الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 392الرجوع إلى "الثقافة"

بعد عام :, أحمد محرم

Share

فى مثل هذا اليوم ، فى ١٣ يونيه من العام الماضى ، مات الرجل الذى كافح فى الحياة ومن أجل الحياة كفاح الابطال . ولم يفقد حتى اللحظة الأخيرة إيمانه بالخير فى هذا الكفاح.      فى مثل هذا اليوم مات الشاعر الذى استقبله الجحود على عتبة الدنيا ، وسايره خلال أشواطها الطويلة القاسية ، حتى شيعه إلى مثواه الأخير .

كان شاعرا يعرف هدفه ، فاطمأن فى دمنهور القلقة الصاخبة وادع النفس ، مستريح الضمير ، يعمل له فى صبر وإيمان ، دون أن يبالى بمفاتن الحياة ، أو يضج من جحود الأحياء . بل كان فى هذا وهذه ما يحفزه إلى المزيد من الكفاح الشعرى الوثاب في سبيل هدفه الأسمى ، فعاش عظيما ومات عظيما .

وبعد عام تذكره - رحمه الله وأحسن إليه - أنوفا صبورا ، منبسط الأفق كالبحر ، يرسل أمواجه في قوة لاحد لها . فخلف لمصر والشرق ثروة ضخمة فى الأدب والشعر.

وحسبنا . فى هذه المناسبة أن نوجز ما استطعنا  فى الحديث عن هذه الثروة .

قيثارة الشاعر :       عد أستاذنا أنطون الجميل باشا فى قيثارة " شوقى " فى كتابه عنه خمسة أوتار هى : وتر الدين ، ووتر الوطن ، ووتر الحكمة ، والوتر المصور ، والوتر الخاص . وفى قيثارة الشعر وتر سادس ضرب عليه الكثيرون من الشعراء ، وهو وتر المجون والهجاء ، وهذا الوتر قطعه شوقى من قيثارته .

وهذه الأوتار هى بعينها التي نعدها في قيثارة محرم ، وقد قطع الوتر السادس من قيثارته قطعا ، فكان مثل شوقى - على حد تعبير الجميل باشا - عف الإلهام كما كان عف اللسان .

وتر الدين :    نقر محرم على وتر الدين نقرا لا يستغرب من شاعر ولد فى مهد من مهود التقوى ، وحفظ القرآن صغيرا ودرس بعد ذلك ما درس على علماء الازهر ، فلما شب ، جعلت هذه البذور تنمو فى تربة صالحة ، ونقوده طائعا مختارا - إلي قبلتها . إليك عهده - وهو عهد المؤمن :

أقول لصاحبى وعاهدانى     كتاب الله بينكما وبينى

فكونا صادقين ولا تخونا    فإن لنا لإحدى الحسنيين

ولست ببائع نفسى ودينى        ولو أوتيت ملك المشرقين

على التاريخ بعد الموت حقى     وعند الله يوم الدين دينى

ويمحى عاما هجريا :

هلال العام أنت لمصر دنيا          نعظمها وأنت لمصر دين

نحب " محمدا " ونصون فيه        " لعيسى " ما يحب وما يصون

ونكرم قومه ونكون منهم            بحيث يكون ذوالرحم الضنين

ويرحب بـــ " دين الحياة " فى حرم الله :

مرحبا بالإخاء فى حرم الله        وأهلا بقومنا الصالحينا

حي آل المسيح يابيت واقصد    الحق عن آل أحمد أجمعينا

وبعد أن يدين الجميع بهذا الدين :

يا أمة الإنجيل آمنا به       ما "بالنبى" ولا "يسوع " جحود

الدين فى أمر ونهى واحد    والله جل جلاله المعبود

دنيا الممالك لا تحد ودينها   وقف على ديانتها محدود

وتر الوطن :       وضرب الشاعر على وتر الوطن ، فكان قائدا يقول :

مصر الحياة وحبها الشرف الذى    بطرازه العالمى أدل وأعجب

نفسى وما ملكت يداى لأمتى       وسراة آبائى ومن أنا منجب

ويهيب بالقادرين :

أغيثوا مصر واستبقوا بنيها      فقد ضاقت وجوه العيش فيها

رأيت الهول بنبعث ارتجالا     فتنصدع القلوب له بديها

والحال هى :

رعينا الجدب فى ثلعات مصر       وخلينا الرياض لمرتعيها

لقد أعيت مواردها علينا           وما أعيت على من يحتويها

فليكن :

زعمتم أننا شعب سفيه     صدقتم اعلموا الشعب السفيها

حماة النيل إن النيل عان    يريد العدل والحكم النزيها

ويذكر وقت ذاك حرية الشعوب فيصبح :

مدوا السواعد وارفعوا الأبصارا        لم لا نعيش أعزة أحرارا ؟

من ذا أتاح لما الجمود ومن قضى       أنا نظل مكبلين أسارى

إن الذي خلق النفوس حرائرا          فك الشعوب وحرر الأقطارا

وتر الحكمة :        ووتر الحكمة هو وتر الاجتماعيات أيضا ، ضرب عليه الشاعر كثيرا ، فمن نغماته فى تدبير الملك :

الملك إصلاح وعدل شامل    يحمى الضعيف ويقمع المتكبرا

والحذر من الفوضى فإنه :

لا يصلح الناس فوضي لا سراة لهم    

                ولا سراة إذا جهالهم سادوا

ويقول :

دعاة الشر يتفقون فيه        ولا يرجون فى الخير اتفاقا

والغاية هى الدين :

وما الناس لولا الدين إلا طوائف

                      مضللة من جاهل الحيوان

الوتر المصور : قال يصور ما أبقت الأيام من قصر كليوباترا :

ندير عيوننا شرقا وغربا      وتأخذنا يمينا وشمالا

فنصعد تارة ونكون أخرى    كمثل الجن منزلة وحالا

تغيبنا المغاور وهى شتى     نحاذر فى مساربها الضلالا

وفى الحاكى :

ما عهدنا الحديد قبلك يحكى      ساجع الطير ساجعا غريدا

يأخذ المنطق الفصيح أمينا           ويؤديه عبقريا مجيدا

نقمات تزينها لمسيرات             صادقات , أوتين حسنا فريدا

الوتر الخاص :

يصدر الغزل والدح والرثاء عن هذا الوتر ، وقد مدح الشاعر ثم تاب من المدح ، وقال فى الغزل وفى الرثاء طويلا .

والغزل يشغل من حياة الشاعر ثلاث فترات لكل فترة طابعها . أما الرثاء فيشغل جل حياته .

وإلى القراء هذه الشواهد من فترات الغزل : كان فى الفترة الأولى يتحسر ويقول :

كنا قسيمى صبوة وهوى         فسلو أو ظلمت متيما وحدى

هجموا وبت مسهدا ولكم       ليل أعانونى على السهد

ما حيلتى إن خاننى جلدى       إلا البكاء , وقلما يجدى !

وفى الفترة الثانية يضج مع الهوى :

يا طير حسبك ما حملت من الأسى    

                           وكفى ذوى الأشجان ما حملوه

هون عليك فما تريد من البكا

                           بعد الآليف وما الذى ترجوه

لما دعوت على الأراكة سحرة

                           ضج الهوى ، ودياره ، وذوره !

وفى الثالثة تنقلب حياة الشاعر رأسا على عقب :

أنت حولت حياتى               كلها يمنا وسعدا

ما لمست الشوك حتى          صار ريحانا ووردا

ويتساءل فى غبطة لا حد لها :

أنت يا من كنت فى وادى الغيوب

                      بمكان السر من وادى القلوب

أو كمثوى الشمس فى جوف الغروب

                        أو كنفس فى غيابات الخطوب

أنت - من أنت ؟ و يا لى من أنا !

ويتطلع إلى الفردوس :

ليس فى الأرض لما من وطن      فدعيها واصعدى , لا تحزنى

دارنا الفردوس فيها نجتنى         أرج الورد وعطر السوسن

                ثم نحيا كيف شئنا - لا نبالى

ولكنه يستدرك فيصبح :

ويح نفس هل إليها من سبيل

                    آه ، لو يمكن بعض المستحيل

إن مثلى ليس يرضى بالقليل

                    ضاقت الدنيا على الجسم النبيل

              آه يادنيا - أما للهزل حد ؟

وضرب الشاعر على الوتر الخاص راتيا جل حياته ، فلم يترك صديقا لا شيمه ، ولا خليلا إلا بكاء قال في والدته :

فجمعنا بهما كالشمس سال شعاعها

                          بفيض الهوى والخير ، أو هى أفضل

لئن ضمها بيت من الترب موصد

                          لقد ضمنا ليل من الحزن أليل

وفى شقيقه الأكبر :

بكيت حتى عابت الدمع نفسه

                    وحتى ارعوى من خشية الله ساكبه

أجلك عن رقراق دمع إذا جرى

                     ترقرق فيه الحزن واستن ذاهبه

وفى والده :

بنى وإخوتى وأبى وأمى         أيسمع فى قبوركم النداء

نزلتم منزل القوم الأسارى      فلا من يصاب ولا فداء

حملت فقودكم فعبيت حتى    لطهرى قبل موعده انحناء

وفى البارودى :

أحيا البلاغة بعد ما لعب العلى

                  برفاتها ، وقضى على البلغاء

هي دولة الآداب مات أميرها

                  ومحاسن الدولات بالأمراء

وفى الشيخ إبراهيم اليازجى :

ذهب اليازجى بالنظم والتستر  وحسن البيان والإعراب

لم تمت واحدا فنأسى لنما    ك أسانا لذاهب الأصحاب

إنما أنت أمة غالها الملو     ت وملك طوته أيدى الثباب

وفى حسن حسنى باشا الطوبرانى :

كم زأرة لك حول الملك هجت بها

                         روع العداة ، فلم تأمن ولم يخف

حفظت عهد بنى عثمان فى زمن

                        ضاع الحفاظ به ، إلا من الصحف

وفى الشيخ نجيب الحداد :

أبو نجيب لو ترد منية       لظل وما يلقى إليه سبيل

وليس رثاء ما أخط بمهرقى    ولكنه دمع البراع يسيل

وفى بشارة نقلا :

لله رزؤك يا بشارة إنه        رزء يهد الراسيات جليل

قد كنت عدة أمة محروبة    ما ينقضى منها عليك عويل

وكلت الغيل الأسود فلا تخف  بعد ارتحالك أن يباح القيل

وفى إسماعيل صبرى باشا :

أمنزل إسماعيل جوك طيب   وواديك مأمون وجارك مجمل

نزيلك عصر للأعاريب كابر    وضيفك جيل  للنوابغ أمثل

وفى فرح أنطون :

أيها الثاوى بأوطان العلى       عمرك الدهر ومثواك السير

أنت فى الباقين ذكر كلما      خمد الدهر وأهلوه ، استمر

وفى محمد بك أبو شادى :

أشادى سكت وكنت صوتا     شديد القصف يخترق السحابا

نمت عن الحوادث وهى يقظى    تنازعنا المضاجع والثيابا

وفى يعقوب صروف :

كبرت للخطب لما قال ناديه      

                    طوى  الردى علما من آل صروف

الموردى العلم من أقلامهم أمما

                    عافت من الجهل وردا غير مألوف

وفى أمين بك الرافعى :

بوركت من مؤمن ما كان أطهره

                     على تصاريف دنيا ذات أرجاس

مستيقن النفس ، ما يغشى سريرته

                      ما فى السرائر من ظن ووسواس

وفى عبد اللطيف بك الصوفانى :

سكنت جراحك وانتهيت إلى مدى

                        ينفى الهموم ويطرد الأوجالا

تجرى الخطوب فإن بلغنك ركضا

                        جنح الزمان بهن عنك فمالا

وفى الشيخ عبد العزيز جاويش :

نزع الموت من سجية نفس

                 صيغ منها ، وركب الخلد طبعا

جاوز النيل أمة وربوعا

                ينفض المشرقين ربعا فربعا

وفى السيد أحمد السنوسى الكبير :

من حق " أحمد " أن يكون رثاؤه

                         زجل المكبر عند كل أذان

لو زيد ركن فى الصلاة علي يدى

                          لجعلته من أوثق الأركان

وقال فى مصطفى كامل :

من يصرع الخصم العنيد مدججا

                     من بأسه بأسنة ونصال ؟

من يأخذ الجبار أخذ مدرب

                  ساس الأمور ، وجال كل مجال

وفى الشيخ محمد عبده :

كر والقوم يمنعون فرارا

               خيفة الموت فى ظلال القراع

فرمى الدارعين منه بعزم

                 ظل يفرى سوابغ الأدراع

له بقية

اشترك في نشرتنا البريدية