الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 647الرجوع إلى "الثقافة"

تحدى إسرائيل هيئة الأمم

Share

في الأنباء أن إسرائيل اعتدت على القسم الحرام الذي بينها وبين سوريا وتكرر اعتداؤها ، وعرض الأمر علي هيئة الأمم فاعترفت باعتدائها وقررت أنها لا حق لها في ذلك . ثم عزلت إسرائيل بهذا القرار واستمرت في اعتدائها . وحق لها ذلك لأنها عزلت بقرار هيئة الأمم مرارا ولم ينلها أى أذي ، وهل بعد قتل برنادوت استهزاء وكان الظن أن مقتله يثير عليها هيئة الأمم ويغضبها فلم يكن شئ من ذلك ، بل نالت من حقوقها ، بل نالت من مصالحها أكثر مما نالت قبل مقتله

وإسرائيل من غير شك أعرف من العرب بالسياسة الدولية ، وكم للسياسة من الاعيب وطرق ملتوية ، ولا يبعد بحال من الأحوال أن تهتكر هيئة الأمم فعل إسرائيل ظاهرا ، وتبعث إليها بالاعتداء باطنا . ضحكا على ذقون العرب والعالم . ثم إن إسرائيل تعلم أنها بنت أمريكا المدللة

وحبيبتها المقربة ، فكيف يغضب محب على حبيبه ، وتقسو أم على بنتها ؛ إذا فلتفعل ما تفعل ولا تكترث بهيئة الأمم المتحدة وقرارها العلني ، ولتضرب بقرارها عرض الحائط ، ولنعتد ما شاء لها الاعتداء ، ولتقض على أي بلد من بلاد العرب ما أمكنها الانقضاض وهي امنة مطمئنة .

ثم إن أمريكا وانجلترا لا تفهمان إلي الآن القرار القانوني والعدالة القانونية ، وإنما تفهمان المصلحة والسيف والنار . إن شئت فاعتبر بمصر وإيران . فمصر التي تحترم العدالة والقانون . وتطالب بهما منذ سبعين عاما لا يسمع لها ، ويماطل رجال بريطانيا عاما بعد عام ، وتستصرخ مصر ولا من ينجدها . ويقع هذا تحت سمع أمريكا وبصرها فلا تنبس بكلمة . وأما إيران فقد صممت على تأميم بترولها وأدركت الشركة الإنجليزية الإيرانية صدق عزيمتها ، فتقدمت إلى إيران تعرض شروطا حسنة وتكرر شروطها

وتعدلها وفق مطالب إيران ، وإيران تأبي إلا التأميم ولا تعبأ بوعيد أو تهديد . وتنتخب من ينفذ سياستها وتعزل من لم ينفذ رغم كل التهديدات ، أليس هذا كله دليلا على أن أوربا على العموم لا تفهم إلا لغة القوة ، وويل للضعيف ، فإنه هو الذليل وهو المهين وهو المستجدي ولا يسمع لاستجدائه .

ألم يبلغك أن إسرائيل وهي العزيزة القوية قتلت برنادوت ثم ذهب دمه هدرا ، وتريجفي لي أتي مصر وذهب إلى الشام وهو معروف بميوله الإسرائيلية وعداوته للعرب ، فاستقبله العرب أحسن استقبال ، وأكرموه كما يكرم الفاتح العظيم ، وأنزلوه في ضيافتهم على حسابهم ، ونصبوا له الأصص والرياحين ، حيث ظنوا أنهم بإكرامه ينالون عطفه ؛ ولو كان هذا حقا ، لكانت إسرائيل أولى بفهم هذه السياسة العالمية ، وكانت تكرم برنادوت ولا تقتله . وويل للعرب من سياستهم .

لكم تأخرت مصر في وطنيتها وسياستها ، فمن عشرات السنين زارها الرئيس روزفلت ولمزها في وطنيتها بكلمة عابرة ، فهاج المصريون وأبوا إلا أن يستنكروا كلمته ويقابلوها بشر منها . هذا ما فعلناه بالأمس ، وهذا ما نفعله اليوم . ورحم الله الشاعر إذ يقول :

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي

            بنو المقبطة من ذهل بن شبيانا

إذا لقام بنصري معشر خشن

            عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا

لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد

            ليسوا من الشر في شيء وإن هانا

يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة

            ومن إساءة أهل السوء إحسانا

كأن ربك لم يخلق لحشيته

            سواهم من جميع الناس إنسانا

وهكذا قومنا كما وصفهم الشاعر ، يجزون على الإساءة إحسانا ، وعلى الظلم عدلا ، ويضربون فلا يضربون ، ويستذلون فيصبرون ، كأن الإيمان عندهم ذل واستكانة ، لا غضب واستماتة ، ومقابلة للقوة بالقوة ، وللحرب بالحرب ، وكأنهم لم يسمعوا قول الله تعالى : " من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " .

وصدق رسول الله إذ يقول : " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .

اشترك في نشرتنا البريدية