أى جهد لصده فحسب ، بل كانت له خير مشجع على هذا الدخول ؛ لم يكن نابليون هو الذي ادخل الاساليب العسكرية والفنية فى مصر ، ولكن محمد على هو الذى طلبها ؛ لم يكن الغربيون هم الذين دعوا الى قبول القوانين المدنية والمؤسسات النيابية ، والتعليم الاجبارى ، وحرية الصحافة ، ولكن الشرقيين انفسهم هم الذين طالبوا بهذه المؤسسات جميعا ؛ فهل نعتقد ان الشغف بربح المال هو وحده الذى حث الغربيين على إنشاء دور السنما فى مدن الشرق الادنى جميعها ، وان بحثهم على المتعة هو الذي دفعهم الى تجميل الشواطى ؟ ان الواقع اشد تعقدا من هذه العبارات البسيطة التى يلذ للكتاب استعمالها ؛ وإنه لحتم علينا ، تجاه كل بلاد وكل جهة ، ان تقدر الفروق المحلية - وحتى الاختلافات الكبيرة - حق قدرها .

يمكننا اجمالا ان نميز مرحلتين اثنتين خلال هذا التطور ؛ المرحلة الاولى هى الفترة التى تلقى فيها رجال الحكم الاساليب العسكرية والادارية ، فازداد لذلك نفوذهم قوة ؛ وان للحضارة الغربية قيما " مادية " نقلت الى المجتمع الشرقى فزادت فى تثبيت القيم المادية الموجودة به من قبل ، وفتحت ميادين شاسعة جديدة يستغلها الغربيون او الشرقيون انفسهم

وان ما ورثته هذه القيم من مكانة لم يزد فى اذكاء نار الفتنة الداخلية والاخلال بالتوازن الاجتماعى فحسب ، بل أضل المعارضة ايضا حتى صارت التفرقة فى المجتمع الاسلامى امرا بارزا للعيان ؛ انه ليبدو - للناظر من بعيد - ان الجهد الذى يبذله المدافعون على الثقافة الاسلامية ذاهب سدى ؛ وهذا ما جعل الكتاب الغربيين فى اواخر القرن التاسع عشر كثيرا ما يتكهنون بانحطاط الاسلام وتدهوره .

اما المرحلة الثانية فهى تدل واضح الدلالة على إلهام غربي بين ، نشط هو ايضا على يد عناصر شرقية ؛ نعنى بذلك الطبقات الجديدة للمثقفين واصحاب المهن

الذين تربوا فى المدارس الغربية حتى آمنوا راسخ الايمان بما للاحرار من مثل انسانية وجمالية عليا ، او ظنوا - والامر اهون هنا - انهم ظفروا ، فى المؤسسات الغربية للقانون والحكم ، بوسائل تمكنهم من الدفاع عن انفسهم داخل البلاد ضد النفود المطلق ، وضد هجمات الغرب خارجها.

سوف لا نسهب في تحليل هذه المرحلة الممتدة على الخصوص بين الحربين ، والتي لا تغيب جزئياتها على احد . اما الجانب الذى يلفت النظر فى هذا التطور، فهو الحركة العظيمة التى ترمي الى صبغ جميع بلاد الشرق الادنى بالصبغة الغربية ، لا بإيعاز من الدول الاوروبية العظمى ، ولكن بإيعاز من الطبقات المهنية المتوسطة ، وفى مقدمتها المحامون والصحافيون ؛ وهذا النشاط هو نتيجة ثقافة غربية امتدت على جيلين اثنين ؛ فجميع دواليب الحكم اليوم بين ايدى من تثقفوا ثقافة غربية ، فادخلوا الاساليب الغربية فى جميع جوانب الحياة القومية . لا لانهم قدروا ما فيها من فوائد ، ولكن لانه بدا من الطبيعي ان هذا العمل امر لا يشك فى طيب مفعوله احد : فان احدا لم يفكر فى ضبط قانون يتعلق بالتحاق الفتيات بالجامعة المصرية الجديدة ؛ وما كن مع ذلك ليحجمن عن الالتحاق بها .

اما الوسيلة التى بفضلها تمكن اصحاب الثقافة الغربية من الهيمنة هيمنة عجيبة على دواليب الحكم ، فهى مهما بدت غريبة الوطنية إدلو الوطنية فكرة غربية هي ايضا . ولقد انشأ الوطنيون - قصد بلوغ غايتهم - منظمات تكفل لهم اعانة الجماهير وتاييدها ؛ وما ان ظفروا بهذا التاييد حتى ظنوا ان لهم حق تكييف مؤسسات بلادهم حسب النمط الغربي ، بيد انه - تصديقا للراى القائل بان بذور الانحطاط كامنة فى النجاح نفسه - مهما ارتفع عدد الجماهير المؤيدة لمبدأ الوطنية تضاءلت الروح الغربية فى هذا المبدأ وزاد هو انطباعا بالطابع الشرقي ؛ اذ مما لاشك فيه ان العامة لبسوا بمتأثرين بالغرب ؛ فهم فى تاييدهم لبرامج القادة الوطنيين ، يفهمون هذه البرامج حسب نظريتهم التقليدية الى الدولة والمجتمع ؛ وهكذا ، حالما آل الحكم الى الوطنيين ، اندلعت نار الفتنة الداخلية الكامنة بين حفنة القادة والمعارضين الدائبين على معارضتهم الحاضرين في كل ميدان ولم يلبث ان قوي جانب هذه المعارضة خصوصا عندما انكشف ان الاخلاق سواء في الغرب او عند المتاثرين بالغرب ، قد افلست افلاسا.

ولا اظنني مشطا عندما اخترت عبارة "الافلاس الاخلاقي" فقد اخذت طلائع التمرد تبدو عندما وضعت الحرب الاولى اوزارها ، فكشفت القناع عن بعد

الشقة بين المثل العليا الانسانية التى لا يفتأ الغرب ينشرها وعدم اكتراثه بالقيم الانسانية زمن الحرب ؛ الا ان هذه الحرب لم تكشف القناع الا قليلا ، وقد يمكن ان نظن ان ما حدث مجرد صدفة عارضة ، وان البلاد الديمقراطية لا تلبث ان تجمع قواها الاخلاقية من جديد ، ولذلك اعتقد المتأثرون بالغرب انهم على رشاد . وفى هذا الوقت نفسه ، كما سبق ان رأينا ذلك ، كان الجيل الجديد ، او قل الجيل الثاني من القادة الوطنيين هو الماسك لزمام الحكم ؛ إلا ان الشقة زادت وضوحا فى نظر الشرقيين لما رأوا من تصدع المجتمع الغربى بسبب ما فيه من عناصر داخلية مفسدة ؛ لقد لاحظوا - فى استغراب - التعسف الاقتصادى ، واستغلال الاكتشافات العلمية والفنية لانشاء وسائل التدمير ، والاندفاع الحزبى الاعمى ، والنفاق الذي يجعل التصريحات الداعية الى التعاون وصدق العزيمة مقرونة بشديد المشاحنات المتزايدة دوما ، والسعى الى توسيع مصالح هذا الفريق على حساب مصالح الفريق الآخر (وهذا الصنيع ، مع الاسف ، أشد وضوحا في الشرق الادنى منه فى البلاد الاخرى)؛ ولقد لاحظوا اخيرا انعدام الامن فى جميع اركان المجتمع الغربي . وكانت نتيجة هذا المشهد ان فقدت كل ثقة بما للغرب من مذاهب اخلاقية ، عامة كانت او خاصة ، وزاد هذا الامر رسوخا وثباتا في نفوس الشرقيين ما اتضح من الاخطاء عند تطبيق المؤسسات الغريبة فى البلاد العربية ؛ ومنها : أنانية الاحزاب وإفلاسها ازاء المشاكل الاجتماعية ، فساد الادارة ، قصور العدالة الجديدة (هذه العدالة التي لم يفهم منها المسلم العادى شيئا كثيرا (١) انهيار المجموعات التى كانت متحدة ، إقامة الحواجز بين الدول الفتية ، عدم تأثر النظام الفردي بالمجتمع ، عدم احترام قواعد اللياقة الاجتماعية الثابتة ؛ لجميع هذه الاخطاء ظهر فى صميم الشعوب العربية عدم ميل - ان لم نقل احتقارا - لكل ماله صلة بالحضارة الغربية ؛ ومن واجبنا كذلك ان لا ننسى - طبعا - عنصر العداوة الناجم عن اكتساح الغرب للميدان السياسي ؛ ولكن علينا ان لا نخلط هذا المشكل بموضوع بحثنا ؛ فعنصر العداوة هذا يزيد فى اشعال الفتنة الداخلية ، بل ويعين على تزويرها ايضا ؛ فلقد رأينا حركات كحركة "الاخوان المسلمين" - ذات الالهام الشعبى الخالص - قد شرعت بعد ، تطبيقا لبرامجها في قطع دابر المؤثرات الغربية جميعها ؛ الا ان كل هذه الحركات ابقت هذه المسألة الرئيسية فى كنف

الصمت ؛ بيد أن سحق العناصر الغربية اضحى امرا غير ممكن ، إذ اندمجت الحياة العامة برمتها فى دواليب النظام الغربى ، وكذلك الجزء الاوفر من الحياة الاقتصادية ؛ وإنها حقيقة لا مراء فيها ان صارت كلمة " عصرى " تقابل كلمة "غربى" ؛ على أنه يستحيل على العرب ، من ناحية اخرى ، ان ينسجوا على منوال الجمهورية التركية دون ان يكون نصيبهم الفناء ؛ فبسط موضوع المشكلة إذن يكون على الصورة التالية : فى هذا العالم الذى تتقدم فيه الفنون تقدما لم يسبق له مثيل قط ، حيث تنظم الصناعة تنظيما يتزايد يوما فيوما ، ما هى الطريقة التى نتوخاها لتركيز قيم الاسلام الاجتماعية ومثله الثقافية العليا ، قصد إنشاء مجتمع قار من جديد ، له نظام احتماعي منسجم قوى ، قادر على ان يضطلع بمهمة حية إنشائية ؟

ان الغموض الذي نلاحظه اليوم في البلاد العربية ناشئ عن غموض في  التفكير ؛ فلقد يتعسر علينا ان نظفر بتحليل مدقق للاحوال ، بل - على العكس - لا نرى الا من يروق له ان يلوك عبارات مبتذلة كهذه الفكرة الشائعة القائلة بأن الغرب مادى وان الشرق روحى ، ان هذا الرأى "لجنون محض" حسب حكم الدكتور طه حسين (١) وهو الوحيد الذى حاول - فيما اعلم - ان يبحث الحالة بحثا واقعيا وان يرفع صوته قائلا : اذا رامت مصر ان تنشئ لنفسها حياة مستقلة فى العالم الحديث ، فالوسيلة الوحيدة لنجاحها هى "ان تسير سيرة الاوروبيين وتسلك طريقهم ... وتكون لهم شريكة فى الحضارة ، خيرها وشرها ، حلوها ومرها ، وما يحب منها وما يكره ، وما يحمد منها وما يعاب " (٢)

ولكن هذا التحليل ذاته ينقصه العمق وبعد النظر ، اذ يجب ان نبدأ بالتسليم بان عناصر الحضارة الغربية التى ادخلت الان فى بلاد الشرق الادنى هى عناصر مادية لم يكن من ذلك بد ! على ان كل عمل له صلة او بعض الصلة بالقيم الاجتماعية والاخلاقية ؛ لذلك يقضى الاستخدام العادى للاساليب الفنية الغربية باصلاح المواقف الشخصية اصلاحا يكون عمدا او عفوا ، اما عدم ادراك القيم الكامنة فى الاساليب الفنية فله سببان اثنان : اولا نلاحظ ان الذين اتيح لهم ان يفهموا حقيقة الاساليب الفنية الغربية فهما خلاقا قليل عددهم ، اما البقية الباقية ، ثانيا ، فانهم

ينظرون الى هذه الاساليب نظرتهم الى حرفة يتمرنون عليها مجرد التمرين ليتمكنوا من القيام بها ، مع بقاء كنهها سرا مغلقا فى وجوههم ، ولا يزال مطبقو هذه الاساليب الفنية الغربية ينتمون - فى غالبهم - سواء الى الطبقات التى كانت تمسك مقاليد الحكم ، او الى اصحاب الاملاك العقارية (قد لا نستثنى من ذلك إلا لبنان)، اعنى انهم ينتمون الى ذلك الجناح "المادي" من المجتمع الاسلامي الذي حددناه آنفا ، فهم نقلوا الى حرفهم الجديدة قديم مواقفهم وقيمهم المادية وادمجوها - بتفاوت - فى المظاهر الخارجية للفنون العربية التى فازوا بها الا انهم لم يقدروا حق التقدير ما فى تلك الاساليب الفنية من مواقف ثقافية وقيم اخلاقية - كالطب مثلا - بل قل لم يهتدوا اليه مجرد الاهتداء ، لسبب ثقاقتهم " المنقلبة " او السلبية . اظنني وفقت هنا الى ضبط الدافع الداخلى الذى يكشف القناع عن فساد المؤسسات الغربية فى بلاد الشرق الادنى ، وعن عمقها الثقافي .

اما اخطر جانب في هذه المسألة ، فهو ليس مرتبطا بمواقف المسلمين تجاه الغرب ولكن بالنتائج الاجتماعية والثقافية في بيئتهم نفسها ، فهذه المؤثرات الغربية التى تزداد كل يوم رسوخا بالمجتمع العربى ، قد قطعت كل صلة بالتفكير الاجتماعى والاخلاقي فى الغرب من ناحية ، ولم توطد العلاقات مع التفكير الاسلامى من ناحية اخرى ؛ لان القيم وحدها هى التى يمكن لها ان تتصل بالقيم ، فان زعم فريق ان مبادئ الغرب لا تشتمل الا على "المادية" فانهم بذلك يقضون على ما يؤملونه من بعث "الروحية الشرقية" في القيم المجلوبة من الغرب ؛ ما هى الطريقة التى تمكن المسلمين العاديين ، بل والمسلمين المثقفين انفسهم ، من تحصيل فكرة عن القيم الثقافية الغربية ، وعن القيم التى تشتمل عليها الاساليب الفنية حتى المادية ؟ كيف يمكن لهم ان يصهروها فى القيم الاسلامية ؟ هنا يسعفنا التاريخ بدليل ، فيذكرنا ان حياة المجتمعات لا تقاس بالسنين ولكن بالاجيال ؛ فلقد انقضت ثلاثة احيال منذ هجمت الافكار والفنون الغربية على الشرق : تلقى الجيل الاول مبادىء الغرب فى صدمة مفاجئة ، وما هى الا ان انبهر بها الجيل الثاني حتى جاء الجيل الثالث فاعتنقها اعتناقا.

ولكنه يبدو ان المسلمين العاديين ، بل حتى المثقفين لم يكونوا مرتاحين لاعتناق هذه المبادىء ، واندلعت نار المعركة بعد ، تغلب عليها الغلظة فى اولها كما

هو الشأن فتتمشى مع ما للعامة من اهواء عمياء ، اصحابها لا يفقهون . واذكر فى هذا الصدد كفاح "الاخوان" وهكذا تسير هذه الحركات نفسها الى النهاية التى ستفلس عندها افلاسا اخلاقيا ميرما ؛ وانه لما يسترعى الانتباه ان هذه الحركات منتشرة ! فنجاة المجتمع الاسلامي على كل حال وتفادي ما عسى ان ينجم من مضار عن امتداد هذه الحركات امر لا يتحقق الا بانشاء معارضة اكثر تيقظا ، تحسن استعمال سلاح كلا الخصمين ؛ فتطالب لفائدة عامة الناس (وان كرهوا ذلك) بجوهر رغائبهم التى يصبون اليها ، وتحفظ للعناصر المثقفة ما للخصم من قيم مادية وثقافية ، مع افراغها في قوالب التفكير الاسلامى.

واذا مارمنا ان نستخلص من هذا الوضع مقارنات مع الكفاح الذى ظهر فى القرون الوسطى لتحرير الفكر الاسلامى من الهيمنة الثقافية والعقلية التى سلطها عليه الفرس واليونان ، كان لزاما علينا ان نتذكر ما اتصل بهذا الكفاح من الحوادث ، منها انه لم يقع الوصول الى حل الا بعد اجيال عديدة ، ولم يكن هذا الحل مطبوعا قط بطابع الكمال ؛ وهو ، وان أنجى المبادىء الاسلامية وحفظ القيم الفنية والاجتماعية فى الشرق الادنى ، فقد ابقى هذه " الثقافة المنقلية " بين صفوف القادة ؛ وان هذه الفترة التاريخية لتبدو سريعة بين صفحات الكتب ، على انها تمثل قرونا طويلة قد انقضت ، سواء بعد الاشعرى او قبل محاولته الواعية لاكساب العناصر اليونانية الداخلية على الثقافة الاسلامية معنى جديدا

وليست المهمة اليوم باقل ثقلا ، بل انه من خطل الراي ان نعتقد انهاءها في وقت قصير ، اذ كيفية معالجتها أشد إشكالا من معالجة المعركة القديمة فى القرون الوسطى.

وانه لا سبيل الى استشفاف ما ستسفر عليه نتائجها ، ولا قدرة للتنبؤ بمصيرها إلا لمنجم . ولكنى ازعم انى ظفرت بعد بدليلين على نهوض ثقافى واع فى البلاد العربية ؛ اولا ، ما نلاحظه من ظهور طبقة جديدة من الفنيين بصدد التكوين ؛ مع ان الغرب هو الذي سيظل ، طيلة سنين كثيرة ، مسيطرا على التقدم الفنى فى الشرق ؛ ولقد أيقنت ، بعدما عاشرت اصحاب هذه الطبقة ، ان تلك الطاقات وتلك السلطات التى لا تزال كامنة سوف تزدهر على مر الزمن ، فتؤثر لا في المؤسسات والمواقف فحسب ، بل وفي التفكير ايضا . ثانيا ، إنى ازعم أنى أري ، في الوقت نفسه ، انبعاث جيل من قادة المجموعة والتفكير الاجتماعى ،

وهو جيل لا ينحدر من الطبقات القديمة الحاكمة ، ولكن من ارومة لم تنفك الى اليوم مسلمة ، شديدة المحافظة على اسلامها ؛ لم تقطع هذه العناصر الجديدة علاقاتها بالثقافة الاسلامية قط ، لذلك فهى ستكون قادرة على ان تهتدى الى القيم الكامنة فى الحضارة الغربية ، فتفهمها ، وتظفر آخر الامر بالمعطيات الشخصة للمشكل الذى تجابهه الشعوب العربية.

كل هذا يكنه المستقبل ؛ اما الجيل الجديد ، فهو لم يتجاوز بعد سن الشباب يسير متحسسا ما يعترضه ، وليس في الامكان ان تتكهن من الان بما سيقوم به من عمل ؛ على ان اصحابه رفضوا بعد طريقة المتقدمين فى تأثرهم بالغرب ثاثرا عميقا فى دون ما اكتراث ، بل وحتى الطريقة المحتشمة لتقليد الغرب ، التى نادى بها سابقهم فى هذا الميدان الدكتور طه حسين ؛ انه لجدير بالملاحظة ان لم يتواصل نوع الانتاج الادبي الذي ازدهر مابين الحربين ، والذى تاثر بين التاثر بالغرب ، وان ما وجده من صدى لضئيل ضعيف ، على اكبر تقدير ؛ فاذا ما قرأنا حسابا للاسباب الخارجية فى هذا الانزواء الظاهرى ، فانه يبدولى ان الشرقيين ، بين اقدام واحجام يبحثون عن تعابير جديدة ، اكثر "اصطباغا بالطابع الشرقى" ؛ وهم ليسوا بمرتاحين - كذلك لهذه التعاليم الدينية السنية ، الصاخبة ، وقد اخذت تبلى بعد ما بلغت اوجها فى القرون الماضية ؛ لنرجع الى الرشد الباطنى فى الاسلام ماله من حقوق ، ولنترك التعاليم الدينية الجامدة الخارجية ؛ بهذه الطريقة ، وبهذه الطريقة وحدها ، يمكن للتفكير الاسلامى ان ينهض فى هذا العصر ، عصر الثورة الفنية ، ليفرض قيمه على المؤسسات الجديدة فى الحياة الاجتماعية ؛ وهذا عمل مرير طويل لم يكد يقع الشروع فيه ؛ ولكن وقع الشروع فيه ولا حل ، البتة ، للمشاكل الاجتماعية والثقافية فى العالم العربى ، حتى يبلغ هذا العمل نهايته.

اشترك في نشرتنا البريدية