بعد عام

Share
بعد عام

في أوائل سنة ١٩١٨ ، وقبل انتهاء الحرب العالمية الأولى ببضعة أشهر أعلن الرئيس ولسون مبادئه الشهيرة العقد صلح عالمي على أسس شريفة عادلة ، كان في مقدمتها الاعتراف لكل امة بحق تقرير المصير ، وإنشاء عصبة أمم تشرف على تحقيق الاستقلال السياسي والسيادة  الاقليمية لجميع الأمم صغيرها وكبيرها ؛ ولكن سرعان ما تبددت هذه المبادئ ، الخلابة في مؤتمر الصلح ، وفي المؤتمرات التي تلته ، وبدأت معركة اقتسام مناطق النفوذ بين الدول الظافرة ، وظهرت المطامع الاستعمارية في أعنف صورها ، وشرعت بدعة الانتداب على الشعوب الصغيرة ، وجاءت عصبة الأمم لتغدو أداة في يد الدول الظافرة توجهها كيف شاءت لتأييد نفوذها وسلطانها .

وجاءت الحرب العالمية الثانية بالأخص نتيجة للأخطاء التى ترتبت على المنافسات والشهوات الاستعمارية الخطرة

التي اضطرمت بها الدول الظافرة عقب الحرب العالمية الأولى ، وعلى إخفاق هذه الدول في إقامة سلم شريف دائم يعترف فيه بالحقوق المشروعة للدول المهزومة والدول الصغري التي اعتقدت ان فجر السلام والحرية قد بزغ ، فصدمت في أعز آمالها وأمانها ؛ وهكذا شهدنا الحرب العالمية الثانية تضطرم لنفس العوامل والأسباب القديمة التي نشبت من أجلها الحرب العالمية الأولى .

وهنا يعيد التاريخ نفسه بصورة واضحة ، وتشهد خلال هذه المعركة العالمية الكبرى نفس المأساة تمثل مرة أخرى فينهمر سيل التصريحات والوعود الخلابة القديمة . ولما كانت المعركة في هذه المرة أروع وأشد خطرا ، فقد كانت الوعود ألمع وأعظم ، وهكذا طلع علينا تصريح الحريات الأربع مؤكدا أنه يجب ان يكمل للعالم حرية القول والعبادة والتحرر من الفقر والخوف ؛ ثم طلع علينا

ميثاق الأطلنطيق يؤكد لنا أن بريطانيا وأمريكا لا تسعيان  إلي توسيع أملا كهما ، ولا تريدان اي تبدل إقليمي لا يتفق مع رغبة الدول صاحبة الشأن ، وأنهما تحترمان حق لجميع الشعوب في اختيار شكل الحكومة التي تلائمها ، وتأملان بعد سحق الاستبداد النازي أن تتوطد دعائم السلم ، فتعيش الأمم في سلام آمنة من الشقاء والخوف ؛ ولينا بعد ذلك خلال أعوام الحرب العصيبة نسمع الخطب والتصريحات الرنانة من الغابات التحريرية والإنسانية السامية التي نخوض الديمقراطية من أجلها عمار القتال ، حتى إذا لاحت طوالع النصر ، عاد أقطاب الجبهة الدعقراطية في مؤتمر بالتسا يؤكدون حرص الأمم المتحدة على تنفيذ كل ما جاء في ميثاق الأطلنطيق من المبادئ والوعود .

وانتهت الحرب العالمية الثانية بانتصار الأمم المتحدة انتصارا لا مثيل له ، وتطلعت الأمم في نشوة النصر ، إلي اجتناء الأماني السعيدة في ظل السلم العالمي الموطد والآفاق الحرة الكريمة ، التي وعدت بها ؛ ولكن الصدمة كانت بكل أسف في هذه المرة سريعة مؤلة ؟ وجاءت حوادث الأشهر الأولى التي أعقبت النصر ، لتبدد بقسوة كل الأحلام السعيدة التي تصورها العالم ، وتصورتها الأمم الصغيرة مدى لحظة ؛ وسرعان ما بدت المنافسات والشهوات الاستعمارية القديمة سافرة في غير ما حياء أو تحفظ ، وأخذ حلفاء الأمس يختلفون ويتنازعون على اجتناء الأسلاب والغنائم، واقتسام مناطق النفوذ في أوربا وآسيا وأفريقية ، وأخذت الأمم الصغيرة - وهي الفرائس . تنظر حيري إلى ذلك المسلك الصارخ المشين من جانب أولئك الذين غمروها بالأمس القريب بالوعود المعسولة ، فوقفت إلى جانبهم وقت المحنة تشد أزرهم ، وتؤيد قضيتهم في سذاجة وإخلاص .

ولقد شهدنا خلال العام الذي انقضي منذ يوم النصر كثيرا من التجارب الأئيمة المرة ، فرأينا إيران التي اتخذها الخلفاء أثناء الحرب معبرا من معابر الإنجاد والنصر تضحي بقسوة وشراهة في سبيل التنافس الاستعماري بين روسيا وبريطانيا ، وهي اليوم تغدو فريسة حرب أهلية مخربة لم تردها ولم تسع إليها ، وشهدنا المعركة السافرة بين الدول الكبرى في مؤتمر وزراء الخارجية علي مناطق النفوذ الأوربي ، ثم على اقتسام المستعمرات الإيطالية ومع أن مصر لها مصالح مباشرة في مسألة عقد الصلح مع إيطاليا ، وفي مسألة المستعمرات الإيطالية ، فإنها لم تدع إلي مؤتمر الصلح ، ويراد أن يقضي في غيبتها أو ربما قضي بالفعل في مصير ليبيا وطرابلس جارتي مصر من الغرب وقفا لمصالح الدول الاستعمارية . هذا وقد فشل مؤتمر وزراء الخارجية نفسه ، ولم يوفق إلي عقد أية معاهدة من معاهدات الصلح التى اجتمع لوضعها ؛ وذلك بسبب الرغبات والأطماع المتضاربة التي تنافست في إبدائهم الدول الكبرى .

وفي الشرق العربي تبدو السياسة الاستعمارية في أوج نشاطها ، فانجلترا تحتفظ بقواعدها العسكرية في شرق  الأردن المستقلة ، ولجنة التحقيق الإنجليزية الأمريكية تصدر تقريرها المتبر في مسألة فلسطين ، وتقضي بالإعدام على فلسطين العربية بكل جرأة ، دون أن تعتبر بالحقائق  الواقعة ، أو تصغي إلي الأصوات المنبعثة من كل صوب ، وامريكا تحتضن تقرير اللجنة الظائم وتؤيده جهارا ، وهي الى بذل عميدها الراحل المغفور له الرئيس روزفلت ما بذل من وعود رسمية بشأن فلسطين .

وفي مصر تحاول السياسة الاستعمارية أن تلعب دورها المأثور ، فتري المحافظين يثيرون في مجلس العموم ضجة كبيرة حول التصريح الذي أصدره وفد المفاوضة البريطاني بعرض الحلاء من مصر أساسا للمفاوضات القائمة ، وتري

زعيمهم مستر نشرشل الذي طالما بهرنا ايام الحرب العصيبة بمنطقه الخلاب عن مقاومة الطغيان وعن حقوق الأمم وحرياتها ، يبدو في ثوبه الاستعماري القديم الذي عرفناء في سائر مراحل القضية المصرية ؛ ثم تقرا حين كتابة هذه السطور ، أن المفاوضات المصرية البريطانية قد وقفت لاصطدامها بتشدد الجانب الإنجليزى وتمسكه بما تعتبره مصر منافيا لسيادتها واستقلالها ؛ وهذا بعد كل الذي بذلته مصر خلال الحرب من خدمات جليلة لإنجلترا إبان محنتها.

تقع هذه الأحداث وتتتابع بصورة لا تدع مجالا للشك في حقيقة الاتجاهات التي تتجه إليها الدول الكبرى : فالسياسة الاستعمارية تكشر الآن عن انيابها في سابر ميادين نشاطها القديمة دون حياء ولا واز ع، وقد أيقنت الأمم التي خدعتها الوعود البراقة خلال الحرب ، انها يجب ان تتدبرأمرها ، وأن تعتمد على نفسها في العمل لتحقيق أمانيها . ولقد جاءت هيئة الأمم المتحدة التي لاحت مدى

لحظة معقد الآمال في تحقيق العدالة الدولية وحماية الدول الصغري ، لتثبث من جانبها أنها بعيدة كل البعد عن تحقيق مثل هذه الغاية ، وانها لم تك سوي مظهر جديد من المظاهر الطنانة الى تستتر وراءها الدول الكبرى فقد دلت التجارب القليلة التي اضطلع بها مجلس الأمن ، انه ليس بعيدا عن وسائل عصبة الامم القديمة ، وانه ليس على استعداد لأن يصدر حكم العدالة الحاسم في أية مسألة من المسائل الشائكة الى طرحت عليه ؛ وقد كان موقفه بالأخص في مسألة إيران أسطع دليل على أنه ليس هو الملاذ الذي يمكن أن تتجه إليه آمال الدول الصغري .

تلك هي الصورة المظلمة التي تبدو لأعيننا اليوم من شئون العالم واتجاهاته . وذلك لعام فقط من وقوع النصر، فإذا كانت الأمم المتحدة قد خاضت غمار الحرب العالمية الثانية حقا لأجل مكخة الطغيان والدفاع عن حربات الأمم فإنها ترتكب اليوم أعظم نكث لوعودها وعهودها .

اشترك في نشرتنا البريدية