وسارت الحوادث بعد ذلك سريعا . ذلك أن البابا بعث إلي لوثر يأمينه ، فون ميلتنس Von Militz ، ليأتي به إلي روما بطريقة ما . ولكن الامين المسكين لم تطأ قدماء ألمانيا حتى وجد الأمة كلها قائمة على قدم وساق .
فعاد يقرر لسيده أن خمسة وعشرين ألفا من الجند ، على أتم أهبة ، وفي أثقل سلاح ، لا تكفي لإخراج لوثر من مريضه وفي يوليو عام ١٥١٩ ، بمدينة أوجزبرج ، وقعت مناظرة كبيرة بين لوثر ، وبين رجل ذي حجة في النقاش غلاب ، لم يكن لوثر قد ألقى مثله من قبل . وكان هذا الرجل الدكتور جون إيك John Eck . فجر لوثر في المناقشة جرا ، حتى حمله على الدفاع عن مبادئ في الدين أحرق جون هوس John Huss المصلح التشكى ، من أجلها منذ قرن سبق . فثبت لوثر على ما رأي ودفع وقطع في غير مبالاة . وانتهى النقاش بأن أخذت الدوائر البابوية تجهز ما لم يكن منه بد ، ذلك المرسوم الذي يقضي علي لوثر بالطرد .
وقبل أن يأتي المرسوم ، غرق لوثر في عمله وغلا . قاني جانب واجباته العادية ، في عام ١٥١٩ ، كتب رسالات ثلاثين ، من بينها كتب ثلاثة كبيرة ، دعا الأمة الألمانية في إحداها إلي الإصلاح ، دينيا ، واجتماعيا ، وسياسيا . وشغل في نشر ما كتب بضعة من مطابع لم تعرف إلي التراخي سبيلا .
وجاء المرسوم أخيرا . وصل ألمانيا في خريف عام ١٥٢٠ ، وقضى بالزيغ على ما كتب لوثر من كتب ورسائل ، وناشد المؤمنين أن يحرقوها . وقضي علي لوثر بالطرد من المنابر
المسيحية ، وأنذر كل من شايعه أو حماه بالطرد أيضا . واقتبس المرسوم مما كتب لوثر إحدي وأربعين قضية كلها كفر وضلال ، خرج منها بالحكم عليه أن يخرج من كنيسة الله ، إذا هو لم يثب ولم ينب ، في بحر ستين يوما .
وفي العاشر من ديسمبر ، من نفس العام ، في مدينة قينتبرج ، على مشهد من حفل عظيم ، قام لوثر فأحرق مرسوم البابا عمدا وإعلانا .
وبهذا أطلقت الطلقة الأولى في الصراع الذي لم يكن فيه من تراجع .
وفي الثالث من يناير عام ١٥٢٠ ، أعلن البابا أنه يطرد لوثر من كنيسته طرد زنديق كافر . وكان معني هذا الموت للوثر . ولكن أمير سكسونية كان من قراء لوثر ، فصمم ان الأستاذ لابد من استماع له ، ونقاش قبل القضاء عليه . لقد كان طرد لوثر من الكنيسة أمرا متوقعا . فكان أن الامبراطور شارل الخامس ، الامبراطور الروماني ، كتب إلي الأمير فريدريك الألماني أن يرسل لوثر إليه ، إلي المجلس الامبراطوري الذي يترأسه في مدينة ورمز Worms في عام ١٥٢١ ليدفع عن نفسه إذا هو شاء ، في حضرة زمرة من العلماء وركب لوثر في أبريل عام ١٥٢١ يطلب مدينة ورمز . ركب في عمرة منطقة هيأتها له مدينة فينتبرج . وصحبه في سفره الناس فكان موكبا فخما . وما دخل المدينة حيث انعقد المجلس حتي تصايح له الناس من نوافذهم يثبتونه حتى لا يرجع عما قال .
ودخل الزنديق الأعظم قاعة القصر وعلي فمه ابتسامة وفي القاعة وجد منضدة عليها ركام من كتب ، عشرين عددا ، فسألوه : هل هذه كتبه ، وهل هو مسترد بعض ما قال فيها أو كله ؟ أما عن السؤال الأول فأجاب بأنها نعم كتبه وأنه كتب كثيرا غيرها أما عن السؤال الثاني فطلب مهلة ليجيب فأذنوا له مهلة أربع وعشرين ساعة .
فقضي الليل في صحبة من أصدقائه يتشاورون وطلع الصباح فقام لوثر أمام قضائه مرة أخري . وألقي عليهم بيانا ، وزن كلماته ، وشبر مقاطعه ، فكان فيه حذر ، وكان إحكام ، خلاصته أنه لا يسترد مما قال إلا ما ثبت من الإنجيل أنه الباطل . فلم يعجبهم هذا ، وطلبوا إليه أن يجيب بلا أو نعم . وعندئذ قال : لن استطيع أن استرجع ولن أسترجع شيئا . ذلك أنه ليس من العدل ولا من الخير أن يعمل المرء بغير وحي من ضميره . ورفع بصره إلى السماء وهو يقول : منك العون بارحمن ، آمين ، آمين .
وما فاء لوثر بهذه الكلمات الحاسمات ، حتى زاط الجمع واختل النظام . اما الأسبانيون فصانوا غضبا . واما الألمان فصفقوا ابتهاجا . ولم يعد خافيا علي أحد أن الأمة المسيحية أخذت تنشطر . ولم يسع الامبراطور إلا أن يؤجل الاجتماع وبعد اسبوع ترك لوثر مدينة ورمز بطلب بيئه في فينتبرج . ولكنه لم يبلغه سريعا فقد عاقته العوائق دونه ذلك ان الامبراطور شارل كان قد امضى وثيقة يدمغ فيها لوثر بالكفر ، ويصف آراءه باللمنة ، ويأمر الناس أن لا يقرأوا كتبه ، ولا ينزلوه من بيوتهم منزلا ، وأن يقبضوا عليه ويسلموه للشرطة .
وبينا لوثر ماض في طريقه ، إذ قبض عليه خمسة رجال مسلحون ، هم رجال صديقه المختص ، الأمير فريدربك ، وحملوه سرا إلى قلعة من قلاع الأمير . وفي القلعة بذل له قائدها من الضيافة ما يبدل للأمراء ، فساءت من دسم الطعام صحته .
وفي منفاه هذا ، من مايو عام ١٢٥١ إلي مارس عام ١٥٢٢ ، كتب لوثر مجلدا ضخما من عظات ، ومقالة عن الرهبنة وما يعطيه الراهبون والراهبات من عهود ، أهداها لوالده وفي الأشهر الثلاثة الأخيرة ترجم الإنجيل - العهد الجديد - ترجمه ترجمة بارعة من الإفريقية إلى الألمانية . وفي غيبته هذه أخذت الثورة تنتشر انتشار النار
في الهشيم . ففي كل ليلة ظهر مصلح ، وفي كل نهار نبت مصلح ولم تمض أشهر حتى أدخل المصلحون في مدينة فيتنبرج عددا عديدا من الاصلاحات كاد يؤدي بالمدينة إلي الفوضي وقام رجال يقترحون على الناس رفض الحكومات جميعا من مدنية أو دينية
ولم يكن بد أن تخلص بالنظام من هذه الفوضي يد قوية . فاعتزم لوثر أن يعود أحس بتبعته في تنظيم هذه الثورة ، وفي تدعيمها وفي تنظيمها ، وهو الذي بدأها ، فنزل إلي الميدان خشية أن يتولي عنه قيادها الشيطان .
وانذره صديقه الأمير ، أن الدوق جورج قد يختطفه فبيعث به إلي البابا . فأجاب لوثر أنه لا يهتم بالدوق ، ولا يخاف ولا ينكص ولو ظلت السماء تمطر الدوقات سبعة أيام متواليات . وخرج من مخبئه في اليوم الأول من مارس عام ١٥٢٢ ، وعاد إلى فينذبرج ، وأخذ يخطب الخطب متتابعة متلاحقة . خطب خطبا ثمانيا في ثمانية أيام ، فعملت في الفوضى الضارية عمل السحر ، فبددتها كما يبدد شعاع الشمس الطالعة ضباب الصباح
ومن فينتبرج ذهب إلي مدن أخرى ، بخطب ويعظ ويتعاون مع السلطة المدنية ، ويعين في كبح الفتنة . ويؤسس دينه الجديد على أسس متينة . ووجد الناس قد رأسوه وهو لا يدري علي حركة امتدت على الأوسط من أوربا ، والشمال منها - حركة لها خطرها الكبير الواسع من سياسي واجتماعي وديني .
وجري الزمن سريعا ، واشتغل الإمبراطور الروماني ، شارل ، في حربه فرنسا وحربه الترك ، ولما عاد من بعد ذلك بجمع مجلسه الإمبراطوري في مقاطعاته الألمانية ، في أوجربرج ، وجد الحال قد تبدل أي تبدل . ولم يكن أنفذ أمرء في لوثر . ولم يكن بمستطاع أن ينفذه الآن . وكيف يفعل وقد أجمع خمسة من الامراء المظام ، واجمعت معهم أربع عشرة مدينة حرة ، اجمعوا على الدفع عن
هذا الدين الجديد ، واحتجوا علي إنفاذ حكم الإمبراطور في لوثر في بلادهم . نعم احتجوا ، وسموا من أجل ذلك بالمحتجين . واللفظة الإفرنجية ، البروتستانت ، معناها المحتجون .
وعاد الإمبراطور فوجد تبدلا أعجب من تبدل الناس . وجد الراهب المتعزل المتوحد ، لم يعد متعزلا ولا متوحدا . فقد كان لوثر الراهب قد تزوج ، وتزوج راهبة هربت من ديرها عام ١٥٢٣ وقال من ظن على دينه القديم : الآن صار الأمر عزلا . فالراهب المارق قد تزوج راهبة هاربة ، فإذا خرج من صلبهما شئ فلن يكون هذا الشئ غير إبليس نفسه .
وقال لوثر : إنه لم يتزوج عن حب . وقال إنه تزوج ليسر أباه ، ويغضب البابا ، ويخدع أنف الشيطان . وهي مقالة فيها من اللباقة أكثر مما فيها من الحق . فالذي عرفه الناس أن لوثر كان في زواجه سعيدا . وأنجب من زوجته ستة أطفال ، أضاف إليهم بالتبني
أحد عشر ، وأعاش معهم نفرا من الطلاب كثيرا . وفي بيت الضيافة الكريمة هذا ، جرب لوثر أدعيته الجديدة قبل أن يخرجها إلي الناس .
وقضى لوثر سنوانه الأخيرة بكتب ويخطب ويتبادل الرأي مع المصلحين . ولكنه منذ عاد من محبسه في قلعة صديقه الأمير ، كان أكثر احتفاظا مما ظن الناس . كان لا يريد أن يغير من الكتلكة إلا ما خالف الإنجيل ولكنه لم يستطع ان يحبس الناس عند هذا ، فاندفعوا فسبقوه . ومع هذا فقد كان له الفضل الأول في كل ماحدث إن كان ماحدث فضلا كان له فضل توجيه الأنظار بعض الوقت إلى الأرض ، وكانت معلقة دئما في السماء ، وبدل من التقشف والزهد على انفراد ، الخدمة يسديها المتعبد إلى الناس ، وفتح الأنفس والأذهان إلى معنى الديمقراطية والحكومة المدنية ومات عام ١٥٤٦ . مات بداء في قلبه .

