مضي أسبوع آخر . وجلست هذا الصباح أنتظر . إنه اليوم المحدد لجيئها . وخطر لي خاطر ، فقمت إلي النافدة أبحث عن الشمس . إنها مختفية اليوم خلف الغمام ، والنهار قائم ، والجو بارد . لا شئ يحول إذن بيتها وبين الحضور . ولم يخب ظني ؛ فما إن وافت الساعة ، حتى طرق بابي ودخلت الفتاة في معطف من الفراء الثمين . وحيتني بابتسامة مرحة ، وأخذت تخلع قفازها وتقول :
- هاأنذا أجيء بلا تأخير . فنظرت إلي النافذة ، وقلت في نبرة تهكم غير ملحوظ: - " التنيس " هذا الصباح غير مرغوب فيه ؟ ! فقالت في صوت الجاد : - نعم ، الطبيعة كئيبة والشمس غائبة فقلت على الفور :
-فعلى " الأدب " إذن أن يبتسم لك ويشرق . فسرها هذا الجواب . وجلست أمامي كالطفل "العاقل " الذي ينتظر تفاحة بهيحة تقدم له بعد قليل . ومرت لحظة دون أن أقول شيئا ، ولم أعرف في الحقيقة ما أقول ولا ما أصنع ! وجعلت عيني تفحص قراءها ووجهها وشعرها الذي ألمح فيه يد الحلاق البارع ومكواه ! وذكرت عندئذ - لست أدري لماذا - تلك الكلمات الملتهية التي قالها الراهب " يافنوس " مخاطبا " نابيس " فاختلج فلبي ، لكني ملكت نفسي سريعا ؛ وضحكت المقارنة ، ضحكة خفيفة مفتعلة ، فهمتها الفتاة بالطبع على غير وجهها ، فأسرعت تقول :
اترانى لست جديرة ...؟ لفظتها أيضا كالطفل الذي يخشي أن يحرم الهبة الموعودة ، فقلت لها وأنا أفكر مطرقا ، وكأني أناجي نفسى: - إنك جديرة أن أجنبك مرارة الدواء . إنك تكرهين الكتب . ولست أدري كيف أقدم لك الأدب بغير الكتب . ويشق على نفسي أن أرغمك على ما تكرهين!...
وسكت . وجعلت أتأمل ما قلت . فحيل إلي أني مخطئ . لا شئ يكتسب على هذه الأرض بغير جهد ، وبغير إرغام النفس على الكد ؛ و كلما سما الغوض كبرت المشقة . إني أمام هذه الفتاة كأب أمام طفله ، فلا ينبغي أن أحجم عن أخذها بالشدة ، إذا اقتضى الأمر ذلك ، ينبغي أن تحب الكتب إذا أرادت لفكرها سموا . ولاشئ غير ذلك . فلاأكن حاسما قاطعا في القول . فأما أن تذعن وتروض نفسها على حب المطالعة ، وتصغي إلي نصحي ،
وتصدع بأمري ، وتبدي علي الأقل حسن استعدادها لمعاونتي في الخطة التي أنتهجها لها ، وإما أن تنصرف منذ الآن غير آملة في شئ ، فاني لا أصنع المستحيل . وتغير وجهي ، واتخذت ملامحي لونا آخر كله صرامة ، وفتحت فمي لأعلنها بكل هذا . ولكن شيئا أغلق فمي وسكن ثائري . إنه خوف غامض يسبح في أعماق نفسى.نعم , إني أخاف أن ينفر هذا العصفور الجميل فينطلق محاربا زاهدا في تعلم التغريد على يدي ، قائما بما كان فيه من زقزقة جوفاء فوق الغصون . ونظرت إليها مترددا حائرا :
- أيتها الأنسة ...؟ وأدركت بذكائها شيئا كثيرا مما يجول بخاطري, فبادرت تقول لي : - لا تخف . إني سأقوم بما تأمرني به . لقد قلت لك إني قوية الإرادة ! فتشجعت وقلت لها : - أتقرئين ؟ ! فقالت في الحال : كل ما تأمرني بقراءته . فاندفعت قائلا : - وتكتبين ؟ فقالت بغير توقف : - كل ما تأمرني بكتابته فصحت فرحا : - المسألة إذن قد حلت. فقالت في شيء من التفكير :
- نعم ، إني أستطيع أن أجد دائما وقتا كافيا قبل النوم للقراءة والكتابة ، وأنا في فراشي تحت مصباحي الوردي . لكن هنالك صعوبة واحدة ...
فقلت قلقا : - ما هي ؟ ! فقالت كالمخاطبة لنفسها :
- إنك بالطبع ستمتحنني فيما أقرا . وأقول لك مقدما إني ساقطة في الامتحان ... فضحكت:
-إنك تسيئين الظن بقيمتك . فابتسمت"
- لا . إن عيبي الأكبر هو أني لا أطبق مطلقا أن أقف موقف من يؤدي امتحانا . إن كل ما قرأت يطير من رأسي عند ذاك كالدخان . ولن أستطيع أن أثبت لك أني قرأت بالفعل .
فبدأ علي وجهي الارتياب : - أيتها الآنسة ؛ أتتخابثين علي وتدبرين من الآن خطط الهروب ؟
فضحكت عن ثغرها البديع : - ثق أن فكرة الهرب بعيدة عن رأسي . ولكني أبين لك مواضع ضعفي حتى تكون على حذر : فتفكرت في قولها لحظة . ثم صحت كمن وجد الفرج : - اسمعى أيتها الآنسة . قد اهتديت إلي وسيلة ترضيك - ما هي ؟ - ما قولك في أني أنا الذي أقف بين يديك موقف من يؤدي الامتحان ؟ فضحكت حتى كادت تدمع عيناها : - أنت ؟ أنا أمتحنك أنت ؟ - ولم لا ؟
وتناولت كتابا قريبا من يدي وقلت لها : - ستقرئين هذا الكتاب ، وعند زيارتك المعتادة
في الأسبوع المقبل توجهين إلى ما شئت من أسئلة ، ولن أوجه أنا إليك سؤالا واحدا .
فنظرت إلي نظرة من يقول : " يالك من ماكر " ولم يسعها إلا الاذعان . فتناولت من يدي الكتاب ووزنته في كفها وقالت : - أقرأ كل هذا في أسبوع ؟
فأجبتها : - اقرئي بعضه . اقرئي عشر صفحات أو خمسا. لست أطلب إليك قراءة كتاب بأكمله . أنا نفسى قلما أقرأ كتابا بأكمله .
فنظرت إلي دهشة ! عجبا ؛ وكيف تلم بموضوع الكتاب إذن ؟ فقلت لها ياسما :
- ليس يعنيني في كل الأحوال الإلمام بموضوع الكتاب . إن مثلي مثل الطاهي الذي يدخل مطابخ الآخرين . إنه ليس محتاجا في كل مرة أن يتناول أكله كاملة ليحكم على جودة الصناعة ، بل يكفيه أن يأخذ " لعقة " من كل إناء فيدرك في الحال كيف صنع اللون ، وماذا استعمل في إعداده وماذا أدخل في تركيبه .
فقالت : ولكني انا . . . ففهمت مرادها : - نعم ، أنت أيضا أكتفي منك بهذا القدر ، إن الأسئلة التي ستوجهينها إلي عن الصفحات التي قرأتها ، ستدلني علي مبلغ نفوذك في عالم المعاني . فكمية الصفحات التي تفرئينها لا دخل لها في الأمر ، إلا من حيث تذوقك وعدم تذوقك لما تقرئين .
فصمتت قليلا ، وأرخت أهدابها . وفتحت الكتاب وجعلت تقلب صفحاته وهي تفكر . ثم قالت في براءة وسذاجة وهي تقرأ عنوان الكتاب : - " تاييس " ؟ من تاييس ؟ فأجبت وقد ابتسمت ابتسامة غامضة : - ستعرفين . . إذا قرأت.
نعم . كان الكتاب الذي وضعته بين يدي الفتاة هو كتاب " أناثول فرانس " لماذا فعلت ذلك على وجه التحقيق ؟ ألأنه كان قريبا من متناول يدي تلك اللحظة ، أم أنه تدبير مقصود . في الواقع أنهما الأمران معا . إن
هذا الكتاب قد فرغت من قراءته البارحة . ولم أقرأه إلا من أجلها هي . وأود لو تقرؤه هي أيضا . ففيه مواقف أحب أن أعرف مدى فهمها إياها .ومن يدري ؟ لعل اختيار هذا الكتاب لها من أول الأمر توفيق مني . فقد تدرك منه بعقلها أو بشعورها قداسة ذلك الجمال العلوي الذي نبتت في سبيله " تاييس " كل عرض الدنيا وثرائها وبهجتها ، وهذا بعض ما أريده لهذه الفتاة ؛ أن يعمر قلبها نور جديد مبعثه السماء لا الأرض . وأن تؤمن إيمانا صادقا بالحمال المعنوي الذي لا تعرف اليوم معناه ولا مداه . كل هذا قد تستشقه من قراءة " تاييس " . ولكن. . . أخشى أن تستشف شيئا آخر . أخشى أن يستطيع ذكاؤها إماطة اللثام عن شخصية الراهب " يافنوس " . وأن تنفذ عيناها إلي أعماق عواطفه ، فتري ما لا أريد لها الآن أن تراه . لماذا ؟ وهنا اختلجت نفسي مرة أخري . لا . إن المقارنة بعيدة ، وينبغي دائما أن تكون بعيدة . إذا فطنت الفتاة إلي أي شبه يبني وبين " يافنوس " فقد انتهي كل شيء بيننا . إني لن أتردد يومئذ عن رجائها في عدم المجيء . . .
ونهضت الفتاة بالكتاب . ووضعت قفازها في أصابعها . ومدت يدها مودعة :
- أرجو أن لا يشغلني شيء عن قراءة هذا الكتاب ، حتى أعود إليك الأسبوع القادم رافعة الرأس!. .
وابتسمت . ولكن الهواجس كانت ما تزال تساورني فمددت يدى إليها لا للتحية ، بل لاسترداد الكتاب :
أخشى أن أكون قد أسأت الاختيار . ردى هذا الكتاب ، وخذي كتابا آخر . . .
وظهر القلق والاضطراب جليا في صوتي . فتفرست الفتاة بعينها البراقتين في وجهي . وقالت في عزيمة : لا إنى أريد أن أعرف من هي " تاييس " !

