(صحيفة اجتماعية مطوية لم تنشر إلا اليوم. جلوة لعهد بعيد، غير عتيد)
أدلت بيى النجوى فأكثرتها رغماً ... وخفت بى الدعوة فأوسعتها عجما
بغيري أبياً يلعب البرق خلبا ... أيقتلنى يأساً وقد مدنى علما ؟
طويت على الشكوى جوانح لم يزل ... يحزُّ الأسى فيها وتكتمه كتما
شجى النفس من ليل الشبيبة أليل ... تألق هذا الشيب فى جنحه نجما
أحيدُ بأنفاسى عن الليل رهبة ... كأنىَ أخشى أن تحرِّقه قحما
بنفسى محيا الراح لو أن كأسها ... أطاحت لنا همَّا فلم تولنا هَّما
كريهٌ مذاق الموت فى الكوب وحده ... فما بال مقتون تجَّرعَ واشما ؟
يزهدنى فى مرشف الكأس أنها ... أديرت فما جازت حصيفاً ولا فدما
بكم نالها المتلاف والكأس مغرم ... ليشربها خمراً وقد باعها كرما؟
كأن حميا الكأس أعيت بفاتك ... فصبت على أخلاقه الأفن والوصما
هى الراح ذوب الحسن لا بل ظلاله ... إذا حلَّ فى نادٍ فقد طلعت ثمَّا
إلى كم تقاضي المصبيات مكانها ... لديَّ وقد عفت المناغاة والرئما ؟ أبىٌ لو ان الماء يسقي بوصمة ... تبدلتُ منه خوفَ وصمته السما أصد وقد هم الجمالُ ولو قنى ... أخى يوسفٌ صبرى لصدَّ فما هما هواناً لغى يهصرَ الحسن وردة ... فهلا يشمون الحياة به شما ؟ رويداً بخد الورد شما وزينة ... ورفقاً بورد الخد نذبله لثما
فوا كبدى كم يمنع الحسن شركة ... وما خص بالشجو القلوب كما عما ؟
أكل بديع ليس يعدوه حاجب ... يصدُّ قناعاً أو يحيط به كما ؟
لثامٌ نهى شطر الجمال فصانه ... فوا لهفتا للبدر لو أنه تما ؟
جمال الغوانى قاسَم الله خلقه ... فصبَّ عليه من تحجبه رغما
كأنك غضبي حين أبدأك برقع ... لقد رقَّ يا أختى فحلاكِ إذ نما
بعينيك من ردَّ العيون فصاغها ... قسياً ومن أصمي بنظرتها سهما ؟
جوانحنا من شبَّ فيهن جذوة ... ومن سهدت فيه العيون ومن أدمى
دعونا نرفِّه عن حشانا بآهةٍ ... تبلُّ الحشى برداً ويندى بها نسما
دموع الأسى تشفي وليست مبينة ... تلهيك بالأطيار إذ هتفت عُجما
بنى مصر لولا أعينُ الغيد فتنة ... لما مُلئت حسناً ولا مُلئت ظلما
يذمون من (بنت الهوى) طاعة الهوى ... وهم نظموها فى شقيَّاته نَظما
شفاء الفتى من سكرة المال والصبا ... ضمين به الاتلاف يلحقه العدما
لمن شرفٌ ريعت به كلُّ حرَّةٍ ... فلم يبكه جانٍ رأى جرحه يدَمى
ولدتم كهاتيك القلوب نوابضاً ... فخافوا عليهن الجريمة والاثما
لقد طُبعت طبع الحديدة فيتةٌ ... تجافت فلا داءً شفته ولا كلما
أجداً يظن الشحُّ ألا أبوةٌ ... عليهم لمن ذاق الخصاصة واليتما
ألا مصنعٌ مجدٍ ألا ملجأ ندٍ ... يفيض لهم علماً ويندى لهم طُعما
مدارسنا لا النبل فيهن حلية ... ولا العلم خصم الجهل يصرعه خصما
مدارس تجار إذا هى أربحتْ ... خسرنا بها الآداب أجمع والعلما
لقد ساد زيغ الرأى فليشك محسن ... كبارَ المساعى يوم تكسبه ذمَّا
كفى الناس تضليلاً بخدٍ مموَّهٍ ... وبالنابه المكذوب يبنونه ضخما
إذا وصفوا بالعلم والفهم نابهاً ... زهْوهُ ولم يفتنك علماً ولا فَهما
كأن بعيد الصيت يعتزُّ باسمه ... تساقط حتى ما يروعك إلا اسما
كأني بسحَّار النباهة كلما ... تقلب فى زعم أجدُّوا له زعما
توحَّدَ مغمورُ القوافى بيانهُ ... كخط الأغانى يبعث الطرب الجما
قل الزور يستاق الجماهير فتنةً ... ورحْ شيخها نُبلاً ولح بدرها تما!
صدى الناس من يحكي وكم فيهم صدىً ... ولكنَّ جزْلَ الرأى من يحسن الحكما
سما النيلُ يستعدى على الجور قومه ... فياربُّ سدِّده لأربحهم سهما
يمينا لقد أزرى بمصر مفاوضٌ ... رقيق كما ناغيتَ إحسان أو نعما
لمن يؤمن الشرقى فى الغرب بعدما ... تداولهُ نهباً وفاز به قَسما ؟
سواءٌ على الشرقى فى الكأس شهدة ... أم الموت فيها يلتذها طعما ؟
متى يخلُ غرٌ بالقوى وكأسه ... تكسب لبَّ الغرِّ بل شعبه ضما
إن أعتزَّ باغٍ لم نرَ العدل عنده ... سوى فتكةٍ بالكون تدهمه دهما
كثير التمني أطول القوم غِرَّةً ... وإن كثير النوم أكثرهم حلما
كأنك إذ تفنىِ لياليك عاملاً ... ركضت لما تبقى صوافنك الدُّهما
بنى الشرق من قواده كل سادر ... فهل أصبح البناء لا يحسن الهدما ؟
يقولون للخوان: تاب ومادهت ... معتقة إلا بما فتكت قِدْما
يظن فريقٌ يُسلم الحق أنه ... بحيث يرى الغوغاء والحاشد الفخما
إذا ضلَّ فردٌ أو بق الفرد أمةً ... أدلت به نجلاً فقتَّلها أمَّا !!
يريدوننا فى موكب الفرد أمة ... عزيزٌ عليهم أن آنفنا أحمى
أرى الجور قتال الشعوب فما لهم ... يريدونه شعباً ويرعونه بهْمَا
أكل الزعيم عندهم عزّ مثله ... كأن بأرض الشرق ويحهم عُقما
إذا ما استقل الشعب ألفى غوَّيه ... ومن هجر الأوثان أوسعها حطماً
تغضّب لا للدين بعض رواته ... تغضب للأجلال أو طلب النعمى
لقد عُبدت فى الشرق حيناً عمائم ... لو أن (أبيساً) قد رآهن لاعما
كأن الأيادى فوقها ثغر لائم ... صحيفة زور كان توقيعها ختما
مضى كل واه ينحل الدين وهنه ... بروح بلا قسم كأن به السُّقما
هو الدين إن شاؤوا يكن ضنك حكمه ... فلاة وإن شاؤوا يكن رحبه سَمَّا
فتَاوى كزورات البغى مباحةٌ ... تزيد بها غرماً فتأخذها غنمْا
إذا كانت الأديان حرباً على الحجا ... وخاصمها علم فأهْون بها خصما
إلى الصيت يسمو كل من قيل ملحدٌ ... وما قتل الإلحاد علماً ولا وهما
لأية جدوى يغمز الدين مارق ... أباح فلا حِلاُّ يراعي ولا حِرمْا
أقيما على الآداب والنبل مأنماً ... فقد ذهبا عيناً وقد محيا رسما
تنكرت الأخلاق حتى لقلما ... صنعت جميلاً لا تجازى به شتما
تهدّ إلى السوءات لا تدعه الهدى ... وغض عن المخزاة لا تدعه الحلما
كفى بتبارينا إلى الشر ضيعة ... وحسبك من تمزيق وحدتنا جرما
عذيرى من باك بأجفان عاهر ... على أمة يسعى ليقسمها قَسما
وفاق وأنى بالوفاق ودونه ... حسائك صرعى بالتنابذ أو كلمى
تنصح لمن يعصى ودعه فدهره ... سيحسم باللوعات خلفكما حسما
تنزه حب الدار عن صدر جارم ... يضرمها حرباً وقد طبعت سلما
حموا كل حر أن يفدى شعبه ... إلا كذبوا إن العواطف لا تُحمى
هى الدار ليست للمربين طُعمة ... ولكن لنهاضٍ بحجتها شهما
يدسون للمجدي وفى الدوح مثمر ... نعد له فُتْل السواعد والرجما
ألا ليت من يجنى لأهليه سوأة ... يبوء بها ذلاً على الأنف أو رغما
نصيبك من حمد فان كنت زاهداً ... فصبرك لا يذهب بصبرك من ذمَّا
غريرٌ لعمرى أيها النيلُ ناشئ ... فلا تأمن من الكيد السياسى واللؤما
إذا الشعب أعطى كل غرّ قياده ... فقد حذر الفوضى بما قتل الحزما
بربك سائل مستقلاًّ قيودُهُ ... مجرّرةٌ هلاَّ أطاق لها فصما؟
سلا نائبينا عن سجين مصفد ... ضعيف متى أهدى لنائبه عزمْا؟
عقيد العلى شعبٌ إذا ما أثرته ... تفَّزع لا يرضى هواناً ولا هضما
كفا أنفاً للحر أن حُقوقهُ ... تردُّ له عدلاً فيأخذها غشما
سموك لا تحسب من الحتم ذلةً ... وأنت مُلاق ما سموت له حَتما
أُحبُّ حياة النشء كالنشء جدة ... ولا يزدهيني محدث يشبه القدما
توثب هذا الشرق يبغي ديونه ... فيارب جنبه الدسائس والشؤما
(السكرية: دار القاياتي)

